انحسرت الاحتجاجات وتكشفت معركة اجتماعية كبرى في تركيا

احتجاجات تقودها نخبة

افسحت الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي هزت الشارع التركي لثلاثة اسابيع، المكان لاعتراض اقل تطرفا، لكنها حررت الرغبة في الديموقراطية لدى المتظاهرين واحرجت رئيس الوزراء رجب طيب اردوغان، وفق محللين.

صحيح ان صدى قنابل الغاز المسيل للدموع تراجع منذ الثلاثاء لكن المتظاهرين مصممون على عدم تسليم سلاحهم.

فكثر من هؤلاء يقلدون "الرجل الواقف" في ساحة تقسيم فيما يضع اخرون احذيتهم في الشارع في ذكرى المتظاهرين الثلاثة الذين قتلوا ابان الازمة. اما المناقشات التي تنظم في حدائق اسطنبول فتتصاعد وتيرتها.

واعتبر جنكيز اكتار استاذ العلوم السياسية في جامعة باهتشسهير في اسطنبول ان "هذا الحراك سيستمر في شكل او في اخر، سيتحول الى شكل من العصيان المدني"، مضيفا "ربما تملك الحكومة الامكانات المادية لكنها تفتقر الى الامكانات الفكرية للبقاء والتكيف مع هذه المطالب".

واندلعت الحركة الاحتجاجية في 31 ايار/مايو رفضا للتدخل العنيف للشرطة ضد حفنة من الناشطين البيئيين في ساحة تقسيم كانوا يعترضون على ازالة حديقة جيزي المعروفة.

وسرعان ما تحولت الحركة غضبا شعبيا عارما على حزب العدالة والتنمية الاسلامي المحافظ وزعيمه اردوغان المتهم بالتسلط وبالسعي الى "اسلمة" المجتمع التركي.

وفي راي عالمة الاجتماع نيلوفير نارلي ان "الوقت لا يزال مبكرا جدا" لتحديد المسار الذي ستسلكه هذه الحركة، لكنها توقعت الا يستسلم الشبان والجامعيون المنتمون الى الطبقات الوسطى والذين شكلوا راس حربة هذا الحراك وان يواصلوا المطالبة بمجتمع اكثر ديموقراطية.

وقالت نارلي "لا تزال مطالبهم هنا وكذلك عدم رضاهم السياسي، وهي باتت اليوم اقوى من السابق".

وفي مواجهة هذا الضغط، لجأ رئيس الوزراء على عادته الى الحزم والاستفزاز منددا بمن وصفهم "الرعاع" الذين احتلوا شوارع غالبية المدن التركية الكبرى ومتحدثا عن "مؤامرة" حاكها "ارهابيون".

وردا على الشبان العلمانيين الذين احتلوا الشوارع، ركز اردوغان على "تركيا الحقيقية" المحافظة والمسلمة والتي صنعت الانتصارات الانتخابية لحزبه العدالة والتنمية الذي يتولى الحكم منذ 2002.

وعلقت عالمة الاجتماع نيلوفير غول على الموقع الالكتروني لقناة "تي 24" التلفزيونية "التاريخ يعيد نفسه"، لافتة الى الحقد القديم بين الجمهوريين والمسلمين في تركيا ومعتبرة ان "الحذر المتبادل وانعدام الثقة يؤديان الى انقسامنا ويقوداننا بسرعة كبيرة الى طريق مسدود".

وقال الصحافي حسن جمال عبر القناة نفسها "بعد التحريض القومي بدا التحريض الديني متوجها الى اناس اتقياء ومحافظين".

واضاف ان "هذه اللغة (...) تنشر التطرف في تركيا وتدفع المجتمع برمته الى حدود قصوى".

ويبدو ان الخطاب المتصلب لاردوغان لم يحظ باجماع حتى داخل مناصريه.

وفي هذا السياق، قال عبدالله بوزكرت مدير مكتب صحيفة "توداي زمان" القريبة من الحكومة في انقرة "اذا قرر اردوغان تاجيج الانقسامات لتعزيز موقعه فانه لا يعرض مستقبله السياسي للخطر فحسب بل ايضا استقرار البلاد باسرها".

وكان العديد من ناشطي حزب العدالة والتنمية اتهموا هذا الاسبوع الصحيفة المذكورة بـ"الخيانة" لنشرها استطلاعا للراي اظهر تاييدا لحزب اردوغان لا يتجاوز 35,3 في المئة مقارنة بنحو خمسين في المئة خلال انتخابات 2011 التشريعية.

ويجمع العديد من المحللين على ان صورة رئيس الوزراء اهتزت بعد "انتفاضة" الايام العشرين. وكتب احمد انسل في صحيفة "راديكال" الليبرالية "من قادوا هذه الحركة لا يمكنهم القول انهم ربحوا، لكن الجميع بدءا باردوغان يعلمون تماما ان هذا ما حصل".