الرواية بنت واقعها

البحث عن بطل

لئن تنوّعت محاولات المهتمّين بدرس االرواية العربية وتوطينها في خانة من خانات الأنواع السرديّة، كالقول بانتمائها إلى الرواية التاريخية أو الواقعيّة أو رواية تيّار الوعي وغيره، فالثابت أن اعتبار "الرواية بنت واقعها" يظلّ متوفّرا دوما على شروط صدقيته، حتى وإن كانت تلك الرواية موسومة بـ "التاريخيّة"، لأن عودة الروائيّ إلى متون التاريخ ليست اعتباطيّة، بل هي عودة مُحيلة إلى أزمات واقعيّة يعيشها مجتمعه.

مهما متحت الروايةُ الموسومة بـ "التاريخية" من وقائع الماضي القريب أو البعيد ذرائعَ متنها السرديّ، ومهما استقدمت من ترسانة أبطال التاريخ شخوصَها، ومهما وجدنا طيَّها من أنفاس المسعودي والطبري والبلاذري وغيرهم، فإنها تظلّ رواية للواقع القائم، بل هي رواية للحاضر وعن الحاضر أيضا، لأنّ التاريخ ناجِزٌ في ألواحه وإذا حاول النزول في الحاضر حلّ به مُتخيَّلا.

وما مِلْنا إلى هذا التصوّر إلا تجنُّبًا لما نُلفي من فوضى في حدِّ الباحثين لمفهوم الرواية التاريخية، إذْ بأيّ منطق، وِفقَ سؤال أحدهم، يتمّ وصف روايات نجيب محفوظ التي استلهمها من التاريخ الفرعوني مثل "عبث الأقدار" و"كفاح طيبة" بالتاريخية، في حين توصف ثلاثيته "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية" بالواقعيّة.

والحال أن مرجعها هو التاريخ المصري الحديث؟ ثمّ لماذا يتكفّل دارسونا عناءَ تأصيل "الرواية التاريخية" بالفعل وبالقوّة في السرد العربي الحديث ويتناسون أنّ الرواية صارت، منذ ظهور الرحّالة والمترجمين، نصًّا اشتقاقيا في الثقافة البشريّة غير معنيّ بمقولة "النوع" اعتناءه بضرورة استثمار المنقضي من تاريخ الإنسان والمستجَدّ من أحداث عصره وفنونه لإشباع التخييل فيه ومنع استمرار سقطات الماضي في حاضره؟

ومتى تجاوزنا عتبة مفهوم الرواية التاريخية وفق ما مرّ معنا، ظهرت لنا منها أسئلة تنصبّ جميعها على أزمة "الحاضر" الذي هو كامن فيها، من ذلك السؤال حول أسباب هروب الروائيين، ممّن توصف رواياتهم بالتاريخية، إلى الماضي والحال أن واقعهم العربيّ مكتظّ بدراما اجتماعية وسياسية تصلح خميرة لمتونهم السرديّة؟

لن ندّعي التوفّر على إجابة صريحة عن هذا السؤال، بل لا يمكن أن ندّعي أنّ البحث قادر على تحديد أسباب هجرة الروائيين إلى الماضي، لأنّ المسألة محكومة باشتراطات فنية وشخصية وحضاريّة تختلف من روائيّ إلى آخر، ولكنّ هذا لن يمنعنا من تحديد العامّ المشترك من تلك الأسباب التي هي من الرواية الحديثة، بجميع أنواعها، ثيماتها الأثيرة، وهي إلى ذلك محيلة إلى ما يمكن أن نسمّيه "أزمة الحاضر" في الرواية التاريخية.

• الميل إلى الذكرى

إذا كانت الرواية الغربيّة ميّالة إلى ثقافة الاعتراف، فالغالب على الرواية العربية التي وُصفت بالتاريخية هو ميلُها إلى ثقافة الذِّكرى، وتمجيد الأسلاف، والتباهي بالماضي. وهو ميل وجد في حاضر الروائيين العرب ما غذّاه وحوّله إلى نزوع سرديّ.

ذلك أنّ حالة الإحباط التي صارت إليها أوضاعنا العربية منذ نكبة 48 وما تلاها من استعمار، إضافة إلى انهيار مشاريع حكومات الاستقلال الوطنية والقومية والإسلامية، وتعاور الهزائم الفردية والعامّة لأجساد المواطنين، كلّها عوامل دفعت تلك الرواية إلى الانشداد إلى ماضيها والتلذّذ بما فيه من انتصارات وبطولات، وذلك عبر قناة تسريد الوثائق والأحداث التاريخية.

• هوية الرواية

بعد ظهور الحساسية الروائية الجديدة في فرنسا وقَطْع أصحابِها مع الرواية "البلزاكيّة" موضوعاتٍ وأساليبَ فنيةً، واعتمادهم التجريبَ سبيلا إلى تحرير السرد واستنبات الإدهاش لدى القرّاء، شاعت مقولات هذا التيّار الروائي في فضائنا السرديّ العربيّ، وصارت بالنسبة إلى أغلب روائيّينا مستنَدا يتكئون عليه لإعلان حداثة رواياتهم.

وقد توزّعوا في ذلك إلى صنفيْن: صنف انطلق باحثا عن كلّ ما هو جديد ومستحدث من الموضوعات والأساليب الكتابية، داعيا إلى تدبّر ما به تحقّق النهوض الحضاري الغربيّ والأخذ بأسبابه، وصنفٍ ثانٍ ذهب إلى اعتبار أن من واجب الكتابة الروائية أن تصون تراثها الخبريّ العربيّ وتتعهّده بالاستعمال لكونه خزينَ قِيَم الشعوب وحافظَ هُويّتها الحضاريّة. وقد انبرى أصحابُ الصنف الثاني يستقدمون التاريخ العربيّ في مرويّاتهم محاولة منهم للتقليل من مغالاة "التغرّب" في الرواية العربية الحديثة ودعمها بكلّ ما من شأنه أن يمنحها هويّتها العربية.

• حقيقة التاريخ

لعلّ اطلاع الروائيّ العربيّ على مقولات العلوم الإنسانية الحديثة وخاصة منها الفيلولوجيا والأنتروبولوجيا، وما يُعتمد فيهما من مناهج ناقدة، هو ما حفزه على التحرّش بمدوّنته التاريخيّة والرغبة في كشف ما فيها من حشود الإكراهات والطّابو، وإعادة النظر فيها من خلال استجلاب وقائعها في رواياته ومحاولة تعديل مساراتها فنيا، وذلك عبر منحها "حقيقة" جديدة، وإن كانت متخيَّلة، تعوّض ما فيها من إمكانات الرّيب، وتلبّي أفق انتظارات الكاتب والقارئ على حدّ سواء.

ومن ثمّة جاء الشغف بسحب أسطورة الماضي على الواقع، ومحاولة التأليف بين التجربة التاريخية الناجزة في الزمن، والتجربة الروائية المتخيّلة، وهي التي يروم لها الروائيّ التحقّقَ في الكتابة، بل وفي الواقع أيضا.

• البحث عن بطل

"البحث عن البطل" مسألة راودت أخيلة الشعوب ومثّلت في ثقافاتها رغبة جامحة في أن يكون لها بطل أو زعيم يوحّد أفرادها حول منظومة من القيم الأخلاقية وينافح عنها في الشدائد، ويحقّق لها انتصاراتها وانتظاراتها، وتزهو به في مناسباتها وتخلّد سيرته في آدابها. ولا نعدم في التاريخ البشريّ وجودَ أبطال ما يزال تأثيرهم مستمرّا في معيش شعوبهم الراهن.

ولئن كان يسهل ظهور البطل في الأزمنة القديمة، بسبب عدم "تَكلُفتِه" الرمزيّة والاجتماعية، فإنّ ظهور بطل في عصرنا الحديث يحتاج إلى تضافر مجموعة من الظروف المادية والفكريّة حتى يينع رمزُه وتتحقّق صورتُه في أذهان مجموعته الاجتماعية. وعلى هذا، لاذ الروائيّ بالتاريخ يستحلب متنَه وغايته من وراء ذلك هي الظفر ببطل يمكن أن يستجلبه إلى متن روايته ويكلّفه بمهمّات متخيَّلة ويطلب إليه إجابات عن أسئلة الحاضر وأزماته.

• تقية التاريخ

لمّا كانت الرواية "دعوة إلى التغيير"، و"مواجهة جذرية لأساليب القمع" وفق قول جابر عصفور، فإنها عاشت في ظلّ السّلط الدكتاتورية الحاكمة محنةَ الوجود، إذ تعرّضت إلى الحجب مرّة وإلى منع التوزيع مرّة أخرى، إضافة إلى محاصرة كُتابها بأصناف من الاضطهاد الإبداعي والحياتي.

وبسبب من هذا، وجد بعض الروائيّين في التاريخ العربي بشخوصه وأمكنته وأحداثه مهربًا من الرقيب الواقعيّ، وتقيّة يمنعون بها عن أنفسهم عصا محاكم التفتيش الأدبيّ التي ازدهرت في أغلب أقطارنا العربية، فلاذوا به قناعا حكائيّا يقولون بلسان شخوصه ما تعجز ألسنتهم عن الجهر به.

والذي نخلص إليه هو أنّ الرواية التاريخية ليست إلا رواية حديثة يتجلّى فيها وعي كاتبها التاريخيّ بأحداث ماضيه وبوقائع حاضره، وهي إلى ذلك ليست صورة للتاريخ وإنما هي صورة للحاضر محيلة فيه إلى جميع أزماته القديمة والحديثة، وهي صورة متخيَّلة تروم زرع نبتِ الماضي في أرض الواقع بطرائق فنيّة خادمة لما يرغب الكاتب في تحقّقه من أهداف اجتماعية وسياسية وثقافية.

ومهما كانت ذرائعيّة الروائيّين في تخيّر أحداث التاريخ عجينة لأحداث رواياتهم، وهو ما كنا ذكرناه سابقا، فإنّ الرواية "التاريخية" تظلّ عملا إبداعيا كاشفا عن حاجة الواقع إلى أدبائه رغم سعي السلطات الحاكمة فيه إلى إخفاء ما يعتمل من مطالب واحتياجات بشرية لا تنتبه إليها إلا فكرة كاتب واع بأدواره الاجتماعية والحضارية. فكم من رواية عربية اتخذت التاريخ سبيلا إلى الحقيقة أزعجت الحُكّام وأنبتت الخوف فيهم فهرعوا إلى تحجير توزيعها.