الإخوان: انشقاقات الفرع الأم بعد الثَّورة

رجل عبر عن آرائه بصراحة تامة

لندن- شهدت جماعة الإخوان المسلمين بعد الثورة، أكبر حالة فصل واستقالات لأعضائها، نتيجة الخلاف فى الرؤى، وأبرز الأسباب التي أوردها المستقيلون كانت بسبب دعم المجلس العسكري ضد الثورة، فضلا عن اتهامات بالتفاوض مع عمر سليمان أثناء الثورة لإخلاء الميدان من أعضاء الجماعة مقابل السماح بتأسيس حزب وجمعية، بالإضافة إلى عدم نظر الطعون المقدمة في انتخابات مكتب الإرشاد في عام 2009.

وكانت جريدة "الحرية والعدالة" الناطقة باسم جماعة الإخوان المسلمين قد أصدرتبيانا بأسماء أعضائها المفصولين على مدار 80 عاماً، موضحة أسباب فصلهم، والتي لخصتها بخروجهم على ما أقره مجلس شورى الجماعة، مبينة أن حالات الفصل كانت محدودة وأن الغرض منها الحفاظ على "كيان الجماعة"، وذلك بعد تزايد حالات نشر عدد من أعضائها، استقالات مكتوبة ومسببة تتلقفها الكتب سريعا، وآخرها استقالة على الهواء من كمال الهلباوى المتحدث السابق باسم الإخوان في أوروبا.

اللافت للنظر هو أن من بينالمفصولين عدداً من القيادات التاريخية للجماعة، أمثال عبدالمنعم أبوالفتوح لترشحه للرئاسة، خارج الإخوان،وأبو العلا ماضي لتأسيسه حزب الوسط، ومحمد حبيب، وإبراهيم الزعفرانى لتشكيكه في انتخابات المرشد العام. كما تم فصل داعمي أبوالفتوح، و10 من شباب الإخوان خالفوا قرار الجماعة بعدم الانضمام لأي حزب سوى الحرية والعدالة، وقاموا بتأسيس حزب التيار المصري، من بينهم إسلام لطفي، وعبدالرحمن خليل.

رئيس الجهاز الخاص

قبل الحديث عن الانشقاقات والاستقالات من جماعة الإخوان المسلمين، بعد 25 يناير، نأتي على أهم استقالة وأخطرها، والتي خصت رئيس النظام الخاص فيها، وما يعني من خطورة المعلومات التي كان يمتلكها، من الاغتيالات أو العمل السري للجماعة وكهوفها، ألا وهو عبد الرحمن السندي، الذي أوكل مؤسسة الجماعة ومرشدها الأول حسن البنا إليه قيادة التنظيم الخاص أو الجناح العسكري للإخوان المسلمين، مع أن عمره آنذاك لم يكن يتجاوز الحادية والعشرين، وذلك نظراً لانتقال محمود عبدالعليم إلى دمنهور، وكانت أولى عمليات السندي، هي تفجير النادي البريطاني، الذي كان مكتظاً بضباط وجنود الجيش الإنجليزي ليلة عيد الميلاد، لكن التفجير لم يخلف أي ضحايا.

ولد عبدالرحمن السندى فى المنيا 1918 وتوفى 1962، وحصل على مؤهل متوسط في الدراسة، كان مصاباً باعتلال في صمامات القلب نتيجة حمى روماتيزمية. قاد السندى النظام العسكري في عهد البنا، ثم تمرد على حسن الهضيبي، المرشد الثاني للإخوان المسلمين، عندما قرر الأخير إعادة النظر في النظام الخاص، وإعفاء السندي من مهمة قيادته، وأوكل إياه إلى أحمد حسنين، لكن السندى أعلن تمرده على الهضيبي، وقام مع بعض أنصاره باحتلال المركز العام للجماعة، وذهب معهم إلى منزل الهضيبي وأساء إليه، مما دفع هيئة مكتب الإرشاد والهيئة التأسيسية إلى اتخاذ قرار بفصل السندي وبعض من معه، وتعيين يوسف طلعت مكانه.

بعد عزله قام السندي بقتل سيد فايز، الذى كان عضواً فى النظام الخاص ومباركاً لفصله، بعلبة حلوى مفخخة، تبعتها تصفيات جسدية لعدد من أعضاء النظام الخاص، نسبت إلى عبدالرحمن السندي ورفاقه المفصولين.

بدأ تمرد عبدالرحمن السندى وفقا لعمر التلمساني (المرشد العام الأسبق للجماعة) فى عهد حسن البنا، عندما قرر التنظيم الخاص تنفيذ عمليات دون الرجوع إلى البنا، ويفسر التلمسانى ذلك بقوله "السندي عندما شعر بطاعة وولاء النظام الخاص له، تملكه غرور القوة وشعر بأنه ند لمرشد الجماعة".

التصدع في الجماعة ليس جديداً

ويقول عمر التلمساني إن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، نجح في استمالة السندي بتعيينه في شركة شل للبترول، وأثث له فيلا، واتهم السندي بأنه ساعد عبدالناصر في التخلص من النظام، والإبلاغ عن أعضائه. ووصف أحمد عادل كمال، المؤرخ الإسلامي وأحد أعضاء النظام الخاص، عبدالرحمن السندى وصفاً مغايراً في حوار له مع موقع إسلام أون لاين، إذ قال

"الحقيقة أنه كان رجلاً مخلصاً، وكان متشبعاً بفكرة النظام الخاص مما لا يسمح معه بكلام في أي مجال آخر، ولا شك أنه كانت له أخطاء، منها مثلا أنه لم يرجع للإمام البنا في قرار قتل الخازندار، لكنه كان مؤمناً إيماناً لا حدود له بفرضية الجهاد في سبيل الله، وحبب ذلك إلى قلبه فأفرغ ذلك الإيمان في النظام الخاص، أخلص له كل الإخلاص كان يعشقه ويغار عليه وضحى في ذلك بكل غال، وكان يربط كل تكليف بتوقيت، وكان سؤاله التقليدى متى؟ ثم يتبع متى بلماذا"؟

المنشقون بعد ثورة 25 يناير

كانت آخر حالة استقالة من الجماعة لكمال الهلباوي، الذي أعلنها على الهواء في برنامج "العاشرة مساء" على قناة "دريم" بعد أن دفعت الجماعة بخيرت الشاطر في انتخابات الرئاسة رغم تصريحها في أبريل الماضي بأنها لن تخوض الانتخابات، وأعرب الهلباوي في البرنامج عن حزنه للأداء "المتخبط لقيادات الإخوان وسعيها للسلطة بشكل لا يختلف مع أداء الحزب الوطني السابق، وفصلها للدكتور عبدالمنعم أبوالفتوح عندما أعلن ترشحه للرئاسة، مؤكداً وجود صفقات مستمرة وعدم شفافية، وأن المجلس العسكري لو لم يكن موافقا على ترشيح الشاطر لما رفع الحظر عنه". ووصف محمود غزلان، عضو مكتب الإرشاد، استقالة الهلباوي بأنها مجرد فرقعة إعلامية، وأن المتحدث الرسمي السابق للإخوان المسلمين في أوروبا لا ينتمي لتنظيم الإخوان.

فى أبريل 2011 نشرت الصحف المصرية نص استقالة إبراهيم الزعفراني، أحد قيادات الجماعة في الإسكندرية، وعضو مجلس الشورى بها، والذى خدم الجماعة أكثر من 45 عاما وفقاً لنص الاستقالة التي قدمها إلى المرشد العام الدكتور محمد بديع، والتي جاء فيها "لقد عشت داخل تنظيم الإخوان، 45 عاماً، أظن أني كنت ثابتاً فيها كغيري من الإخوان الكرام، حتى كانت أوائل سنة 2010، حيث أجريت انتخابات مكتب الإرشاد والمرشد العام، وكانت لي اعتراضات على اللائحة، وضرورة تطويرها وكذلك مذكرة فيما جرى في الانتخابات ومر عام وأكثر ولم يحدث تطوير ولم أتسلم رداً على مذكرتي". وأضاف الزعفراني "بعد ثورة 25 يناير لم أر تغييراً حقيقياً، وظهرت دلائل هي في نظري لا توحي بفصل الحزب عن العمل الدعوي والتربوي والاجتماعي بعد أن قام مكتب الشورى بتعيين وكيل مؤسسي الحزب، مما يعني تبعيته لتنظيم الإخوان المسلمين".

قدم هيثم أبو خليل القيادي بجماعة الإخوان بالإسكندرية ومدير مركز "ضحايا" لحقوق الإنسان، استقالته فى 31 مارس 2011، وأورد فيها 12 سبباً أبرزها التفاوض مع عمر سليمان أثناء الثورة. يقول أبوخليل في نص استقالته "أستقيل لاعتراضي على عدم اتخاذ إجراء صارم وحاسم ضد أعضاء من مكتب الإرشاد ذهبوا إلى لقاء سري على انفراد بينهم وبين اللواء عمر سليمان، نائب رئيس الجمهورية الأسبق أيام الثورة، وهو لقاء آخر غير اللقاء المعلن الذي حضره الكثير من القوى الوطنية، هذا اللقاء الذي خصهم فيه سليمان بالتفاوض من أجل إنهاء المشاركة في الثورة مقابل حزب وجمعية، وكنت أتمنى بدلاً من أن يثور مجلس الشورى العام عليهم فور علمه أن يقيل مكتب الإرشاد بأكمله الذي أقسم أفراده على عدم البوح بهذه المصيبة". واتهم أبوخليل جماعة الإخوان بالتفاوض مع أمن الدولة العام 2005 على السماح للجماعة بالفوز بعدد من مقاعد البرلمان مقابل نسبة معقولة من التزوير.

كذلك قدم الشيخ محمد سعيد عبد البر، القيادي بالجماعة، استقالته من الجماعة قبل استقالة أبو خليل بـ20 يوماً، بسبب "انفصال الجماعة عن النسيج الوطني" و"انتشار الفكر الوهابي والقطبي بين القيادات ورفضها للنقد الداخلي". كما أن الجماعة تسارع لدعم العسكر وتحرص على إيقاف الحالة الثورية واتهم الجماعة بأنها "تقسو على الأفراد وتشهر في وجوههم سيف السمع والطاعة" داعياً "لتأسيس جماعة أخرى".واستشهد عبدالبر فى استقالته بما جرى مع الدكتور إبراهيم الزعفراني عندما قدم مذكرة تحمل 30 تحفظا على الانتخابات الداخلية لمجلس شورى الإخوان، ولكن أحدا لم يلتفت إلى هذه التحفظات.