إعلان الجهاد في سوريا من يقف وراءه؟

من جديد يبرهن الإسلام السياسي على أنه الرهان الأخير للسياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط. فحينما تتأزم الأمور وتتشابك الأحداث وتتعدد أطراف اللعبة السياسية بحيث تجد الولايات المتحدة نفسها عاجزة عن صياغة سيناريو يجعلها في مقدمة الرابحين، تلمع من جديد في أذهان صُنّاع سياسة البيت الأبيض تلك الفكرة التي احدثت انقساما رهيبا بين صفوفهم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر على اعتبار أن السحر انقلب - بصورة دراماتيكية - على الساحر في غمرة انهماكه في تعزيز نظرية القطب الأوحد.

من بين جملة الأسئلة المثارة حول الأزمة السورية منذ بدئها ولغاية الآن - والذي أعتبره من أهمها على الإطلاق - هو لماذا تأخر إعلان الجهاد لدعم الشعب السوري كل هذا الوقت؟ خاصة وأن التدخل الطائفي لحزب الله في مجريات الأحداث وكذلك الحرس الثوري الإيراني قد تم قبل اعلان الحزب تدخله السافر بحجج واهية نددت بها رموز شيعية كثيرة ويأتي في مقدمتها السيد صبحي الطفيلي أمين حزب الله السابق الذي وصف حسن نصرالله بأنه "يخضع لقرار إيراني بالمشاركة في الحرب في سوريا وهذه فتنة بين المسلمين، وأن مقاتلي الشيعة هناك يدافعون عن بشار الأسد، وأن إيران تزج بهم في كل حرب تريدها". كما أن قادة الجيش الحر أعلنوا مرارا وتكرارا عن قتلهم وأسرهم لمقاتلين ايرانيين كُثر، ومنهم الضابط الايراني الذي أسره الجيش الحر في ريف إدلب، والذي اعترف في مقطع تم بثه على قناة العربية بأنه كان يدرب قناصي قوات النظام، كما اعترف بوجود جنود إيرانيين في صفوف قوات الأسد، يقاتلون على عدة جبهات في شتى أنحاء سوريا.

إذا ما هي المستجدات التي اجبرت اتحاد العلماء المسلمين لإعلان وجوب الجهاد؟

دعونا نراجع بعقلانية مسيرة هذا الاتحاد منذ تأسيسه إلى الآن، ثم نطرح السؤال الجوهري التالي؛ هل يمثل هذا الاتحاد كافة علماء الأمة الإسلامية ليستحق الالتفات إلى دعوته الجهادية؟ فكلنا نعلم ومنذ بدء الثورة السورية مدى قمعية النظام ووحشيته الذي لم تكن ردود أفعاله الدموية تجاه المعارضين مستغربة، فلا أحد يزايد على وجوب نصرة إخواننا السوريون منذ بدأ الأزمة وليس منذ إعلان حزب الله مشاركته قوات النظام الحرب ضد المعارضة. والأمر الأهم في هذا السياق هو أن الجيش الحر صرح على لسان أحد أبرز قادته الميدانيين (العقيد عبدالجبار العكيدي) بأنهم لا يحتاجون إلى الرجال، بقدر احتياجهم للسلاح، لأن نصف الجيش الحر، حسب قوله، بلا سلاح، فهم يتناوبون على حمل السلاح بسبب عدم توفره بكميات تغطي احتياجاتهم الفعلية له في ميدان المعركة، وهذا لا يعني أنهم ليسوا بحاجة لمقاتلين جدد بل هو دليل على أن امتلاك اسلحة اضافية أهم بكثير من زيادة أعدادهم لأن المقاتلين الجدد قد يتحولون بشكل تدريجي إلى عبء ثقيل على الجيش الحر في ظل النقص الشديد للسلاح.

ولا يفوتني هنا أن أشير إلى أن السيد القرضاوي مهّد الطريق لدعوته الجهادية بفترة وجيزة قبل انعقاد المؤتمر اعتقادا منه بأنها ستبلغ آفاقا أبعد مما يتصوره ساسة البيت الأبيض حينما أعلن بلغة مباشرة عن خطئه الجسيم في تأييد حزب الله الطائفي في فترة من الفترات، وبأنه نادم أشد الندم لأنه ناصر حزب الله اللبناني وخاصم من أجله علماء السعودية، وقد قال حرفيا "تبين لي أني خدعت وأني أقل نضجا من علماء المملكة الذين كانوا يدركون حقيقة هذا الحزب". هذا الاعتراف أثار موجة من الشكوك والأسئلة لدى العديد من المتابعين لمجريات أحداث الأزمة السورية رغم ترحيب الكثير من علماء الأمة الإسلامية ومنهم علماء المملكة بهذا الاعتراف المتأخر جدا تأصيلا لمبدأ الاعتراف بالحق فضيلة، ولم يفطنوا أن ذلك الاعتراف كان بمثابة طعم حاول القرضاوي أن يصطاد به علماء الأمة المعتدلين في طرحهم وخاصة علماء المملكة ليقفوا إلى جانبه في مشروعه القادم المتسق مع الأجندة الخفية للادارة الاميركية. فالقرضاوي عُرف عنه هذه التقلبات المفاجأة في المواقف، فهو صاحب سجل حافل بالتناقضات، ويكفي الإشارة إلى دعوته الشهيرة الى التقارب بين المذهبين الشيعي والسني والتي ما فتئ أن انقلب ضدها انقلابا صارخا يبرهن على أن الرجل ليس سوى باحث عن زعامة دينية ليس جديرا بها على الإطلاق. وها هو يبعث بنائبه السيد عبدالله بن بيه لزيارة البيت الأبيض تزامنا مع اعلان وجوب الجهاد ضد النظام الأسدي لطلب دعم الادارة الاميركية في نصرة الشعب السوري وكذلك لمطالبته بحقوق أقلية الروهنجيا في ميانمار لجعلها تبدو ضمن سياق الجهود التي يبذلها اتحاده العالمي لرفع الظلم عن كاهل المستضعفين، وليست لاعداد سيناريو لما بعد اعلان وجوب الجهاد! فتصريح المسؤولين الاميركيين بوجود أدلة جديدة لاستخدام النظام السوري الأسلحة الكيمياوية والتي كانت السبب في تحقيق قوات النظام بعض التقدم الميداني ما هو سوى فصل من الفصول المسرحية التي يجري الإعداد لها خلف كواليس الصراع.

ثم لماذا لم يبادر السيد القرضاوي وأعضاء اتحاده العالمي لإعلان وجوب الجهاد في ميانمار؟ ألم يشاهد أو يسمع عن الإبادة الجماعية التي تتعرض لها الأقلية المسلمة (الروهنجيا) هناك على أيدي الأغلبية البوذية؟ ألم تحرك مناظر الجثث المتفحمة لأطفال مسلمي ميانمار غضب السيد القرضاوي مثلما ألهبت أشلاء أبطال سوريا مشاعره الجياشة؟

إذا كان السيد القرضاوي يعتقد ومن قبله ساسة البيت الأبيض أن التجربة الأفغانية تلاشت من ذاكرتنا الجمعية فهم مخطئون وواهمون، فزمن الحرب بالوكالة انتهى إلى غير رجعة لأن الشعوب المسلمة كسرت طوق الجهل حينما اكتشفت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر العقيدة النفعية التي يعتنقها زعماء الاسلام السياسي حيث رمتهم في مجاهل الانقسامات والتحزبات حول قضايا خاسرة لا يزالون يعانون من تداعياتها المأساوية.

على شرفاء الأمة الإسلامية أن لا يلتفتوا إلى هكذا دعوات تستخف بهم ولا تحترم عقولهم، فما يحتاجه أخوتنا في سوريا هو الدعم المباشر والعلني لتسليح الجيش الحر لأنه الطريق الأمثل لقطع كل الطرق التي قد يحاول من خلالها ساسة البيت الأبيض وأتباعهم إملاء شروطهم على الثوار لتشكيل حكومة تواصل ذات النهج الذي اتبعته حكومة الأسد حيث ظلت لعقود وهي تضع أمن حدود العدو الصهيوني ضمن أولوياتها للبقاء في سدة الحكم.