'تقسيم' بين الاتراك وحدهم!

من الامور التي تدعونا الى مراجعة قراءتنا السياسية للاحداث، هو اغراقنا بالانفعال في الحدث، أي حدث، بما يجعلنا غير قادرين على قراءته بشكل موضوعي، يخدم موقفنا منه او من تداعياته، ولعنا بتنا متميزين في هذا الجانب عن غيرنا بشكل لافت.. واليوم، اذ نقرأ ما يحدث في تركيا، اقصد كساسة ومهتمين ومتابعين، بعد اندلاع الاحتجاجات التي اتت على خلفية اقدام حكومة اردوغان على تغيير معالم ساحة "تقسيم" الشهيرة في استنبول، فاننا نقع بالخطأ القديم المتجدد، واقصد الانفعال ومحاولة وضع الحدث في المسار الذي ينسجم مع تمنياتنا، كل من زاوية نظره وموقفه، سواء كان مع او ضد، اذ شبه كثيرون احداث تركيا بـ"الربيع العربي"! وذهب البعض الى الاعتقاد ان مصير اردوغان سيكون كمصير الحكام العرب الذين سقطوا على اثر الاحتجاجات التي عصفت ببعض الدول العربية مؤخرا!

في البداية علينا ان نقرا الحدث التركي من مدخلاته، ونقارنه بالمدخلات التي ادت الى اندلاع الاحتجاجات في البلدان العربية، وهنا سنجد اختلافا واضحا، لان الحكام العرب لم يأتوا الى الحكم من خلال صناديق الاقتراع، كما هو الحال مع تركيا، اي انهم غير شرعيين او مستبدين وسارقين للسلطة التي مكثوا فيها عقودا من دون امل بخروجهم منها، ناهيك عن تردي الاوضاع الاقتصادية في بلدانهم والتي كانت السبب الحاسم وراء الاحتجاجات، التي اسقطتهم واسقطت الدول التي كانوا يحكمونها معهم، لانهم بنوا سلطات ولم يبنوا دولا ذات مؤسسات راسخة، الا بقدر قليل لم يعصمها من الانهيار الكامل بعد سقوطهم المدوي وانفلات الاوضاع في بلدانهم، وهو ما لم يحصل في تركيا، التي وصلتها الحكومة الحالية بالانتخابات ومن خلال ديمقراطية راسخة الى حد معقول، وان لم تكن كالدول الغربية مثلا، اضافة الى ان تركيا دولة ذات مؤسسات دستورية راسخة، ومنذ نحو قرن بالرغم مما شاب مسيرتها من اضطرابات تمكنت من استيعابها مؤسساتيا، حتى بعد حدوث الانقلابات التي عاشتها، في بعض الفترات، والتي كان اخرها انقلاب الجنرال كنعان ايفرين، في العام 1980 بعد ان سادت الاضطرابات وتصارعت الاحزاب بشكل دموي استوجب تدخل الجيش الذي حسم الامر لصالح الاستقرار، وان بواسطة انقلاب عسكري!

في معاينة دقيقة لما يجري في تركيا اليوم، سنجد ان هناك اكثر من سبب يقف وراء هذه الاحتجاجات التي كانت حادثة "تقسيم" مجرد شرارة اشعلت الفتيل، لان الشارع التركي الذي يحظي حزب الحرية والعدالة بالاغلبية فيه، وفق ما افرزته الانتخابات، لا يعني انه بات خالصا من القوى المعارضة التي مازال رصيدها ثقيلا في بلد يبلغ تعداد سكانه نحو سبعين مليون نسمة، اي ان هناك اعدادا مليونية هائلة لم تكن راضية، ليس على سياسات الحزب فقط وانما على برنامجه ونهجه الاسلامي الذي تراه مهددا لعلمانية الدولة التركية التي بناها اتاتورك قبل نحو قرن من الزمن وترسخت وباتت ثقافة يصعب اقتلاعها بسهولة، وهو ما يدركه حزب الحرية والعدالة الذي يحاول ان يرسخ جذورة بهدوء في المجتمع التركي ويتمدد داخل مفاصل الدولة ايضا، ولعله مرصودا من هذه الزاوية بدقة من قبل القوى الاخرى المناوئة، او العلمانية والقومية، التي صارت تراه خطرا يتهدد الدولة التركية برمتها، وهكذا جاءت هذه الشرارة التي ارادت هذه القوى ان تدفع بها لاقصى حد ممكن يضع هذا الحزب امام استحقاقات جماهيرية ضاغطة، من خارج اللعبة الانتخابية وافرازاتها، وداخل اللعبة الديمقراطية ايضا! اي من خلال حق التظاهر الذي سيتحول، ان استمر، الى مطلب شعبي يفرض استحقاقات استثنائية قد تكون الانتخابات المبكرة احد شروطها، ومن داخل هذا المناخ الملتهب قد تأتي النتائج في غير صالح الحزب الذي يعتقد بعض العرب ممن ضاقوا ذرعا بمواقفه من ما يسمى بـ"الربيع العربي"، ان الحكومة المقبلة سيكون لها موقف مختلف.

هنا تكمن ازمتنا وقلة حيلتنا ونحن نتعامل مع مثل هذه القضايا التي تدخل في إستراتيجيات الدول وليس اجتهادات الحكام، لاسيما للدول ذات الوزن الثقيل كتركيا، التي تعد اليوم لاعبا اقليميا، امتزجت مصالحه بمصالح الكبار في معادلة معقدة يصعب فك الاشتباك بين حلقاتها، اي ان تغيير الحكومة التركية الحالية لا يعني ان الإستراتيجية التركية تجاه ما يحدث في سوريا او غيرها سيتغير، بل سيستمر، وان الاحتجاجات التي تشهدها المدن التركية والتي انطلقت من ميدان "تقسيم" هي من معطيات لعبة الصراع الداخلي التركي، وقد تكون هناك قوى خارجية خلفها، لكن هذا يبقى في الاطار الإستراتيجي الذي يجمع مصالح تلك الدول بتركيا، لا اكثر، وهي بالتأكيد ليست عربية، لان العرب لم يجيدوا بعد لعبة صراع الكبار، وانما ينفعلون بافرازاتها دائما، كانفعال بعضنا بما يراه اليوم في تركيا وغيرها!