المجد للكلمة والشعراء

النيجيري وول سوينكا

ينطلق الشعر من رحم السكون ومن رحم الحركة، ومن الصراع العقلي أو النفسي تنبعث مناجاة المبدعين. غير أنّ الشعراء البريطانيين لا يكفون عن التلاقي والحديث في الشعر وعن الشعر. ذلك أنّ تاريخهم يمتد من منتصف القرن السابع إلى الآن، وقد خطَّوا مذّاك أجمل القصائد في الثقافة الغربية. لن تعدم إذن هذه الجزيرة مهرجانات تُجسِّد قوام الحياة الشعرية في بريطانيا، وتدعو إليها شعراء من كل جنسيات العالم، وتنخرط في سلسلة من القراءات الدرامية، والخُطَب، وحفلات التوقيع، وورش العمل، والحفلات الموسيقية، وندوات الشعر العالمي. كما لا تخلو من مناقشات حول التراجع النسبي في نشر الشعر، أو إبرام العقود لنشر الكتب والترجمة، أو اكتشاف المواهب الشعرية.

تتراوح فعاليات المهرجانات الشعرية بين موضوعات الشعر الأنكليزي عبر الحدود، والسلام المتقلقل، وعصر النهضة الاسكتلندية، وشعراء ما بعد الهولوكوست، وماهية الهوية الثقافية، وتجارب الجنود البريطانيين في العراق وأفغانستان.

ويدرك القائمون عليها أن الذخيرة الشعرية لبعض الدول تقتصر على الكلمة المسموعة وحدها، و"لا يطالبون الشعراء بالتلويح بالعلم البريطاني"، كما قالت الشاعرة البريطانية جو شابكوت، التي تتساءل قصائدها عن طبيعة المواطنة، وما يعنيه أن يكون المرء بريطانياً.

كان معهد شكسبير بجامعة برمنجهام قد ضم إليه مهرجان ستراتفورد للشعر، أقدم المهرجانات البريطانية، وسوف تتذكر حدائق المعهد المجيدة أنها شهِدت عدداً من نجوم الشعر يسيرون تحت أشجار الزان الضخمة، كالشاعر الأيرلندي سي داي لويس حامل لقب ضابط الإمبراطورية البريطانية، والشاعر البريطاني جيه بي بريستلي.

كان بعض النقاد يقيِّمون مهرجان بارناسوس الشعري الذي أقيم على ضفاف نهر التايمز عام 2012 بدعم من مجلس إنكلترا للفنون بوصفه أكبر تجمع لمحبي الشعر في التاريخ. فخلال أسبوع كامل أقيمت سلسلة من الفعاليات ضمت مغنيي راب وقاصين ومترجمين ومغنيي مديح – أحد أكثر أشكال الشعر شيوعاً في أفريقيا – وشعراء يقرؤون أعمالهم بما يربو على خمسين لغة، بدءاً من اللغة الكرييولية إلى لغة الماووريين.

جاورت أكيرك موسابيكوفا، شاعرة في الرابعة والعشرين من كازاخستان، أنيس كولتز، وهي شاعرة في الثالثة والثمانين من لوكسمبورج، وحضر الفعاليات الشاعر الأيرلندي الفائز بجائزة نوبل شيموس هيني، والشاعر النيجيري ول سوينكا.

شيموس هيني: أعظم شعراء إيرلندا المعاصرين

• ألوان الشعر

كثيراً ما تتبدى مهرجانات الشعر في بريطانيا وكأنها تدور في أجواء الحرب الباردة، إذ تستضيف شعراء تألقوا عقب سقوط الشيوعية ممن حملوا معهم هموم الرقابة وقبضتها الحديدية.

وهناك تتألق القصائد من خارج حدود أوروبا، وتتعالى أصوات الاحتجاج في صورة شعر حر، على غرار احتضان مهرجان بارناسوس ومهرجان بريستول للشعر يانج جين سيونج شاعر البلاط السابق لديكتاتور كوريا الشمالية كيم جونج إيل الهارب من بطش نظامه.

ومعه شارك شعراء يضمرون تاريخاً طويلاً من المعاناة والنضال السياسي، كالألبانية لولجيتا ليشاناكو الفائزة بجائزة كريستال فيلينيس للشعر العالمي، والمنتمية إلى أول جيل من أجيال "ما بعد الديكتاتورية" من الشعراء الألبان. وعلى النهج نفسه يتوخى مديرو مهرجان ستانزا – وتعني مقطعاً شعرياً – التنوع، إذ يرحب بشعراء أكاديميين مثقفين، وكذلك بكُتاب يوصف شعرهم بأنه ممثِّل للغة شفهية وثقافة مغرقة في المحلية.

• الشعر والمنفى

أسس الشاعران البريطانيان تيد هيوز وباتريك غارلاند مهرجان الشعر العالمي عام 1967، وينظمه كل عامين مركز ثاوسبانك، ولم تخل جلسات القراءة فيه من الجمع بين الأعراق، ففي عام 2010 فرضت القضية الفلسطينية نفسها في فعالية "تخيَّل السلام"، واجتمعت الشاعرتان اللبنانية ألماز أبي نادر والأردنية ليزا سهير مجاج بالشاعرين الأيرلنديين بول دوركان وبول مولدون، كما التقى الشاعر السوري نوري الجراح بالأيرلندي ديفيد كورت في جلسة قراءة واحدة.

وهكذا ييسِّر المهرجان الفرصة للاستماع إلى أصوات عربية مشغولة بالقضايا الإنسانية ورؤى الآخر.

كما يحتضن المهرجان فن تأدية الشعر، ويُعتبَر الشاعران الويلزيان لويد روبسون وسوزي وايلد من أبرز مؤديي الشعر في بريطانيا. والشعر المؤدى هو شعر ظهَر في ثمانينيات القرن العشرين، مؤلَّف خصيصاً ليلقى على الجمهور – لا لتطبعه المطابع – إلقاء يعترف بوجود الجمهور، بدءاً من التقاء بسيط للعيون إلى تمثيل مسرحي كامل المعالم، وقد يمتزج بصور أخرى من الفنون.

كما يتيح المهرجان فرصة لترجمة الشعر الأجنبي في مجلة "بويتري ريفيو" ومجلة "مودرن بويتري إن ترانزليشن" التي يحررها الشاعر البريطاني ديفيد كونستنتاين. أسس المجلة تيد هيوز ودانيال وايزبورت عام 1965، وتهدف إلى إنزال الشعر من برجه النخبوي وتسليط الضوء على الحياة المعاصرة الواقعية، وتعنى بحركة الشعوب وماهية الانتماء واللغة الأم واللغة المكتسَبة والبلاد كأوطان ومنافٍ.

الشاعرة البريطانية جو شابكوت
• الروح الشعرية

كانت شاعرة البلاط الملكي كارول آن دافي قد وصفت بلدة ماتش وينلوك "بأنها أكثر البقاع مثالية لقراءة الشعر"، هناك يقام مهرجان وينلوك للشعر، ويستهدف هذا العام الأطفال بمجموعة من المسابقات المبهجة، سيؤدي فيها الشاعر البريطاني كيت رايت مؤلف قصيدة "الصندوق السحري" دور الحَكَم، وعلى الجانب الآخر سيحتفي مهرجان بريستول بالشعر كوسيلة فنية، من خلال مدى واسع من المداخلات الشعرية والعمل المجتمعي والمشاريع الرقمية.

ومنذ أيام قليلة انتهى مهرجان ليدبيري بعدما أعلن بلا مواربة، "لو تظن أنك تدري ما هو الشعر، تعال وسوف تندهش". يتسم المهرجان بالمعارض الفنية، وفعاليات الشارع، والأفلام القصيرة، وقراءات "الميكروفون المفتوح"، وهو لقاء حي يوفر للصاعدين فرصة قراءة شعرهم أمام جمهور يضطلع أحياناً بدور الحكم.

يسبر أحد مشاريع المهرجان هذا العام قيمة الشعر وثقله في المدارس البريطانية، من خلال برنامج "شاعر مقيم"، وسوف تحل الشاعرة البريطانية ماندي روس ضيفة على مدرسة إيستنور الابتدائية بدعم من هيئة آرت كونيكت ويست ميدلاند.

يمتد التنوع إلى مواقع تفتح أبوابها لبعض هذه المناسبات، كالنوادي والكليات والحانات والكنائس ليتراءى وكأن المجتمع بأكمله يتقن فن الشعر ويقرضه. كان المهرجان قد احتفى بالشعر السوري عام 2008 بدعوة منذر مصري وهالة محمد ورشا عمران ولقمان ديركي، وقد شارك في تقديم الشعراء مجلة بانيبال المعنية بترجمة الأدب العربي إلى الإنكليزية.

ثمة العديد من الفعاليات التي تضطلع بدور مكمِّل للمهرجانات، مثل سلسلة قراءة الشعر التي تنظمها دار سيرين للنشر تحت عنوان "الخميس الأول" وملتقى "شعراء في الورشة" التابع لمركز ديلان توماس الأدبي، ومنزل بلاست الرائد الذي يفتش عن الروح الشعرية عن طريق وسائط متعددة كالموسيقى والأفلام القصيرة، وسلسلة الشعر في المتناول، ومهرجان هاي للشعر، والحدث الأدبي "ماراثون للشعر في 24 ساعة".

الشاعر الروماني بول تسيلان

وتحتفي المهرجانات بالفائزين من خلال جائزة إريك غريغوري، وجائزة تي إس إليوت المقدَّمة من جمعية كِتاب الشعر التي أسسها إليوت عام 1953.

تؤكد هذه الصور أن الشعر حي متوهج في قلوب العامة في بريطانيا، وليس لدى الأكاديميين فقط. وليس بالمشهد الغريب أن تشهد بلدةٌ موكباً من الشعراء يتدفق على مهرجان تَحْضره حشود غفيرة من الأهالي.

بل إن بعض الشعراء المحليين يفتحون بيوتهم للشعراء الوافدين من الخارج. كان الشاعر الروماني بول سيلان – أبرع شعراء سنوات ما بعد الهولوكوست – قد قال إن "شيئاً واحداً لا غير يبقى قريب المنال، حميماً، مطَمئناً وسط كل الخسائر، ألا وهو اللغة".