الأديان أساس الأمم والمذهبية ليست مؤامرة خارجية!

أطلّ الغرب على منطقتنا في صراعه مع الدولة العثمانية. تنافست فرنسا وبريطانيا على الفتك بالولايات المتصالحة أو المتمردة على السلطنة والباب العالي. ذهبت الدولتان مجتمعتان أو متنافستان إلى التعامل مع الواقع الجيوستراتيجي للمنطقة بالمعنى العسكري، ومع الواقع الديمغرافي والاتنولوجي والانتربولوجي لتحقيق مآربهما وانجاح مساعيهما.

لم يخترع الغرب التناقض بين العرب والعثمانيين. جُلّ الوطنيين العرب كانوا يسعون إلى تحسين شروط الشراكة داخل الدولة العثمانية. على أن ارتقاء تركيا الفتاة - الاتحاد والترقي إلى السلطة، رفع من منسوب العمل على تتريك السلطنة على حساب الثقافات الأخرى، الأمر الذي رفع من منسوب تصاعد الشعور القومي لدى العرب، لا سيما بعد أن خسر العثمانيون ولاياتهم في البلقان.

تولى الانكليز دعم حركة الشريف حسين العروبية، وهي حركة تمرد سابقة على تدخل لندن. كما عملت بقية الدول الغربية على التدخل هنا وهناك تحت مسمى الدفاع عن الأقليات الدينية. وقفت فرنسا داعمة للمسيحيين الموارنة (حاولت بريطانيا التقرب من المسيحيين فرفض الموارنة في لبنان ذلك لأسباب دينية ترفض التعامل مع البروتيستانت). وقفت روسيا تدعم المسيحيين الأرثوذكس وتسعى لمنحهم قائمقامية مستقلة. ووقفت بريطانيا تدعم الدروز، بينما بقي السنّة مخلصين للدولة العثمانية متأثرين بنفوذها عليهم خائفين على زوال الخلافة.

بمعنى آخر جاء الغرب، في السابق والراهن، فوجد طائفية نشطة ومذهبية رائجة. اصطدم الدروز والموارنة في عامي 1840 و1860 لأسباب محلية على علاقة بتقاسم السلطة والثروة. تولى العثمانيون اللعب على وتر الطائفية ليسودوا وتولى الانكليز، كما الفرنسيين، اللعب على الوتر نفسه لطرد النفوذ العثماني والالتفاف عليه.

لم يخترع الأميركيون المذهبية في العراق. الصراع السنّي الشيعي عمره من عمر الخلاف على السلطة منذ مقتل عثمان وواقعتي "صفين" و"الجمل". في العصر العثماني مال الشيعة إلى موالاة الصفويين في إيران طلبا لحماية تقيهم اضطهاد العثمانيين. في العقود الأخيرة تولت المعارضة الشيعية العراقية ضد نظام صدام حسين الجهر بمعارضتها المذهبية لنظام أخذت عليه، من بين أسباب أخرى، أرجحيته السنيّة. فيما اظهر ما يطلقون عليه اسم "الانتفاضة الشعبانية" عام 1991 عمق المواجهة الطائفية التي فاضت بوقاحة منذ احتلال 2003، وأضحت الأساس الذي يسيّر المنظومة السياسية في العراق، رغم جهود متواضعة "مغامِرة" لتنشيط عمل سياسي علماني عابر للطائفة.

انسحب الاميركيون من العراق ولم تنسحب المذهبية مع المنسحبين. لم تتحالف واشنطن مع الشيعة بصفتهم شيعة، بل بصفتها الأعداء الموضوعيين لنظام صدام حسين الذي تعمل على اسقاطه. كما لم تتحالف واشنطن مع الأفغان أيام الاحتلال السوفياتي لأنهم سنّة (ناهيك عن وجود الهزارة الشيعة بينهم)، بل لأنهم أعداء للدولة الخصم التي نجحت من خلال الافغان في تقويض دعائم استمرارها.

من العبث تعليق خصوصياتنا، ولا أقول عللنا، على مشجب الخارج. الطائفية جزء من تاريخنا، والمذهبية جزء من اسلامنا (تيمنا بكتاب الزميل الدكتور رشيد الخيون "لا إسلام بلا مذاهب"). والعجز عن عدم تجاوز ما هو تراثيّ فينا، عائد إلى العجز عن انتاج منظومات سياسية تتجاوز تفاصيلنا الطائفية والمذهبية والقبلية والطبقية. واذا ما إدّعت الأحزاب العلمانية والقومية تجاوز ذلك، إلا أنه ثبت أن تلك الأحزاب روّضت الطوائف للعمل في سبيلها، بل واستخدمت تلك الطوائف لتمتين سلطتها تحت مسميات قومية عروبية ممانعة..إلخ.

في كل مرة تشعر الطوائف والمذاهب بأنها معرّضة لخطر وجوديّ، فإنها ستسعى لإستدعاء حماية من الخارج (ألم يأنس المسلمون في البوسنة لتدخل الأطلسي لصالحهم؟). وفي كل مرة يعجز النظام السياسي عن حماية مواطنيه، أو بعضهم، فسيتم اللجوء إلى ما يتجاوز نظام البلد وحدوده لتعويض العجز وسدّ الهوة. بمعنى أدق، هو هذا الداخل الذي يحتاح إلى الخارج ويستدرج حضوره، والخارج لن يمتنع عن ذلك إذا ما وجد أمر ذلك مواتياً. وحين يصبح حضور الخارج مكلفا، أو تتقادم تقليعته (كما حصل أيام الأستقلالات أو كما يحصل راهناً) فسيعمد آليا إلى قصر تواجده المباشر إلى حدوده الدنيا، والسعيّ لتحقيق مَصالِحه من خلال أساليب أخرى أقل كلفة وأكثر نجاعة.

يميل الغرب إلى وقف حضوره في المنطقة بالشكل المعتمد أيام انهيار الدولة العثمانية، وبالشكل الذي اعتمد منذ احتلال العراق للكويت. انسحبت الولايات المتحدة من العراق، وهي في طريق الانسحاب من أفغانستان. بقيّ تدخل الغرب جويا في الصراع الليبي، وتُرك لليبيين بناء نظامهم الجديد بالنجاح والفشل. وتولت فرنسا تدخلا سريعا واضطراريا عاجلا في مالي (حسب رواية باريس) لوقف سقوط مالي ووأد ما يهدد مصالحها في المنطقة. في ما عدا ذلك، لا يبدو أن الغرب مستعد لدفع جنوده في المدى المنظور لاسقاط نظام او تحرير دولة أو ارساء نظام (لاحظ هذا المنحى في الشأن السوري).

والمسألة ليست تسليما غربيا بنضج الشعوب وقدرتها على إدارة نفسها، بل قناعة بعقم التغيير بالقوة العسكرية وعبثية تحقيق المصالح بالقوة المباشرة (تجربتا العراق وأفغانستان ماثلتان)، وربما ايضا بسبب انتهاء حقبة أتاحت للغرب والأطلسي التمتع بهامش مناورة واسع شاسع اتاح منذ حرب البوسنة منح الغرب أسبقية وتفوق في فرض لعبته للأمم (جدير تأمل تبدل السلوك الروسي).

سيعود العرب ويكتشفون من جديد أن هذا الانسحاب الغربي المباشر لم ينزع عنهم علل الطائفية والمذهبية والعرقية، وحتى العنصرية، التي تلتصق بهم. وأن خلاف السنّة والشيعية في العراق أو لبنان أو البحرين أو الخليج، لا شأن له بمؤامرات الغرب وتدبيراته. وسيكتشق العرب أن نقص الديمقراطية وتواضع مستويات حقوق الانسان تتراجع كلما تُرك أمر ذلك لهم (لاحظ حساسية المصريين حاليا لتقارير الغرب دون غيره حول دستورية التغيير ومستوى حقوق الانسان في بلدهم). ولن يُسقط العرب آفاتهم، إلا حين يؤمنون بالتواصل مع القيّم الكونية الحديثة والتخلي عن قيّم ظلامية ممعنة في القدم، ووقف الإختباء وراء مزاعم "الخصوصية" التي تجعل من ديارنا عصيّة على التطور والانخراط في منظومات الحداثة.

الأديان ليست داء بل أساس الأمم، وهي واقع وجب التعامل معه. عادت روسيا بعد سبعين سنة من نظام الاتحاد السوفياتي الشيوعي الملحد دولة مسيحية تدافع عن الارثوذكسية في العالم. فيما تستند ثقافة الدول الانغلو سكسونية على تراث الإنشقاق عن روما والكثلكة، ولا نرى في رأس الدولة في بريطانيا أو الولايات المتحدة أو ألمانيا إلا شخصيات متأثرة بالبروتيستاتينية وفروعها (لاحظ أن جون كينيدي الكاثوليكي رئيسا للولايات المتحدة كان إستثناء يؤكد القاعدة، ولاحظ أن طوني بلير لم يجاهر باعتناق الكاثوليكية إلا بعد أن اصبح خارج الحكم في بريطانيا). والأمثلة لا تنتهي إذا ما أبحرنا صوب أميركا اللاتينية الكاثوليكية أو ذهبنا حلّقنا فوق الهند وجنوب شرق آسيا. والحكمة تكمن في إدارة الحكم بعيدا عن الدين والتديّن، وإبعاد الطوائف عن يوميات تدبير الأوطان.

قد يقول قائل إن الطائفية في لبنان كانت الحامي الأول للديمقراطية والمانع الأول لإقامة الديكتاتورية. قد يكون ذلك صحيحا، لكن سوء إدارة الاختلاف هو ما يقف وراء أزمات البلد وانفعالاته وحروبه، كما في أزمات وعلل العراق ودول أخرى ما زالت تعيش دون الدولة وربما دون السياسة أيضاً.