حماس المدللة وشعب غزة المنسي

يقال أن حماس كانت قد ظُلمت يوم أقيلت حكومتها التي كانت منتخبة. فكان عليها أن تعتصم في غزة لتخطف مصير شعبها كما يفعل القراصنة. حماس موجودة اليوم في غزة بقوة السلاح. شعب غزة يعيش بالحيلة محاصرا بسبب وجود حماس هناك. معادلة مريحة في حقبة صار القرار السياسي العربي فيها تابعا لسلطة المال. وهو ما استجابت له حماس حين قررت الانتقال من الحاضنة الايرانية الى الحاضنة القطرية. مَن يدفع أكثر يكون أكثر قدرة على توفير الحماية والامان.

صعود الاخوان المسلمين الى السلطة في مصر شكل مصدر استقواء بالنسبة لزعماء حماس فتحرروا من تشابكات تاريخهم (النضالي) حين كانت الحركة جزءا من جبهة المقاومة، التي تشكل سوريا عمقها فيما يشكل حزب الله وايران طرفاها. لقد عادت الحركة إلى ملعبها العقائدي باعتبارها جزءا من التنظيم العالمي لحركة الاخوان المسلمين الذي يديره القرضاوي من الدوحة.

سيقال أن لحظة طيش سياسي هي التي جعلت حماس تنقلب على ماضيها ورفاق ذلك الماضي. هناك قدر واضح من الانتهازية السياسية كان ذلك الانقلاب يعبر عنه. هذا صحيح. ولكن تلك الانتهازية كشفت عن الانحياز الطائفي الذي حضر مغلفا بالابخرة العقائدية وهو ما لم تقو حماس على مقاومته وهي ترى أمها في العقيدة، أقصد جماعة الاخوان المسلمين تنتصر في مصر مدعومة بالمال القطري.

يومها ظن زعماء حماس أنهم عن طريق الانقلاب سيربحون العقيدة والمال معا.

غير أنهم لم يكونوا يقرأون الغيب.

حسها السياسي المتهافت جعلها تندفع مسرعة إلى أحضان أخوة كانوا يبحرون وسط عواصف لن يقوواعلى مقاومتها. كانت حماس تحلم في التحليق مثل طائر مدلل، جناحاه المال القطري والسلطة الاخوانية في مصر. فإذا بالجناحين اللذين راهنت عليها يخذلانها.

فجأة أدارت قطر ظهرها للأخوان الذين سرعان ما فقدوا السلطة في مصر.

الآن تعيش حماس وضعا مزريا.

من الخارج يبدو الوضع كذلك، غير أن زعماء حماس يمكنهم أن يرون ما لا نراه.

فحماس التي عرفت كيف تبتز العالم من خلال احتكارها التحكم بمصير مليون فلسطيني هم رهن الاعتقال في غزة تعرف جيدا أن المعسكر الذي غادرته في وقت سابق لا يزال يرغب في عودتها إليه.

وإذا ما كان زعماؤها قد تبجحوا في وقت سابق بان قرارهم المستقل في ما يتعلق بالازمة السورية هو الذي أنشأ مسافة بينهم وبين حلفاء الأمس ففي إمكان انتهازيتهم السياسية أن تجعل من كل حديث عن تلك الاستقلالية مجرد مناورة كلامية صارت جزءا من الماضي البلاغي. وهنا علينا الانتباه إلى أن حركة حماس مثلها مثل كل حركات الاسلام السياسي لا تمارس العمل السياسي إلا من جهة كونه نوعا من الدهاء والنفاق وخداع الآخرين من أجل الوصول إلى السلطة، وهو هدف لذاته.

لا تخفي حماس وبعد أن فشل رهانها على المال القطري والاخوان في مصر رغبتها في العودة إلى معسكر المقاومة والممانعة التي غادرته، وهي تدرك جيدا أن فرقاء ذلك المعسكر لن يقابلوا رغبتها تلك إلا بعتب خفيف لا ينسيها حاجة أولئك المقاومين إلى غزة، باعتبارها المكان الانسب لأية مغامرة حربية مفتعلة في المنطقة.

ستستعيد حماس موقعها القديم في الحاضنة الايرانية وقد تحظى بدلال أكثر.

سيضفي سلوك قادتها الانتهازي عليها هالة الطفل المشاغب الذي يهدد بتفجير قنبلة يحتضنها مثل دمية. وليست تلك القنبلة سوى غزة. اما شعب غزة الذي صار مجرد ساتر بشري تختبيء وراءه الجماعة الاسلامية المتشددة فلا أحد من حلفاء حماس، على اختلاف مشاربهم الفكرية وتوجهاتهم السياسية قد فكر في مصيره. بالنسبة للجميع فان حماس هي غزة وغزة هي حماس.