في مقاهي العراق، طاولات ومقاعد فارغة.. ومخاوف

ترفيه ممنوع بالامر الواقع

تحولت المقاهي التي عادة ما تمثل متنفس العراقيين خلال شهر رمضان، الى هدف جديد لاعمال العنف اليومية المتواصلة منذ 2003، ما جعل كثيرا من روادها يفضلون ملازمة منازلهم بعد الافطار.

ويقول عامر عصام انه اعتاد في الاعوام الماضية على الذهاب يوميا الى مقهى في بغداد للاجتماع باصدقائه في فترة ما بعد الفطور، لكنه عكف عن ذلك هذا العام بسبب الاوضاع الامنية.

ويوضح عصام "لا اريد ان اتحول الى صورة على فيسبوك يتناقلها الاصدقاء ويترحمون علي"، في اشارة الى صور شبان قتلوا مؤخرا اثناء تواجدهم في المقاهي ونشرت صورهم على مواقع التوصل الاجتماعي.

وفي بلاد قضت اعمال العنف فيها على معظم اوجه الترفيه العادية، كالسينما والمسرح باتت المقاهي الشعبية تشكل ملتقى للعراقيين ومقصدا يوميا للشبان خصوصا بعد موعد الافطار في رمضان.

وغالبا ما يمارس رواد المقاهي في رمضان العابا شعبية، ابرزها لعبة "المحيبس" التي يتنافس فيها فريقان وتقضي بالعثور على خاتم يوضع في يد احد اعضاء الفريقين ويغلق عليه.

كما يقصد الشبان العراقيون المقاهي لمتابعة مباريات كرة القدم بسبب غياب الكهرباء معظم الاوقات عن منازلهم.

لكن الهجمات الانتحارية والسيارات المفخخة والعبوات الناسفة التي استهدفت المقاهي على مدى الاسابيع الماضية وراح ضحيتها العشرات خففت من حماسة العراقيين تجاه المقاهي.

ويقول انور محمد الذي يملك مقهى في بغداد ان "اعمالنا تراجعت بنسبة 50 الى 60 بالمئة مقارنة برمضان العام الماضي".

ويضيف ان "الزبائن الذين كانوا ياتون للاكل والتدخين، يفضلون اليوم طلب الوجبات واخذها معهم الى المنزل، قائلين انهم يخافون الجلوس في المقهى، ويفضلون الاكل والشرب في بيوتهم".

من جهته، يروي علي عدنان (30 عاما) وهو من سكان الدورة في جنوب العاصمة "ذهبت الى مقهى في بغداد ووجدت اربعة اشخاص فقط جالسين على الكراسي، وانتظرت عدة دقائق حتى يصل اصدقائي".

وتابع "في هذه الاثناء، ترك الاشخاص الاربعة المقهى فشعرت بالاحراج من الجلوس وحدي، ما اضطرني الى المغادرة ايضا".

وبين الهجمات التي استهدفت المقاهي، تفجير انتحاري مساء الاربعاء في مقهى شعبي وسط الموصل (350 كلم شمال بغداد) ما ادى الى مقتل ستة اشخاص واصابة 21 بجروح.

كما قتل تسعة اشخاص واصيب نحو 25 بجروح في انفجار عبوة ناسفة قرب مقهى في الدورة يوم السبت الماضي.

الا ان اكبر الهجمات التي استهدفت المقاهي الشعبية العراقية مؤخرا، وقعت في مدينة كركوك (240 كلم شمال بغداد) المتنازع عليها حيث قتل مهاجم انتحاري في 12 تموز/يوليو 41 شابا واصاب 35 بجروح بعدما فجر نفسه داخل مقهى "كلاسيكو".

وقال حينها احمد البياتي الذي اصيب في ساقه انه "اثناء تجمهر العشرات داخل المقهى دخل علينا شخص ولم نسمع الا كلمة الله اكبر ودمر كل شيء"، مضيفا ان الشبان كانوا يمارسون لعبة الصينية الشبيهة بالمحيبس.

ويرى جودت عبد الله البياتي الذي فقد اثنين من اشقائه في التفجير ان "المقهى استهدف (...) لانه يجمع كل مكونات كركوك، اذ ان المجرمين لا يريدون تقوية اي قاسم مشترك بين ابناء الارض الواحدة".

وعلى اثر هذا التفجير، ابلغت الشرطة جميع اصحاب المقاهي في المدينة بضرورة اغلاقها حتى اشعار اخر، تحسبا من وقوع استهدافات جديدة، وفقا لأصحاب مقاه.

وعادت بعض مقاهي كركوك خلال الايام القليلة الماضية الى فتح ابوابها امام قلة من الزبائن، وسط اجراءات امنية مشددة.

وتشكل الهجمات امتدادا لموجة العنف المتصاعدة التي قتل فيها 2500 شخص في غضون الاشهر الثلاثة الاخيرة، والتي باتت تطارد كل اوجه الحياة العادية للعراقيين، كالاسواق وملاعب كرة القدم الشعبية.

ويقول الخبير العراقي في الشؤون الامنية والاستراتيجية علي الحيدري ان "استهداف المقاهي يهدف الى نشر الذعر في المجتمع والحاق اكبر قدر من الخسائر البشرية كون المقاهي هدف سهل".

ولم يتبن احد هذه الهجمات لكن الحيدري يرى ان تنظيم "دولة العراق الاسلامية" الفرع العراقي لتنظيم القاعدة، "يقف خلف هذه الهجمات في محاولة ايضا لزيادة السخط الشعبي ضد الحكومة".

ورغم ذلك، لا يزال عدد من الشبان يصرون على التواجد في المقاهي كونها ملاذهم الوحيد.

ويقول جيلان علي (42 عاما) وهو مهندس مدني خلال تواجده مع اصدقاء له في مقهى في بغداد "لسنا سعداء مئة بالمئة لجلوسنا هنا".

ويوضح "نحن قلقون، لكننا نقول في انفسنا انه مهما سيحدث، فاننا سنكون بين ايدي الله".