اليمن: الجنود جائعون!

في صنعاء كانت المفاوضات عبر الهاتف تؤكد أن القائد العسكري الذي جلست إلى مقيله صُـدفة مهتم بأمر تعويض أحد مشائخ مأرب الذين ضربوا أبراج الكهرباء وحجزوا المواد البترولية وفجروا أنابيب النفط. بلغ الرقم الذي تم الاتفاق عليه ثمانية وثلاثين مليون دولار.

في أبين كان جنود الحرس الجمهوري السابق مع بعض الوحدات العسكرية المقاتلة يخوضان قتالاً شرساً على مليشيا تنظيم القاعدة في معركة "السيوف الذهبية" وكان التنظيم الإسلامي المتشدد ذبح أكثر من ثلاثمائة جندي يمني في هجوم مباغت بدم بارد.

في مأرب تطورت النزاعات المعقدة بين اللواء الثالث مشاة جبلي وبعض المواطنين الذين اغتالوا أحد الجنود إلى تسريح وتصفية القوة العسكرية بأوامر عليا من قيادة وزارة الدفاع.

في صنعاء بلغ فساد حكومة الوفاق الوطني أكثر من أربعة مليارات دولار وفق إحصائيات رسمية وتدنت نسبة الفشل الحكومي إلى رقم لافت بعد صعود الرئيس هادي إلى الحكم قبل عامين تقريباً.

وفي صنعاء أيضاً دفعت القيادة الأمنية العليا بعض الوحدات الأمنية والعسكرية إلى الاشتباك مع جنود قوات الاحتياط الذين خرجوا للمطالبة بحقوق مالية مما أسفر عن مقتل ثلاثة جنود وإصابة العشرات، وكانت القيادة العليا للقوات المسلحة قد وعدت المحتجين بتحسين أوضاعهم المعيشية التي فقدوها عقب إلغاء مؤسسة الحرس الجمهوري ضمن إجراءات هيكلة الجيش التي تمت بعيداً عن توافق أعضاء مؤتمر الحوار الوطني بحسب المبادرة الخليجية.

إجراءات الرئاسة والحكومة اليمنية القمعية لعدد من وحدات الجيش اليمني تتكرر بصورة مستفزة، وتنذر بخطر حقيقي يُـسهم في صدام مؤلم بين وحدات الجيش والحرس الرئاسي، وهو ما يعطي انطباعا موحشاً بخطأ الرئيس هادي الاستراتيجي في موافقته على ان يكون الجيش محوراً لنقاش السياسيين حوله، وتغاضيه عن وقاحة تثوير الوحدات العسكرية على قادتها الفاسدين بما يُـلغي هيبة الجيش وتراتبيته الصارمة.

بالنسبة لي أؤمن بضرورة رفع راتب الجندي إلى أكثر من اربعمائة بالمئة وأهمية تحويل الجيش إلى مؤسسة إنتاجية ضخمة بطريقة المساهمة المالية لجنوده بما ينعش أوضاعهم ويربط ولائهم تشعرهم بضخامة المؤسسة التي ينتمون إليها.

إعلامياً، لم تعد صحيفة 26 سبتمبر الصادرة عن القوات المسلحة قادرة على إلغاء عقل الجندي وتدجينه ودفعه للقتال وهو يشاهد تنازع السياسيين عليه واخضاع مطالبه للمزاج السياسي الـمُـر، فيما تمر من أمامه صفقات الكهرباء المليارية، وملايين التعويضات الممنوحة لمخربين نالوا من أرواح زملائه ورفاق وحدته.

لن اتحدث عن فساد بعض قادة الجيش، لكن ما يجب التنبيه له أن تاريخ القوات المسلحة اليمنية المعاصر لم يشهد نكراناً أشد وأقسى مما يواجه الآن جنودها، فيما يتم إثارة حالة عداء متصل بين بعض وحداتها تعداه الأمر إلى طلب التدخل من قبل قوات الأمن الخاصة لردع العسكريين المحتجين.

لا أدري أي سياسة أو منطق يقود بهما الرئيس هادي مؤسسة الجيش وهو يعرف أن سقوطها في أتون الصراعات يكرر ماضي قوات الجنوب اليمنية التي تناحرت بصورة مدمرة في يناير 1986م مخلفة ورائها أكثر من ثلاثة عشر ألف قتيل من المواطنين الأبرياء.

الجنود جائعون، وفي عهدتهم الآف القطع العسكرية والصواريخ وأطناناً من البارود والرصاص. وهذا خطر كبير.