الدِّين... دوره في الصراعات الدولية المعاصرة

إلى أي مدى سيبقى الدين يتحكم بالحاجات والمشاعر والتطلعات؟

يكشف ميراث الأمم والشعوب أن الدين كان ومازال وسيبقى يتصل ويتحكم بالحاجات والمشاعر والقيم والتطلعات البشرية الأكثر عمقا؛ وأن تأثيره حاضر وملموس باستمرار في أغلبية مجالات الحياة الفردية والجماعية(1). إذ تؤكد العديد من الدراسات عن وجود الدين كعنصر أساسي لا يخلو منه أي مجتمع ولا ثقافة، يعتبر العامل الجوهري في حياة المجتمع وبناء الثقافة وفي تحديد هوية وقيم أي مجتمع.

فمنذ فترة ليست ببعيدة كنا نظن أن انتهاء الحرب الباردة سوف ينتج عالما واسعا للسلام والإستقرار. وبما أن قدرا كبيرا من النزاع في عصر الحرب الباردة­­ في كوريا، وفيتنام، وأفغانستان، ومناطق أخرى مثلا كان يرتبط بالعداء بين الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفياتي فقد كان من الطبيعي الإفتراض بأن العنف العالمي سوف يخمد عندما عملت القوتان على إنهاء الصراع بينهما وحتى الرئيس جورج بوش الأب تخيل "عالما جديدا" يتوجب فيه حل النزاعات العالمية عن طريق الدبلوماسية والمحافظة المتعددة الجوانب على السلام(2). ولكن النظام العالمي الجديد لم يتحقق طبعا وشهدنا قدرا من النزاعات المسلحة في عالم ما بعد الحرب الباردة ما شهدناه قبله، خصوصاً مع تفكك الإتحاد السوفياتي وظهور العديد من القوميات والنزاعات الاثنو- دينة، بالإضافة الى ظهور الارهاب.

يرى في هذا الصدد "وايفر"Waever أنه مع نهاية القطبية الثنائية وبروز ظواهر كالعولمة، البناء الأوربي، توسع التمركز حول القوميات في أوربا الشرقية، فإن المجتمع هو المعني بالتهديد أكثر من الدولة، فقد إنشغل الأفراد وإرتبط خوفهم بمواضيع كالهجرة، الغزو، ضياع القيم الثقافية، وفقدان نمط الحياة...الخ، وعليه فهو يعتقد أن مفهوم الأمن المجتمعي هو المفهوم النظري الأكثر إنسجاما وتوافقا لتحليل هذه الرهانات الجديدة، فالبعد المجتمعي الذي رمز إلى واحد من قطاعات الدولة في تصور "بوزان"Buzan ، إعتُبِر موضوعا ومرجعية أمنية في تحليلات "وايفر"(3).

فالبعد الثقافي والديني كان حاضرا في توجيه مجمل النزاعات المعاصرة وهذا ما أشار إليه صموئيل هنتغتون في كتابه "صدام الحضارات"، فقد أبرز أن الصراعات المستقبلية ستكون بين الغرب و كل من الحضارة الصينية والإسلامية، الذي تحدث في أطروحته العام 1993 عن التهديد الإسلامي، فقد افترض Huntington أن المصدر الأساسي للصراع في عالم ما بعد الحرب الباردة، لن يكون أيديولوجيا أو اقتصاديا في المقام الأول، بل سوف يكون ثقافيا، فالصدام بين الحضارات سيكون المرحلة الأخيرة من تطور الصراعات في العالم الحديث، وأضاف أن الصراع بين الحضارات يكمن في إشكالية "من أنت؟"، فمن السهل لأي شخص أن يكون نصف فرنسي ونصف عربي على سبيل المثال، وأن يتمتع بالمواطنة في كلا الدولتين، غير أنه من الصعب أن يكون الشخص كاثوليكيا ومسلما في نفس الوقت(4).

ويعلل" هنتجتون "سبب وضعه للحضارة الصينية والحضارة الإسلامية في موقع الصراع مع الغرب من منطلق أن الحضارة الصينية يعزيها نموها الاقتصادي والثقة الكبيرة بالنفس، أما الحضارة الإسلامية فيعزيها إلى النمو الديمغرافي الكبير والحيوية الانبعاث الثقافي والحضاري والجانب الخطير هو تمسكها بالدين الإسلامي.

ولتأكيد رأيه هذا يتوسع هنتغتون كثيرا في دراسة التطورات الاقتصادية في الصين والمقدرات الجبارة التي تتمتع بها والآفاق الواعدة التي ستجعلها قوة عظمى ستؤثر كثيرا في العلاقات الدولية وتسبب مشاكل جمة للولايات المتحدة الأمريكية ، ولكنه يتوسع أكثر في إبراز المخاطر التي يمثلها الإسلام من خلال النمو الديمغرافي الذي يتمتع به والثروات الطبيعية التي ينعم بها وخصوصا الحركية الاجتماعية التي تحدثها الحركات الإسلامية في شتى المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية والتي ستجعل في الأخير من سيكون بيدهم الحكم في العالم الإسلامي ملتزمين بالهوية الإسلامية حتى وان لم يكونوا من الإسلاميين المتشددين، و من ثم فالبعد الحضاري مهم و مهم جدا في تحديد مناطق الصراع المستقبلية.

ففي الوقت الذي يشهد فيه العالم في ظل العولمة ثورة علمية ومعرفية هائلة، يذهب الكثير من الباحثين الى أن العامل الديني سيكون المحدد الرئيسي للصراعات في المستقبل، وفي توجيه العلاقات الدولية بفعل العودة القوية الى الأديان والخطاب الديني، ما جعل الكثيرين منهم يصفون القرن الواحد والعشرين بأنه قرن ديني بامتياز. حيث لا شك أن مسائل الثقافة والدين والهوية باتت تحرك اليوم جماعات ومجتمعات عدة في عالمنا المعاصر، كما باتت غالبية الصراعات تدور داخل حدود الدولة أغلبها كانت حول الهوية، وغالبا ما كان للدين دور فيها.

وفي إطار هذه التحليل للمداخل الدينية ورؤيتها للعلاقات الدولية، يمكن القول أن التطورات الراهنة فى العلاقات الدولية، وفى هيكل النظام الدولي، فكراً وممارسة، قد أفرزت العديد من الانعكاسات على تطور حقل العلاقات الدولية، وعلى المحتوى الفكري والتنظيري له، مما كان له تأثيره الكبير على منظورات تحليل العلاقات الدولية، وموقع البعد الدينى فيها، والذى أصبح أكثر بروزاً، فى ظل تزايد أهمية وانتشار مقولات "نهاية التاريخ"، و"صدام الحضارات"، والعولمة الثقافية" ... إلخ.

ففي هذا الصدد يقول روبن رايت Robin Wright: "في نهاية القرن العشرين أصبح الدين قوة حيوية للتغيير على النطاق العالمي ، يوفر الدين المثل ، الهوية المشروعية والبنية التحتية بدرجات متباينة: البوذيون في شرق آسيا ، الكاثوليك في شرق أوروبا ، أمريكا اللاتينية والفيلبين السيخ والهندوس في الهند، و حتى اليهود في إسرائيل ، كلهم عادوا إلى ايمانهم الديني كي يحددوا أهدافهم و يتعبأوا"(5).

كما أنه بعد نهاية الحرب الباردة تصاعدت حدة النزاعات الداخلية بشكل غير مسبوق، وهي التي كان وراءها في الغالب التمايز بين العرقيات المشكلة داخل هذه الدول، ففي سنة 1995 احدى الاحصائيات وجدت أن هناك 35 نزاع داخليا كان أحد أطرافها على الأقل جماعة عرقية، حيث كانت هذه النزاعات عابرة للحدود، فانهيار الاتحاد السوفييتي أدى لخلق15 دولة متعددة الاثنيات بأزيد من143 مليون فرد، بالإضافة الى نزاعات طاحنة داخل هذه الدول نفسها. كان الدين فيها المحرك الأساس ضف الى ذلك نزاعات في القارة الافريقية كالصومال والكونغو وروندا وأنغولا وفي كثير من الدول الاسيوية.

ذلك أن العقيدة الدينية تؤثر تأثيرا بالغا في سلوك الجماعة وعلى نحو يفوق في بعض الأحيان تأثير اللغة والسلالة، ففي ظل مواقف أو أوضاع معينة قد يتخلص المرء في سلوكه عن رابطة السلالة أو اللغة أو حتى الايديولوجية من أجل العقيدة الدينية(6).

ما يعني أن للعامل الديني تأثير بالغ الأهمية خاصة اذا ما تعرضت تلك العقيدة للتهديد أو الاحتقار من طرف جماعة دينية اخرى، هذا الأمر من شانه أن ينتج صراعات طويلة ومعقدة ومستعصية على الحل، لأن المساس بالدين هو مساس بما تؤمن به جماعة ما، ما يجعلها دائما في بحث عن رد الاعتبار لأن الأمر عقائدي نفسي أكثر مما هو شيء آخر، ومن أبرز هذه الصراعات نجد الصراع العربي الاسرائيلي، الحرب الأهلية في يوغسلافيا سابقا، في افريقيا وخاصة في نيجيريا وروندا والقرن الافريقي، وفي وسط وجنوب شرق آسيا. ويمكن التنبيه إلى كون التمييز الديني في العلاقات الدولية والصراعات المعاصرة ليس مقتصرا بين ديانتين مختلفتين فقط كما هو سائد بل يتعداه إلى الطوائف المختلفة داخل الدين الواحد و التي تحكم على نفسها بالاختلاف الذي يوفر ما يكفي للمجموعات الدينية بأن تدخل في صراع تحركه دوافع دينية.

وعن أكثر المناطق استجابة للمتغير الديني و أكثرها تأثيرا تشير الوقائع كما تشير الدراسات إلى أن الدين له مكانة مركزية في الصراعات العرقية في الشرق الأوسط أكثر من أي مكان آخر حيث يؤكد Fox Jonathan على أن " 54 % من الأقليات العرقية السياسية في منطقة الشرق الأوسط هي أيضا الأقليات الدينية... ويسترسل في القول: الدين في الواقع له أهمية خاصة في منطقة الشرق الأوسط والصراعات الاثنو-دينية و هذا بالنظر إلى أربعة شروط بما في ذلك: اعتبار الدين قضية هامة في الصراع ، وجود التمييز الديني ، أقلية تطالب بالمزيد من الحقوق الدينية ،الدين هو الاحتجاج في الخطاب السياسي"(7).

فمنذ أواخر السبعينات، أصبحت الصراعات الدينية تحتل نسبة أكبر من كل الصراعات استنادا إلى تحليل للبيانات الدول الفاشلة. حيث تحوي تلك البيانات على وجود قائمة من أعنف الصراعات الداخلية بين عامي 1948 و 2003الصراعات الدينية قد ارتفعت من 25 % من جميع الصراعات المحلية في عام 1976 إلى 60 % في العام 2003(8).

لذلك سوف يلعب عامل الدين دورا مهما أكثر من أي وقت مضى في الصراع العالمي سواء بشكل مباشر أو غير مباشر و حسب ألفين و هايدي توفلر "فإن التأثير المتزايد للأديان العالمية من الإسلام و حتى الأرثوذوكسية الروسية مرورا بطوائف العصر الجديد المتكاثرة بسرعة ليست بحاجة إلى توثيق، فالكل سيكون لاعبا أساسيا في النظام العالمي للقرن الواحد و العشرين"(9). فالهوية الدينية والعقائدية تشكل عاملا سيؤثر في العلاقات الدولية لدرجة أنه يمكن القول بأن هناك بوادر لصراع عالمي بين الأديان أو بين الأصوليات الدينية، و في هذا الاطار يرى منظرو المدخل الأصولى الإنجيلى أن مناخ العلاقات الدولية إنما هو مناخ الصراع الدائم، ولكنه "صراع العقائد" لا "صراع المصالح القومية"(10). فالأديان أصبحت مصدرا لمجوعة من التحركات والهزات الجيو سياسية والجيو ثقافية عبر العالم . والظاهرة "عودة الدين" أصبحت منذ الثمانينات تكتسي بعدا عالميا وهي تنبعث في عدة حضارات، وتختلف في أصولها الثقافية وفي مستوى نموها، ولكن في كل مكان تعبير عن رد فعل على أزمة المجتمعات، والأديان تحاول أن تقدم نفسها كبديل قادر على تشخيص الأسباب العميقة لهذه الأزمة ولإيجاد الحلول لها.

ولعل ما يبرر أن العمل الديني كان سببا في تحريك الكثير من النزاعات والأحقاد هو الحراك الذي شهدته العلاقات الدولية خاصة بعد أحداث 11سبتمبر2001 في محاولة لدمغ الاسلام كله بالارهاب ومحاولة ربطه بالأعمال الارهابية ، وهذا الأمر أخذ يتررد بنزعة عدائية على لسان مسؤولين ومفكرين واعلاميين ورجال دين في الغرب، بل عناك بعض الاساءات شملت حتى الرسول صلى الله عليه وسلم، والأكثر من ذلك ما أطلقه البابا بنيديكتوس السادس عشر،في محاضرة بجامعة ريغينسبورغ من توصيفات على لسان الامبراطور اليوناني مانويل الثاني في القرن الرابع عشر "باتهام الاسلام بالعنف"(11).

كما ورد على لسان الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن George W.Bush Jr العام 2002 وخلال العدوان الاسرائيلي على لبنان حول"الفاشية الاسلامية" وقبلها الاشارة الى " الحرب الصليبية" فيما يتعلق بحملة مكافحة الارهاب الدولي، انما يصب في هذا الاتجاه العدائي، خصوصوا أنه قسم العالم الى قسمين حيث صرح الرئيس بوش اللإبن في جلسة مشتركة للكونغرس الأمريكي: "إن على كل أمة، في كل منطقة، أن تتخذ الآن قرارا، إما أن تكون معنا، أو أن تكون مع الإرهابيين"(12). أي معسكر "الخير والنور" أو "الشر والظلام"، وهو الوجه الاخر الذي ذهب اليه أسامة بن لادن حين قسم العالم الى فسطاطين.

كل هذه الأمور مجتمعة تدل على أن الدين لعب على مر التاريخ دورا مهما في سلوكيات الوحدات السياسية مع بعضها البعض، كما لعب دورا محوريا في نشأة الدول وساهم في تقسيم دول وبروز أخرى، كما حدد في الكثير من المرات توجهات الدول على المستوى الخارجي، ما أمكن أن نقول أن الصراعات المعاصرة اليوم بات يغذيها عامل الدين، حتى وان كانت في ظاهرها تبدو اقتصادية وسياسية، ولم تعد مقتصرة ما بين الدول، ولكن داخل الدول وضمن دين واحد، انه تحول في المفاهيم والمسلمات بشكل ينذر أن الصراعات المستقبلية ستكون حضارية ودينية تتعلق بالأساس حول الهوية وتحقيق الذات وفي كثير من الأحيان العداوة والأحقاد، لا بل الانتقام والتعصب والعنف والتطرف ورفض الاخر.

الهوامش

1- محمود صالح الكروي، "مكانة الدين في النظام الملكي المغربي"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد19،(صيف2008)،ص165.

2- أنظر : مايكل كلير، دم ونفط: أمريكا واستراتيجيات الطاقة: إلى أين؟، ترجمة: أحمد رمو، (بيروت- لبنان: دار الساقي، الطبعة العربية 2011).

3- Bill McSweeney, Security, Identity and Interests :A sociology of International Relations,(UK :Cambridge University Press ),2004,p.63.

4- Samuel Huntington, ’’The Clash of Civilisation ?’’, In. Barry Buzan and Lene Hansen (Eds), International Security : The Transition to the Post-Cold War Security Agenda, volume 2, (London : Sage Library of International Relations), 2007, pp. 358-361 [Source : Foreign Affairs, Vol.72, N°3, (1993) : pp. 22-49]

5- محمد السعدي، مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام، (مركز دراسات الوحدة العربية بيروت لبنان، الطبعة الأولى، 2006 ) ص92.

6- أحمد وهبان، الصراعات العرقية وإستقرار العالم المعاصر دراسة في الأقليات والجماعات والحركات العرقية، أليكس لتكنولوجيا المعلومات ،الإسكندرية، الطبعة الخامسة ،2007،ص100.

7 - اكرام بركان، تحليل النزاعات المعاصرة في ضوء مكونات البعد الثقافي في العلاقات الدولية، مذكرة لنيل شهادة الماجيستير في العلوم السياسية تخصص الدبلوماسية والعلاقات الدولية، جامعة باتنة، كلية الحقوق والعلوم السياسية،2010،ص107.

8- اكرام بركان، مرجع سابق، ص109.

9- محمد السعدي، مرجع سابق، ص92.

10- عصام عبد الشافي، المداخل الدينية وتحليل العلاقات الدولية: الجزء الثاني، متوفر على الرابط التالي: http://kenanaonline.com/users/ForeignPolicy/posts/261639

11- عبد الحسين شعبان، الاسلام في السياسة الدولية: "حوار الحضارات والارهاب الدولي"، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 15 ، صيف 2007 ،ص160.

George W. Bush, ‘Address to a joint session of Congress and the American people’, 20 Sept. 20011- 12 http://www.whitehouse.gov/news/releases/2001/09/20010920–8.htm

عربي بومدين

باحث جزائري