مصر ما بعد الأخوان

في ميدان رابعة العدوية بالقاهرة تسود لغة لا يفهمها المصريون. لغة ترتجلها حاجة جماعة الأخوان إلى أن تعلن عن وجودها بعناد من يعرف أن خسارته صارت جزءا من الواقع، غير أنه يرفض أن يصدق ذلك. لذلك يمتزج في تلك اللغة التهديد بالوعيد وبالمطالبة بما لا يمكن لأحد أن يقدمه، من جهة تناقضه مع مصلحة الغالبية العظمى من الشعب المصري.

فـ"الشرعية" وهي المصدر الوحيد الذي تَشتق منه لغة المعتصمين هناك مفرداتها قد تم سحبها من التداول الواقعي، يوم قرر الشعب المصري الذي هو مرجعيتها أن يلغي أسبابها ومقوماتها ويزيح مَن تمتع بها من الحكم. سنة واحدة في الحكم كانت كافية لكي يثبت الأخوان بالملموس أنهم غير مؤهلين لقيادة بلد بحجم مصر، له من المشكلات ما لا يمكن حلها بالمواعظ والدروس والمسيرات المظاهر الدينية.

وإذا كان جمهور رابعة العدوية قد انحاز إلى نظرية الأخوان في اصلاح شعب أفسده الحكام السابقون فسار ذلك الشعب بعيدا عن طريق الهداية والتقوى والإيمان الشعب المقصود صار يفكر في تنقية فضاء بلده من الهواء الفاسد الذي نفثه أولئك الحكام عن طريق اللجوء إلى وسائل تقنية حديثة، ليس من بينها اطالة اللحى واجبار النساء على ارتداء النقاب أو الحجاب وتقصير الثياب الرجالية وكي الجباه والتظاهر بأطفال مكفنين. الشعب يفكر في اصلاح حياته لا في الاستعداد لمرحلة ما بعد الموت.

يجرد الأخوان الواقع من ملامحه العملية حين يلحقونه بلغتهم. وهي لغة مضللة، يغلب عليها طابع غيبي، وسيلة أدائه الرئيسية تقوم على التحذير مما يمكن أن يجلبه التخلي عن محمد مرسي من غضب آلهي. حتى أن أحد زعمائهم صرخ ملتاعا "ماذا نقول

لـ'لله' لو سألنا ما فعلناه بمرسي حين تخلينا عن بيعته؟"

من المؤكد أن ذلك السؤال القاطع من جهة عدم حاجته إلى اجابة تنطوي على قليل من المنطق انما هو جزء من محاولة لارهاب عامة الناس، ودفعهم إلى التراجع عن خيارهم الديمقراطي الذي وافقوا بموجبه على عزل مرسي.

الاخوان اليوم محاصرون بلغتهم التي لم تعد قادرة على التفاعل مع متغيرات الواقع المصري، كما أن خطابهم الآخروي لم يعد مقنعا إلا لأتباعهم من الاعضاء المسجلين في لوائحهم، وهم جماعة من البشر الميؤوس من قدرتها على الاندماج بالمجتمع، بسبب الأفكار المرتابة التي نتجت عن عمليات معقدة لغسل أدمغتهم كانوا قد تعرضوا لها في وقت مبكر من حياتهم. وهي الأفكار التي جعلتهم ينأوون بأنفسهم عن المجتمع وفي مرحلة لاحقة صارت تلك الأفكار مرجعيتهم لتكفير المجتمع والعيش في بيئة معادية لذلك المجتمع.

الآن وقد اكتشف الاخوان أن المصريين ينبذون نهجهم فان موقفهم من المجتمع مرشح لمزيد من العدوانية، ذلك لانهم يؤمنون أن مجتمعا سبق لهم أن حكموا عليه بالفساد وكفروه لن يكون صالحا لتقييم نهجهم. ذلك النهج الذي هو من وجهة نظرهم الوسيلة الوحيدة التي تقود البشر إلى طريق الصلاح.

لغة الأخوان بما تنطوي عليه من كراهية ونبذ انما تقف بينهم وبين المصريين مثل سد لا يحصنهم من هجمات العسكر كما يدعون، بل يضع المزيد من الأقنعة على عقول وعيون وآذان أتباعهم.

ما يهم جماعة الأخوان المسلمين في هذه المرحلة ليس استعادة مرسي لكرسيه الذي صاروا على يقين من أنه فقده إلى الابد. ما يهمهم فعلا أن يبقوا على شيء من قاعدتهم الشعبية التي تهرأت حين أنفضت الملايين التي سبق لها وأن انتخبت مرسي عنهم. اعتصامهم في رابعة العدوية هو بمثابة تلويحتهم الأخيرة، بعدها سيعودون إلى سراديبهم المظلمة. هناك حيث يقع مكانهم الحقيقي بعيدا عن شمس المستقبل.