مَن أول من عزف بيد واحدة على العود؟

طوّرت التكنيك لليد اليسرى منفصلا، ولليد اليمنى كذلك

خلال فترة دراساتي الأولية في معهد الدراسات النغمية العراقي في بغداد وفي دروس العود العملي التي كنت أدْرُسُها على يد أستاذي الكبير روحي الخماش "يرحمه الله"، كان كثيرا ما يقدم لنا على العود بعضا من إبداعاته ومنها تقاسيمه المتميزة، وفي إحدى المرات كان يسمعني تقسيما وقام بأداء حركة قصيرة جدا ربما لاتستغرق ثانية أو ثانيتين ولكنها أبهرتني وشدتني كثيرا وبقيت في ذاكرتي، ذلك إنه أدى بضع درجات صوتية على العود بدون إستعمال الريشة وربما كانت هذه أول مرة أنتبه فيها إلى إمكانية العزف بيد واحدة.

وبمرور الوقت ومع تطـّور مستواي التقني على العود وبجهد ذاتي بدأت بدراسة مؤلفات عازف الكمان الأسطوري نيكولو ݒاگانيني "1782 1840" وبالذات مؤلفاته بصيغة الكاݒريس (Caprice) ومن أشهرها على الإطلاق الكاݒريس رقم 24 وفيها مقطع قصير جدا يتكون من بضع نوطات يؤدّى باستخدام أصابع اليد اليسرى فقط "دون استخدام قوس الكمان".

وفي ذلك الوقت وكنت في سعي دائم لتطوير تقنيات العود عن طريق الاستفادة مما وصلت إليه الآلات الأوربية وحيث أنني كنت أُحـَضّر لتقديم هذه القطعة "المكتوبة أساسا للكمان المنفرد" على العود المنفرد، فقد وجدت نفسي أتمرن بتركيز شديد لتنفيذ هذه التقنية على العود والحمد لله نجحت في تنفيذ هذه الكابريس "ومنها هذا المقطع القصير" على العود بشكل متميز نال إعجاب وتقدير أساتذتي آنذاك وكل من أستمع إلي في تلك الفترة من دراساتي.

وفي نفس الفترة تقريبا زارنا في المعهد عازف گيتار كلاسيكي من كوبا "لا يحضرني أسمه الآن" ولكنني أذكر أنه قدم لنا قطعة عزفها بيد واحدة وقد أثارت انتباهي وشدتني أيضا.

وبتأثير من الحركة الصغيرة التي شاهدتها أثناء عزف الفنان روحي الخماش وقطعة "ݒاگانيني" وأداء العازف الكوبي بدأت أفكر جديا في كيفية الاستفادة من تقنية العزف بيد واحدة وكيف يمكن التعامل معها واستثمارها وتطويعها وتطويرها لخدمة العود، مع الأخذ بعين الاعتبار انني كنت دائما ومنذ بداية دراساتي الموسيقية "ولا أزال" أضع نصب عيني بشكل لا لبس فيه أهمية المحافظة على الشخصية المتفردة للعود مع السعي للتطلع نحو العالمية.

وفي يوم ما وكنت أُنجز للعود المنفرد إعداد موسيقى (Arrangement) لأغنية قديمة مشهورة جدا في العراق هي "تچفي وتـِصـِل إعدايْ " وعلى ما أذكر هي من كلمات الشاعر عبد الكريم العلاف والحان الفنان العراقي اليهودي عزوري العواد وغنتها أولا المطربة منيرة الهوزوز.

استخدمتُ في مقطع كامل فيها تقنية العزف بيد واحدة مرة باليد اليسرى فقط ومرة مرافقة باليد اليمنى دون استعمال الريشة، وعلى ما أذكر كان ذلك في العام 1976 وكان الحدث الأول من نوعه في تاريخ العود "وهو أن يؤدّى مقطع موسيقي كامل طويل على العود بيد واحدة دون استخدام الريشة".

واذكر إنني قدمتها أولا داخل العراق ومن ثم في كونسيرت حي في أنقرة - تركيا في العام 1979 على قاعة المركز الثقافي العراقي في چانكايا. وهنا أود أن اذكر مفارقة غريبة وهي إن أول كونسيرت كامل لي أمام الجمهور للعود المنفرد كان في أنقرة وليس في بغداد وكذلك أول تسجيل إذاعي طويل لي كان في تركيا في هيئة الإذاعة والتلفزيون التركي أيضا وليس في العراق "في الواقع قدمت في تركيا العديد من الكونسيرتات سواء للعود المنفرد أو كقائد سيمفوني أوركسترا وأنجزت فيها العديد من التسجيلات أيضا"

وتواصلت في تطوير تقنية العزف بيد واحدة، وقررت أن افرد لها دراسات خاصة وبالفعل كتبت في العام 1980 دراسة لليد اليسرى فقط، وبعدها في العام نفسه كتبت دراسة لليد اليمنى فقط، وكنت في أحيان كثيرة أقدم هذه الدراسات بالإضافة إلى أداء العديد من موسيقى الأغاني العراقية والعربية والغربية، باستخدام تقنية اليد الواحدة أمام طلبتي وفي "كونسيرتاتي" داخل وخارج العراق، ولازلت أذكر عندما قاطعني الفنان والشاعر عدي صاحب عبيد وارتجل بيتين من الشعر أمام مئات الحضور الذين غصت بهم القاعة الكبرى في المسرح الملكي الأردني في عمان عام 1996 بعد تقديمي لدراستين لكل يد على حدة "هذا الكونسيرت موثق بالصوت والصورة".

وبقي أن أشير إلى إنني لازلت أنظر إلى تقنية عزف مقطع أو قطعة موسيقية أو أغنية كاملة على العود باليد الواحدة على إنها لون أدائي وأسلوب تقني يساهم في إثراء التراث المؤدّى والمكتوب للعود ويساهم في تطوير الإمكانات التقنية للعود ولعازفيه.

وبعد... وللتاريخ أود أن أقول أنني سعيت في هذا المجال في تطويع واستخدام وتطوير هذه التقنية على العود، لقد طوّرت التكنيك لليد اليسرى منفصلا، ولليد اليمنى كذلك، أي لكلا اليدين كُلا على حدة ووضعت لهما دراستين منفصلتين لكي أعطي التقنية مداها الصحيح والمنطقي، منطلقا من الرغبة الشديدة في توسيع مديات العود الأدائية والتعبيرية في مسعى أكاديمي بحت وفي إطار تقني ودراسي وهذه هي أهدافي الأساسية، بعيدا عن الغايات الاستعراضية والاستجداء الإعلامي و"الفبركات" الخادعة وغير الحقيقية!

وأود هنا أن تشاهدوا تسجيلا لي في كونسيرت حي في أنقرة - تركيا على قاعة مسرح الفن المعاصر، وكان ذلك ثالث كونسيرت أقدمه في أنقره بتاريخ الثالث عشر من تشرين الاول/ أكتوبر 1985 وفيه أقدم إعدادي لموسيقى أغنية "تچفي وتـِصـِل عدايْ" التي تناولت ظروف عزفها مستخدما اليد اليسرى فقط ومن ثم المرافقة باليد اليمنى "وهي تختلف عن دراسة لليد اليمنى فقط".

سـالم عبدالكريم: موسيقار عراقي مقيم في الامارات

www.salemabdulkarem.com