الأزهر والتشيّع... التوتر بعد الخميني وحزب الله

عصر التشيع الحزبي

منذ أوائل السبعينيّات من القرن العشرين فَتَر أداءُ الأزهر الشريف في ملف التقريب (كما فتر في ملفاتٍ كثيرةٍ أخرى!)، وتضاءل نشاط رموزه في فعاليات "دار التقريب" ومجلتها "رسالة الإسلام"، حتّى انتهى الأمر إلى تجميدٍ - غير رسميّ في ما يبدو - لنشاط الدار، وإغلاق المجلة بصدور عددها الأخير رقم 60.

وطوال نحو أربعين سنةً (حتى يناير 2011) لم يتحرك الأزهر في هذا الملفّ تحركًا ذا بال، إلاّ أنْ يكون زياراتٍ رسميّةً، أو "شبه رسميّة" أحيانًا، متبادلةً بين مصر وإيران، مثَّل مصر خلالها بعض رجالات الأزهر. ولعل أهم هذه الزيارات هي زيارة الإمام الأكبر الشيخ محمد الفحَّام، الذي كان أعلى من زار قُم الإيرانـيّة من قيادات الأزهر، في سابقة لم تتكرر على مستوى منصب "شيخ الأزهر" قبلها ولا بعدها.

وبعدها، سنة 1392 هـ/ 1972، زار وفدٌ من علماء الحوزة العلميّة الأزهر الشريف، منهم: آية الله الخسروشاهي، وآية الله محمد واعظ زادة، وحجة الإسلام محمد علي چرندابي وغيرهم، والتقى الوفدُ الإمامَ الأكبر محمد الفحام وقياداتِ الأزهر، ومنهم: الشيخ عبد العزيز عيسى مساعد شيخ الأزهر، وأعضاء بارزين في دار التقريب بين المذاهب الإسلاميّة.

أمّا أكبر وفدٍ أزهريّ زار طهران، فقد كان في عهد الإمام الأكبر السّابق الدّكتور محمد سيد طنطاوي، ورأسه وكيل الأزهر الشيخ محمود عاشور نائبًا عن الإمام الأكبر، وضمّ: مفتي الديار المصريّة الأستاذ الدكتور نصر فريد واصل، والأمين العام لمجمع البحوث الإسلاميّة، والأمين العام للمجلس الأعلى للأزهر، ورئيس قطاع المعاهد الأزهريّة، الأستاذ الدكتور رأفت عثمان عميد كليّة الشريعة، والأستاذ الدكتور عبد المعطي بيومي عميد كليّة أصول الدين، والأستاذ الدكتور عبد الله النجّار عن كليّة الشريعة، والأستاذ الدكتور محمد رجب البيومي عن كليّة اللغة العربيّة، والأستاذ الدكتور محمد إبراهيم الفيومي عضو مجمع البحوث الإسلاميّة، والدكتور محمد عمارة عضو مجمع البحوث الإسلاميّة. ومع هذه الزيارات القليلة والمتقطعة.لم تخلُ الساحة الأزهريّة من بعض السّجال والتوتّر حول ملف الشّيعة والسّنّة.

التوتر المواكب ثورةَ الخميني:

بعد سقوط شاه إيران الأخير محمد رضا بهلوي وقيام الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانـيّة، السنة 1979، دخل التوتر الطائفيّ مرحلة جديدة، فمن جهةٍ: كان على رأس هذا التحول فقيهٌ شيعيّ قاد الشعب الإيرانـيّ من منطلق "ولاية الفقيه" نيابةً عن "الإمام الغائب" وباسمه. كان آية الله الخميني هو أوّل من أخرج هذه "الولاية" من كمون الفكرة إلى قوة الواقع، مقيمًا دولةً على أساس فكر مدرسة الشيعة الإماميّة. ومن جهة أخرى: أثار هذا التحول مخاوف كثيرة لدى دوائر السياسة في الشرق والغرب من انتقال النموذج الإيرانـيّ إلى المنطقة، فاتخذت حياله كلّ السبل لتطويقه وتحجيمه.

وكان من تلك السبل إثارة عاصفة طائفيّة بوجه إيران، وطالت هذه العاصفة معظم الشيعة في البلدان المختلفة. واتخذت هذه العاصفة عناوين عدّة منها: التشكيك في نوايا الثورة الإسلاميّة تجاه أهل السنة، وإحياء قصص تآمر الفرس التاريخيّ على الإسلام والعروبة، وإثارة قضايا انحراف الشيعة عن القرآن والسّنّة، بل واتجهت هذه الموجة إلى الطعن حتّى في تواتر القرآن عند المسلمين، إذ أُبرز القول بأنّ لدى الشيعة قرآنًا غير هذا المصحف، وأنهم يؤمنون بتحريف القرآن.

وبالطبع كانت المؤسّسات الدينيّة في عدد من الدول العربيّ (وعلى رأسها مصر والمملكة العربيّة السعوديّة) رأس الـحَرْبة في هذه الحملات، لا ضدّ السياسة الإيرانـيّة الجديدة وحسب، بل ضدّ المذهب الشيعيّ وأتباعه في البلاد العربيّة وفي إيران على حدّ سواء أيضًا. وتصاعد هذا المدّ الانتقاديُّ "المؤسَّسيُّ" للشيعة والتشيّع، وإن أخذ معظم الوقت صورة نقد إيران وسياساتها، حتّى بلغ ذروةً من ذُراه في أحداث الحرم المكي (يوليو 1987)، حيث أصدر الأزهر بياناتٍ، ونشر كتابًا، مهاجمًا الشيعة وإيران.

عام انتصار الشيعة!

من هذه الذُّرَى ما حصل السنة 2006. حيث ثار في المجتمع المصريّ والعربيّ جدال شديد حول الشيعة والتشيّع، على خلفيّة حرب صيف 2006 التي شنها الكيان الصهيونيّ على جنوب لبنان، وكانت "المقاومة الإسلاميّة" بقيادة "حزب الله" الشيعيّ الموالي لإيران هي قائدة الانتصار الكبير الذي تحقق بانكسار الهجمة الصهيونيّة الغاشمة.

ونشرت بعض الصحف، الحزبيّة والمستقلة، موادَّ تنتصر للمذهب الشيعيّ وتهاجم عددًا من كبار الصحابة، وبدا الأمر وكأنّ ثمّة "لوبيّا" شيعيّا، أو مجموعةً من أصحاب النفوذ يفتحون الطريق أمام أفكار شيعيّة بمصر، فقد لوحظ مثلاً أنّ ثمّة تطابقًا (نصِّيًّا أحيانًا) بين النصّ الذي نشره عادل حمودة رئيس تحرير جريدة "الفجر" عن أمّ المؤمنين عائشة والنصّ الذي نشرته جريدة "الغد"، الأمر الذي دفع للتساؤل: من الذي عمّم مثل ذلك النصّ بطريقة الإعلانات المدفوعة الثمن؟!

واشتبك الأزهر مع هذه الوقائع. فقرر "مجمع البحوث الإسلاميّة"، الهيأة الأزهريّة العلميّة الأرفع وقتها، إعداد مذكرة للنائب العام يطالب فيها باتخاذ الإجراءات القانونيّة اللازمة تجاه ما نشرته هذه الصحف ممّا اعتبره إساءاتٍ مباشرةً لمذهب أهل السّنّة والجماعة. كما قرر الأزهر حينها منع تداول عدد من المطبوعات الشيعيّة (كتبًا ومجلاتٍ) التي يتم تداولها بمصر، وقامت الجهات الأمنيّة وجهاز المطبوعات بالتعاون مع "مجمع البحوث الإسلاميّة" بعمليّة المصادرة والمنع. وأوضح تقرير الأزهر، في هذا الخصوص، أنه يجب عدم نشر أيٍّ من تلك المطبوعات أو تداولها حفاظًا علي عقيدة أهل السّنّة والجماعة.

وكانت "دار الإفتاء المصريّة" قد أدانت في بيان مماثل لها تلك الإساءات، ودعت المسلمين في كلّ أنحاء العالم إلى مقاطعة ما أسمته بالكتابات المسمومة التي تحمل تحليلات يغلب عليها الإلحاد وإنكار الوحي، واصفةً انتقادَ الصحابة بأنه فسق بـَيـِّن. وفي كلمته في ختام فعاليات الموسم الثقافيّ لـ"المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة"، التابع لوزارة الأوقاف، جدد شيخ الأزهر الدكتور محمد سيد طنطاوي (1928 - 2010) هجومه العنيف على كلّ من يسبّ صحابة الرّسول صلّى الله عليه وسلّم، مؤكّدًا أنّ "من يقترف هذا الذنب العظيم كافرٌ وخارجٌ عن ملة الإسلام"، لافتًا إلى قيامه بتقديم بلاغ إلى النائب العام لوقف تطاول أيّ صحيفة أو مجلة على الصحابة وتشديد العقوبة في ذلك.

ثم وقَّع عدد كبير من علماء الأزهر على بيان طالبوا فيه بملاحقة المجترئين على مقام الصحابة قانونيًّا وفكريّا، محذرين من أنّ هذه الحملة مراد منها "تشويه الصحابة الكرام، وإسقاط قيمتهم وموقعهم في حمل رسالة الإسلام"، واستغربوا تزامنها والحملةَ الأوسع التي تستهدف النّبيّ الكريم صلّى الله عليه وسلم وثوابت الإسلام في الغرب.