فشل الحكومة التونسية يجمع آلاف المعتصمين للاطاحة بها

انتهت لعبة الوعود

تونس - الأعلام التونسية الحمراء التي يلوحون بها واحدة، لكن الانقسام بين المحتجين من المعارضة والمتظاهرين المؤيدين للحكومة في الساحة الرئيسية في العاصمة التونسية أوسع بكثير من المسافة بين الحواجز التي وضعت هناك لتفصل بين الفريقين.

وبعد مرور أكثر من عامين على توحد التونسيين للإطاحة بالرئيس المستبد الذي حكم البلاد لفترة طويلة تواجه البلاد الآن أسوأ ازمة سياسية منذ الانتفاضة التي أطلقت موجة من الاحتجاجات في أنحاء المنطقة.

وترفع المعارضة شعار الرحيل في ساحة باردو حيث يحتشد الآلاف عند الغروب في الأيام القليلة الماضية.

ومع تزايد عدد الناس في الميدان بشكل مطرد يزداد موقف المعارضة العلمانية وأنصار الحكومة التي يقودها الإسلاميون تشددا.

وتقول المعارضة التي أغضبها ثاني اغتيال لأحد زعمائها وشجعها الإطاحة بالرئيس الإسلامي في مصر بدعم من الجيش إنها لن تقبل بأقل من سقوط القيادة الانتقالية الجديدة.

ويتهم أنصار حركة النهضة الحاكمة المعارضة بالسعي لتدمير الدولة بسبب العداء للإسلاميين الذين صعدوا عبر انتخابات ديمقراطية.

وبالإضافة إلى الاضطرابات في الشوارع فإن عملية الانتقال الديمقراطي الهشة في تونس والتي يديرها المجلس التاسيسي المؤقت مهددة. وتقول الجمعية إن امامها أسابيع قليلة للانتهاء من وضع أول مسودة للدستور.

ويشعر التونسيون في طرفي المواجهة التي تزداد استقطابا أنهم يقاتلون من أجل البقاء وبقلق جعل ردود الأفعال قوية على نحو خاص.

وهتفت رجاء حداد التي تلفحت بالعلم التونسي وسط المحتجين العلمانيين قائلة "يجب حل هذه الجمعية ودستورها لأنهم ليسوا حكومة..انهم إرهابيون".

ومضت تقول "زمنهم ولى والناس فاض بها الكيل. نحن مستعدون لأي سيناريو سواء كان احتجاجات أو حربا".

وخلافا للوضع في مصر حيث يوجد أنصار الرئيس المعزول في منطقة بينما يوجد معارضوه في مكان آخر فإن الفصيلين المتعارضين في تونس يمكن أن يكونا على مسافة أقرب.

ومنذ أن بدأت المظاهرات الجمعة تزايدت الأعداد من مئات قليلة إلى بضعة آلاف بل وبلغ عدد المحتجين المعارضين 20 ألفا الثلاثاء.

والاحتجاجات سلمية إلى حد كبير حتى الآن باستثناء حالات قليلة للتراشق بين الجانبين وتدخلت الشرطة بإطلاق الغاز المسيل للدموع في وقت سابق هذا الأسبوع.

لكن الغضب يعتمل تحت السطح منذ الخميس عندما قتل المعارض محمد البراهمي بالرصاص بعد ستة أشهر فقط من اغتيال السياسي شكري بلعيد زميل البراهمي بالرصاص أيضا. وتلقي الحكومة باللائمة على المتشددين السلفيين.

وتقول المعارضة إنه بصرف النظر عمن يقف وراء الهجمات إلا أنها خطأ حركة النهضة. وتشعر أن الحزب أوجد إحساسا بالإفلات من العقاب بين الإسلاميين المتشددين.

وقالت مونيكا ماركس وهي محللة تقيم في تونس إن بمقدور القادة المساعدة في تخفيف التوترات باستخدام خطاب أكثر هدوءا وخصوصا في المعارضة. وتابعت قائلة "إنهم بدلا من ذلك يتجهون إلى الهجوم بضراوة".

ورفضت أسرة البراهمي السماح للنهضة بإرسال مندوبين لحضور الجنازة.

وفي الجنازة التي حضرها آلاف التونسيين قال أحمد الصادق زميل البراهمي "بعد أن دفنا البراهمي نحتاج الآن إلى دفن حكومة النهضة".

وتفجر العنف في عدة مرات سابقة منذ أن أطيح بزين العابدين بن علي.

لكن اعتبرت مرحلة ما بعد الإطاحة ببن علي واحدة من بعض القصص القليلة الأكثر نجاحا في انتفاضة عربية أفسدتها الحرب الأهلية السورية وإطاحة الجيش المصري بالرئيس المنتخب ديمقراطيا والمنتمي لجماعة الإخوان المسلمين وهي خطوة أدت إلى احتجاجات عنيفة.

وعرضت حركة النهضة بعض التنازلات، وتقول إنها منفتحة لتشكيل حكومة جديدة. لكنها ترفض حل الجمعية التأسيسية. وبالنسبة للمعارضة فهذا ليس كافيا.

وتساءل محمد بلعاطي وهو عاطل عن العمل عمره 26 عاما بين المحتجين "هذا ليس تصلبا لكنه قرف. لماذا نقبل تنازلات أخرى إذا لم توقف التنازلات الأخيرة الاغتيالات؟".

وعلى مقربة كان مؤيدو النهضة غاضبين أيضا. وهتفوا قائلين "احترام الشرعية واجب".

ويتذكر العلمانيون سلسلة من الهجمات شنها سلفيون على دور للسينما والمسرح ومتاجر لبيع المشروبات الكحولية ويلقون بالمسؤولية على حركة النهضة.

ويراقب الإسلاميون الذين تعرضوا للاضطهاد في عهد بن علي بانزعاج الحملة على الإسلاميين في مصر.

وقالت منية الحاج (44 عاما) التي ترتدي غطاء رأس أبيض "كنت سجينة سياسية في عهد بن علي. تعرضت للتعذيب وأرفض أن أعود للعيش تحت القمع والإذلال".

ومضت تقول "إذا كانوا يريدون التغيير فليذهبوا إلى صناديق الاقتراع. لا نزال نقدم تنازلات لكنهم ضد وجودنا بشكل مطلق. لا نريد إراقة الدماء لكننا مستعدون للموت في سبيل العدالة".

ويكافح التونسيون للإجابة على سؤال تواجهه كثير من النظم الديمقراطية الوليدة في المنطقة: كيف يمكن للدول التي تمر بمرحلة انتقالية أن تحترم الانتخابات وتستجيب للسكان الذين يتعجلون التقدم ويخشون العودة مرة أخرى إلى القمع؟

ويقول محتجون علمانيون مثل بلعاطي إن الإجابة واضحة "الديمقراطية لا تقتصر على الصناديق وإنما تعني الإرادة الشعبية. إرادة الشعب التونسي تغيرت. حركتنا لا تخاطر بإحداث أزمة. الأزمة موجودة بالفعل".

لكن ماركس ترى أن التونسيين يجب أن يخشوا على تقويض استقرار حكومتهم الجديدة بينما هي قريبة جدا من الانتهاء من وضع دستور جديد وبعد تحديد موعد مبدئي لانتخابات جديدة هو 17 ديسمبر/ كانون الأول.

ومضت تقول "التونسيون ليس لديهم قائمة بانتهاكات مروعة ترتكبها الدولة.. لا يوجد مبرر كاف لإلغاء المؤسسات الانتقالية".

ويذكر متابعون للشان التونسي ان الاغتيالات والتوظيف بالمحسوبية والتجاوزات المالية وانتشار السلاح وغلاء الاسعار وارتفاع نسبة البطالة وفشل الموسم السياحي اضافة الى عدم استقرار البلاد منذ الانتخابات انجازات حكومة النهضة.

وتاخر أعضاء المجلس التاسيسي 8 اشهر عن الموعد المحدد لانجاز الدستور الذي اثار جدلا واسعا. ويقول مراقبون دوليون إنه لا توجد اعتراضات رئيسية ولا يرون علامات على تشدد إسلامي في مسودة الدستور بالرغم من انتقادات المعارضة.

ومنذ الانتفاضة نال التونسيون سمعة طيبة لتراجعهم عن شفا الاضطرابات. وقد يفعلون ذلك مرة أخرى. وبالرغم من أن المتظاهرين من الجانبين يرددون شعارات غاضبة إلا أنهم يمرون أمام المعسكر الآخر غير خائفين من الهجوم.

وفي المعارضة يوجد بعض المتدينين من ذوي اللحى الطويلة ونساء محجبات يرددون هتافات معهم. وفي مخيم حركة النهضة هناك بعض السافرات اللاتي يضعن العلم التونسي على أكتافهن العارية، وهي ظاهرة انتشرت في اليومين الاخيرين من الاعتصام.

وتواترت انباء عن حشد انصار النهضة من مختلف المحافظات باستعمال وسائل النقل العمومية، لكن عدد المتظاهرين من انصار النهضة لم يبلغ عدد المعارضين الذي يزداد كل ليلة بعد الافطار.

وقالت هاجر وهي طالبة عمرها 27 عاما بينما كانت تراقب مخيم احتجاج حركة النهضة من خلف الحاجز وهي تضحك "نعم.. نحن في أزمة... لا أحب هؤلاء الناس وأريد أن أسحق حكومتهم. لكننا جميعا تونسيون. وسنتوحد مرة أخرى".