برلمانيون عراقيون يتنازلون عن رواتبهم التقاعدية: كان الإخراج سيئاً ياسادة!

أقرب مسافة بين نقطتين هي الخط المستقيم، ويقولون من يقول الحقيقة يقولها بجملة أو أكثر قليلاً، ولكن من يكذب يظل يلوك الكلام بحثاً عن إقناع مستحيل، ومن يعرف ما يريد يذهب إلى ما يريد مباشره، بأقصر الطرق، أي بالخط المستقيم، ومن دونما لف ودوران، خصوصاً عندما يكون الهدف واضح وبين، وطرائق الوصول إليه واضحة وبينة.

ما السبب الذي يدعو شخصاً كباقر الزبيدي، وهو رئيس كتلة برلمانية، أن يذهب إلى وسائل الإعلام ويعلن أمامها عن تنازل أعضاء كتلته عن رواتبهم التقاعدية؟

وما هو مبرر السيد بهاء الأعرجي، وهو رئيس كتلة نيابية أيضاً، بالذهاب إلى كاتب عدل في الكاظمية لأشهار وتوثيق تنازل كتلته عن الرواتب التقاعدية؟

وهم لم يتقاعدوا بعد - ربما بعد عمر طويل!- ورواتبهم التقاعدية لم تقر بعد، ثم ليس المطلوب تقاعدهم هم فقط، وإنما تقاعد من سبقهم، ليس من النواب فقط، وإنما من الوزراء، وكل أصحاب الدرجات الخاصة، وأعضاء مجالس المحافظات، ومجلس الحكم، وهم بعشرات الإلوف، يكلفون خزينة الدولة مئات المليارات من الدنانير التي تكفي لإعاشة وكفالة كل ذوي الإحتياجات الخاصة، وكبار السن، والأسر المتعففة، وعلى نطاق الوطن كله.

المطلوب، وبكل وضوح، إلغاء هذه الرواتب التقاعدية، ومساواة هؤلاء الذين يتقاضونها بغيرهم من أبناء الشعب، واحتساب رواتبهم التقاعدية، إن كانت لهم خدمة، ضمن إطار قانون التقاعد الموّحد، بحيث يأخذون حقهم، الذي لا يزيد عن حق غيرهم، ولا ينبغي أن تفصّل الإمتيازات على مقاس أشخاص بعينهم، فالمواطنة واحدة، والمواطنون متساوون أمام القانون، ولا يوجد مواطن يختص بقانون تقاعد خاص به، ولا يمكن أن يمنح راتباً تقاعدياً أبدياً، وضمن أعلى سلم وظيفي، لمجرد أنه إنخرط في مجلس بريمر، أو أنتخب لمجلس نيابي، أو لمجلس محافظة، أو استوزر لشهر أو شهرين.

لقد قدمت النائبة حنان الفتلاوي طلباً إلى رئاسة البرلمان بضرورة إلغاء الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان، ودعمت هذا الطلب العديد من الكتل الصغيرة، ويفترض بداهة أن تكون الكتلتان المنضويتان تحت خيمة التحالف الوطني، والتي قام من يمثلهما بالتعهد بالتنازل عن رواتب نوابهم التقاعدية، من ضمن الموافقين أو المطالبين بإلغاء الرواتب التقاعدية.

واضح أن الأغلبية في البرلمان متفقة على مثل هذا الإجراء، ربما هنالك قلة قليلة لا تتفق مع هذا الإجراء، لكن الأكثرية قادرة على فرضه وإقراره داخل البرلمان، حتى إذا إمتنعت كتلة كبيرة أو أكثر عن الموافقة عليه، تماماً مثلما تم إقرار الكثير من القوانين رغم إمتناع كتلة كبيرة أو أكثر عن التصويت.

ليس المهم من قدّم أو يُقدم مقترح إلغاء تقاعد النواب وذوي الدرجات الخاصة، أو من هو الأسبق، أو أية كتلة ناضلت من أجل هذا، وإنما المهم أن يقر البرلمان هذا القانون، الذي هو في مصلحة الشعب، وفي مصلحة البرلمان كمؤسسه، ومصلحة البرلمانيين كمواطنين عراقيين، يرى الشعب أنهم يحاولون التمايز عنه، وأنهم يجهدون في إحتياز المنافع والمكاسب، وهو ما لا يحتاج إلى برهان.

لقد قال بعض البرلمانيين إن طلب إلغاء رواتب البرلمانيين التقاعدية، ليس سوى حرب معلنة ضد البرلمان، يصعب علي كمتابع أن أعرف كيف يفكر مثل هذا الشخص، وهل هو يدافع عن البرلمان حقاً، أم يدافع عن المكاسب التي يتمتع بها هو كبرلماني، ومن دونما وجهة حق؟

لا أظن أن هذا البرلماني وحده من يفكر هكذا، وأمثاله موجودون في كل الكتل، بما فيها أكثرها زعيقاً بضرورة الإلغاء، وقد تعودنا، مع مزيد الأسف، رؤية الوجه ونقيضه، والرأي ونقيضه، ومن قبل الشخص عينه، أو الأشخاص عينهم، وكي لا يستغفل الناس، نقترح أن يكون التصويت علنياً، وأن يصدر البرلمان قائمة بعد التصويت تتضمن من أيد، ومن عارض، ومن إمتنع، كي يكون المنتخبون على بينة من أمرهم، وكي لا ينخدعوا مرّة أخرى.

أيها السادة أعضاء البرلمان!

اقدموا على العمل الذي يليق بممثلي الشعب، واقروا ما يُبطل قوانين العار التي أقرها برلمانكم نفسه، بشخوصه ورؤساء كتله، وداخل قبة البرلمان، وبعيداً عن المزايدات والألاعيب الصبيانية، والمناكفات التي أصبحت مثار تندر المتندرين.

ما هذه التمثيليات الساذجة المكشوفة؟

ومن يمكن أن ينخدع بها؟

مع إقتراب الإنتخابات البرلمانية أصبحت قطط البرلمان السمان، تتمثل أبا ذر الغفاري رضي الله عنه، وياله من منظر مُضحك منظر مُنفتخي الأوداج، الذين عادوا بلا رقبة على قول الشاعر النواب، وهم يتصنعون الإيثار والتعفف!

ثقوا، لا يثلبكم أن تتصرفوا كسياسين، براغماتين، نفعيين، ووصليين، ولا حتى مُحتالين، فديدن السياسة والسياسين هكذا، ولكن لا يليق بكم إرتداء رداء التقوى، فأنتم عاطلون عنه، فارتدوا ما يليق بكم، وأعلموا إن كنتم لا تعلمون، ( إن العراقيين مفتحين باللبن!)!

ليس المطلوب ياسادة تنازلكم عن الراتب التقاعدي، فالذي يتنازل يتنازل عن إستحقاق له، والرواتب التقاعدية ليست إستحقاق لكم، وإنما هو تغوّل منكم، وإستئثار وسوء تصرف بما إئتمنتم عليه، وإذا أردتم الحقيقة فهو عار إلتصق بكم، عليكم التخلص منه.

لقد منحتم أنفسكم ما لا حق لكم به وتجاوزاً على القانون، وإمتهاناً بمبدئي العدل والمساواة، وكان لزاماً عليكم إزالة هذه المنقصة التي أسميتموها تشريعاً، بنفس الطريقة، وبنفس الإسلوب الذي أقريتموها فيه، ولا خيار لكم غير هذا، وإلا كنتم بمواجهة الشعب الذي لم يعد يطيق بلواكم، ولا تصرفاتكم، وبات يتندر على قوانين برلمانكم القراقوشية التي منحتم من خلالها لإنفسكم إمتيازات لم يعرفها برلماناً آخر، لا في مشارق الأرض ولا في مغاربها، لا قديماً ولا حديثاً.

السياسي الذي يتصور أنه يمكن أن يخدع الناس عبر التمثيل عليهم، لا يخدع سوى نفسه، ومن يتصور السذاجة في الناس تكون السذاجة سمته هو، ولعل هذه الوسائل الساذجة التي شاهدناها من على شاشات التلفزيون كافيه لوسم ساسة آخر زمن بالسذاجة والجهالة معاً.

لقد كان الإخراج سيئاً، وسيئاً جداً أيها السادة.