العراق... مفجرو الأمس حُكام اليوم!

إسلام سياسي يقتل وإسلام سياسي لا يحمي

ليس خافياً أن جهاد الإسلام السياسي العراقي، الشيعي تحديداً، اتخذ طريق العنف في أيام المعارضة، وما أن نحجت الثورة الإسلامية بإيران إلا وأخذت جماعات الإسلام السياسي تتكاثر بالانشطار عن بعضها بعضاً وبالتأسيس الجديد، وبدأت عملياتها في التفجيرات في الأماكن العامة، وبما أن مثل هذه التفجيرات بحاجة إلى مال وتنظيم كان يفوق قدرة تلك الجماعات لذا ليس بعيداً أن إيران الإسلامية كان وراء تلك العمليات كافة.

راح المئات من المدنيين العراقيين ضحايا في تلك العمليات، التي كانت تستهدف النظام السابق، وإثارة الشارع العراقي بالفوضى ضدها، ومن تلك العمليات ما أتى لإفشال إستضافة العراق لمؤتمر دول عدم الانحياز، خلال الحرب العراقية الإيرانية، فإذا نجحت تلك الاستضافة سيكون العراق رئيساً للمؤتمر، وبالتالي سيكون رئيساً لدول عدم الانحياز وهو في حرب مع إيران. بالتأكيد أن الحركة الإسلامية العراقية ما كان يعنيها هذا المؤتمر لولا أنه يتعلق بفائدة إيران من افشاله.

إن قادة الأحزاب الدينية الحاليين المجاهدون سابقاً والحكام لاحقاً، كانوا ينظمون هذه العمليات، ويفتخرون بأن أول الانتحاريين كان منهم لا من القاعدة، ذلك الذي فجر السفارة العراقية ببيروت، وراح ضيحتها أكثر من ستين مدنياً، لكن البداية كانت بالجامعة المستنصرية، ثم وزارة التخطيط، فالخطوط الجوية العراقية ببغداد، ثم تفجير بوابة الإذاعة.

آنذاك كانت الأحزاب الدينية تتنافس على الإعلان عن مسؤوليتها في التفجيرات، وذلك لتقدم نفسها على أنها قوية وفاعلة، ومن جانب آخر يتوقف بعدها وقربها من إيران على هذه العمليات. بمعنى أنها اُستخدمت ذراعاً إيرانية داخل العراق، شأنها شأن حزب الله اليوم في ما يحصل بسورية. إن الذين كانوا يجهزون لهذه التفجيرات وهم مسؤولو أمن تلك الأحزاب بإيران وسورية، ومعلوم ما يجري من تنسيق مع مخابرات تلك الدول، هماليوم يشرفون على الأمن داخل العراق. فمن الصعب فهم المعادلة، أن تكون تجهز التفجيرات، كعمل مناهض ضد النظام السابق من جهة ولصالح دولة أجنبية من جهة أخرى، وتكون مسؤولاً عن أمن المواطن العراقي اليوم!

بطبيعة الحال، كان النظام السابق يعتبر هذه الجماعات، التي تقوم بالتفجيرات أنها جماعات إرهابية، بينما هي تعتبر نفسها جهادية! اليوم انعكست الحالة، فصار الذي يقوم بالتفجير إرهابياً بعرف تلك الجماعات، وأن قتل المدنيين صار حراماً من قبلها بينما كان حلالاً عندما كانت تدعي أنها تجاهد ضد عدوها، وهو النظام السابق.

لكن ما يشعر به المواطن العراقي، في ظل النظام السابق، أن هناك حماية له من تلك التفجيرات، وحدث أن حُكم على مفجري الخطوط الجوية بإعدامهم بالطريقة التي فجروا بها مكتب الخطوط، فلو فُسح المجال لحزب الدعوة والجماعات الإسلامية لقلبت ليل بغداد نهاراً من التفجيرات آنذاك، وكان في حسابها أن الغاية تبرر الوسيلة، فليُقتل أي عدد كان المهم أن تنفذ عملياتها، التي كانت تسميها جهادية والنظام السابق يسميها إرهابية ظلامية، وهي اليوم تسمي الذي يفجرون في عهد حكومتها إرهابيين مثلما تقدمت الإشارة!

في الحالتين هناك إسلام سياسي، فالقاعدة وفصائل المقاومة الإسلامية هي التي تتحرك داخل العراق، وليس هناك من جهة تتبنى الانتحار إذا لم تؤمن أن مصير الانتحاري هو الجنة، بمعنى هناك إيمان أو عقيدة دينية، أما السلطة فهي، مثلما نرى، إسلامية أيضاً، لكنها غير قادرة على الحماية، هذا إذا أخذنا الموقف بحسن نية، وبرأنا الأحزاب الحاكمة من تشجيع العنف، كي يبقى الحال كما هو عليه، ويعطى صفة طائفية، وبالتالي تلتف الطوائف حول سياسيها، وتضمن لهم الفوز بالسلطة. فالعراق في حقيقة الأمر بين إسلام سياسي يقتل وإسلام سياسي لا يحمي، وبين إرهابي الأمس وحاكم اليوم، أي أن تربية الإرهاب لا تولد أمناً.

زيد بن رفاعة