إسرائيل وسوريا: الهدوء يتبدد في الجولان

إسرائيل تشعر بالقلق من ما يحدث على الجبهة السورية، جبهة الجولان المحتل. هذا ما تدل عليه الأخبار والتحليلات الصادرة عبر وسائل إعلامها. كرواتيا سحبت أفرادها المشاركين في قوة مراقبة خط الهدنة في شهر مارس/ آذار الماضي خوفا من استهدافهم، والبارحة انسحبت الوحدة النمساوية العاملة في نطاق قوات الأمم المتحدة. بيان لمنظمة الأمم المتحدة يشير إلى ان "العنف المتصاعد في الجولان يُعرض الهدنة بين اسرائيل وسوريا للخطر."

وبالفعل لا يمر أسبوع إلا وتحمل الأخبار أنباء عن اشتباكات متواصلة بين الجيش النظامي ومسلحي المعارضة، وانفجارات قرب الحدود، واختراق من قبل الدبابات السورية للخط الازرق.

إسرائيل تعتقد أن في ذلك تجاوز للقواعد التي حكمت فض الاشتباك بين الجانبين منذ عام 1974 والتي اعقبت حرب 1973.

هذا التسخين على الجبهة بين البلدين آخذ بالتصاعد تدريجيا منذ ما يقارب الثلاثة أشهر إذ من المعروف أن الضربة العسكرية الإسرائيلية لدمشق، كان قد سبقها بعض حوادث أطلاق النار على الحدود ومنها ما أُطلق على مواقع عسكرية إسرائيلية. ولكن لم تكن عندها إسرائيل تشعر بالقلق. كانت تعلم علم اليقين أن تلك الطلقات أو القذائف لم تكن موجهة لها أو مقصود فيها أهداف إسرائيلية ولكنها كانت تنزل في مناطق تواجد جنودها بفعل الخطأ، لذلك كانت تشعر بالارتياح لأن أعدائها في حالة صراع، صراع لا شك يصب في مصلحتها، ففي ذلك استنزاف لأعدائها، ليقتلوا بعضهم بعضاً.

ولكن اليوم هي قلقة. هذا ما تقوله وسائل إعلامها ومسئوليها، فهناك خشية إسرائيلية حقيقية من تدحرج الحرب الداخلية السورية إلى اشتباك مسلح واسع بين سوريا وحلفائها من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. هذا القلق يتزايد لأن الجولان هضبة استراتيجية وأراضيها تصلح لحرب العصابات وهناك سكان عرب رفضوا الجنسية الإسرائيلية ويفتخرون بانتمائهم لسوريا. ليست الاشتباكات هي ما يقلق إسرائيل بل التحضيرات السورية لفتح هذه الجبهة أمام المقاومة، هناك إعلان رسمي سوري بذلك وهناك أنباء مؤكدة عن افتتاح معسكرات للتدريب وانخراط العديد من المتطوعين في دورات عسكرية استعدادا لبدء حرب تحرير شعبية من خلال إطلاق حركة المقاومة الشعبية لتحرير الجولان.

التهديدات السورية ترى فيها إسرائيل جدية وتأخذ كل كلمة تخرج من دمشق والضاحية الجنوبية لبيروت هذه الأيام على محمل الجد، ويرى المحللون السياسيون الإسرائيليون أن التهديدات هذه المرة خلت من عبارات الصيغة السورية القديمة المتمثلة أن الرد سيكون في الزمان والمكان المناسب، بل تطورت إلى صيغة الرد المباشر ودون الرجوع للقيادة. إسرائيل ترى أن ايديها باتت مقيدة ولم تعد تملك حرية الحركة. ما يقلقها كذلك ويعطي للتهديدات السورية بعدا استراتيجيا هو أن هذه التهديدات تترافق مع نشاط روسي داعم لسوريا الأسد بكل الإمكانيات السياسية والاقتصادية والعسكرية. فقد سربت الصحف الإسرائيلية أن روسيا ترفض القيام بدور الوسيط مع دمشق كما كانت تفعل دائما، بسبب الامتعاض الروسي من الخروقات والتصرفات الإسرائيلية في الساحة السورية.

رد الفعل الروسي كان سريعا بدعم حليفته دمشق، دعم تجاوز كافة الخطوط الحمراء من خلال القرار بتزويد دمشق بأسلحة كاسرة للتفوق العسكري الإسرائيلي كمنظومة الدفاع الجوي s300 وصواريخ ياخونت المضادة للسفن.

إن هذا الغطاء من الحماية الروسي هو أكثر ما يخيف تل أبيب، وفق رؤية للكاتب الصحفي الإسرائيلي اليكس فيشمان فهو يقول "تحاول إسرائيل فهم ما يفعله الروس وما يخططون لفعله وإلى أي مدى سيذهبون بعيدا في هذا السياق وما هو حجم الضرر الذي سيلحقونه بها وعلى ما يبدو أصاب التكبر والتعجرف الروسي الرئيس بشار الأسد بالعدوى فأخذ هو الاخر يهدد بمعاقبة اسرائيل."

وكانت صحيفة هآرتس الإسرائيلية قد كشفت عن "وثيقة أعدتها وزارة الحرب الاسرائيلية وتتضمن إرسال رسالة الى قائد قوات حفظ السلام الدولية لتقوم بواجبها والعمل على وقف القتال والمعارك قرب الحدود الاسرائيلية في مرتفعات الجولان، وكُتب في الوثيقة أن الصبر لدى الجيش الاسرائيلي بدأ بالنفاذ وعلى القيادة العسكرية التحرك ضد أي خرق جديد من قبل قوات الجيش السوري."

إسرائيل تعلم علم اليقين أن قوات الطوارئ الدولية ليس باستطاعتها منع الاشتباكات المسلحة بين العناصر السورية المتصارعة على تراب الهضبة المحتلة وليس من مسئولياتها التدخل هناك طالما أن نطاقها لم يشمل الجانبين السوري والإسرائيلي وحتى هنا وظيفتها ليست أكثر من المراقبة وكتابة تقارير حول الخروقات ليس إلا.

هذه التصريحات قد تعني بشكل أو بأخر أن إسرائيل تحضر نفسها لخوض حرب عبر الحدود الشمالية قد تشمل جبهة جنوب لبنان والجولان وقد قامت إسرائيل في الفترة الأخيرة بعدد من المناورات واختبارات الجبهة الداخلية لتأكيد استعدادها لنشوب مثل هذه الحرب.

حرب، تدعي إسرائيل جهوزيتها الكاملة لها فيما يعتقد أنها لا ترغب بها على الإطلاق. فبالرغم من آلة الدمار الهائلة التي يمتلكها سلاح الجو الإسرائيلي ذو التفوق النوعي وعدم وجود تقارير مؤكدة لوصول منظومات الدفاع الجوي s300 الروسية، إلا أن مخاطر قصف المدن والمصانع الكيماوية بعشرات الاف الصواريخ هو موضوع يستحق التقدير وإجراء الحسابات. فحروب الستينات والسبعينات التي كانت تنحصر بجبهات القتال ولت إلى غير رجعة، اليوم وبحسب المحللين العسكريين الإسرائيليين أنفسهم ساحة الحرب ستكون كل مساحة دولة إسرائيل. وبالتأكيد هذه الحرب المدمرة لا ترغب فيها إسرائيل طالما أن هناك من يقوم بالمهمة نيابة عنها، حيث الحرب الدائرة رحاها هناك بين قوى المعارضة وحلفائها من القادمين عبر الحدود مع قوات النظام وحلفائه، تستفيد منها الدولة العبرية وتأججها لأنها تستنزف أعدائها جميعا، ولكن وكون إسرائيل دولة تعتمد في بقائها على الأمن فإنها تبقى في حالة استنفار شامل حتى في أوقات السلم.

إذن هي ووفق كل الظروف مستعدة للحرب وقد تركت ساعة الصفر لتكون وفق التطورات وما تفرضه المعطيات على الأرض.

الحديث عن حرب كهذه لم تعد مجرد تحليلات بل هناك تقارير إسرائيلية تؤكد أنها كادت أن تقع قبل عدة أيام بالفعل فقد أفادت صحيفة هآرتس العبرية أن المواجهة العسكرية بين الجيش العربي السوري وبين الجيش الإسرائيلي كانت على قاب قوسين أوْ أدنى من أنْ تقع، وهي المواجهة الأولى منذ العام 1973.

وبحسب الصحيفة فإن "وزير الحرب الاسرائيلي موشيه يعلون أعد خطة جديدة لصد الخروقات السورية نتج عنها أتخاذ أمر بضرب الدبابات السورية التي تقترب إلى الحدود."

وهذا يعني أن أي خرق قد يفجر الحرب في حال الرد السوري الذي سيكون حاسماً وسريعا هذه المرة وفق التصريحات المنسوبة للمسئولين السوريين....

ولكن هنا لا بد أن نتوقف هنيهة ونطرح التساؤل التالي:

هل إسرائيل قلقة فعلاً من تدهور الأمور إلى حرب؟

نستطيع أن نجزم أن القلق الإسرائيلي موجود فعلا ولكن ليس بشكل مباشر. فما يقلق إسرائيل أكثر هو حقيقةً تواجد عناصر حزب الله على الأراضي السورية ومشاركتهم في القتال واكتسابهم الخبرات القتالية في حرب المدن. فبالرغم من الفرح الذي ينتاب الدوائر العسكرية الإسرائيلية من انخراط الحزب في حرب موجهة ضد عرب إلا أن نظرتها للمستقبل هو ما يؤرقها أكثر، فقد علقت إحدى الصحف الإسرائيلية قبل مدة على انتصار حزب الله في معارك القصير بالقول "جغرافية منطقة القصير تشبه إلى حد كبير التضاريس الجغرافية لمنطقة الجليل شمال إسرائيل وان التكتيكات الحربية التي أستخدمها الحزب توحي بقدرته على احتلال مناطق في الشمال الإسرائيلي."

ما نستطيع التأكيد عليه أن إسرائيل تأخذ التصريحات السورية ورديفتها اللبنانية خاصة تصريحات السيد حسن نصرالله باستعداد حزبه للعمل في هضبة الجولان ووضع خبرة الحزب في تصرف المقاومة السورية المزمع البدء بها في الجولان على محمل الجد. هذا أحد أهم بواعث القلق الإسرائيلية، أما القلق الأخر الذي يذكر أحياناً في الصحافة الإسرائيلية فمصدره الخشية من سيطرة عناصر إرهابية وتحديدا عناصر تنتمي إلى الجهاد العالمي المنتمي للقاعدة على المرتفعات السورية في حال سقوط النظام. وهذا لم يحدث حتى الآن فالعناصر المعارضة المتواجدة على الهضبة المحتلة هي عناصر تابعة للجيش السوري الحر فيما يطلق عليها "كتائب شهداء اليرموك" و"الوية الفرقان" وكلاهما بحسب تصريحات للسيد بشار الجعفري هي عناصر إرهابية ممولة ومسلحة من دولة قطر وهي من يحركهما ويوجههما وهذه الكتائب على تنسيق دائم مع الجيش الإسرائيلي.

وقد أكدت الصحافة ووسائل الإعلام في إسرائيل أن الدولة العبرية تقدم لهذه المجموعات دعم لوجستي وطبي وهو ما لم ينفه قائد «ألوية الفرقان» محمد الخطيب، الذي تحدث قبل أيام عبر «سكايب» من الحدود السورية ـــ الأردنية الى قناة الجزيرة وجاء في مضمون مداخلته التي تناولت المعارك الدائرة في القنيطرة أنّه «ليس لدينا أي عمل تجاه إسرائيل، هدفنا هو بشّار الأسد ومن يسانده».

الخشية الإسرائيلية من تسرب عناصر سورية ولبنانية وفلسطينية مقاومة إلى هضبة الجولان وشن حرب استنزاف طويلة الأمد هو إذن مبعث القلق الإسرائيلي لذلك تسعى إسرائيل ومن خلال دبلوماسية نشطة متجهة إلى الإدارة الأميركية وروسيا لخلق منطقة منزوعة السلاح على الحدود من خلال اعادة صياغة الحالة الأمنية هناك، دوائر دبلوماسية صرحت لصحيفة المنار المقدسية أن اسرائيل تفضل صياغة تلائم ما تسعى اليه من تغيير الواقع في المنطقة الحدودية، وتسعى باستمرار للقيام بخطوات استباقية عسكرية وسياسية عبر تمرير مشاريع قرارات في الهيئات الدولية تسمح بتحويل المناطق السورية المحاذية للأراضي التي تحتلها اسرائيل الى مناطق منزوعة السلاح وفرض قيود أوسع على انتشار القوات العسكرية السورية في المناطق الحدودية، وتضيف الدوائر أن هذه الرغبات الاسرائيلية اصطدمت بواقع لم تتوقعه، حيث يواصل الجيش العربي السوري عملية اجتثاث عناصر المعارضة المسلحة من الاراضي السورية والتي من بين داعميها اسرائيل والولايات المتحدة وتركيا والسعودية وقطر.

إسرائيل التي تخشى فتح جبهة الجولان تتابع وتراقب عناصر حزب الله ونشاطهم على الأرض السورية فبعض منهم كما يؤكد مصدر لصحيفة "السياسة" الكويتية تعتبر مهمته الأولى حماية بعض مخازن الاسلحة النوعية، وخصوصا بعد انشقاق عدد من الضباط السوريين العاملين في القطاعات المشرفة على تلك الاسلحة. بعض من هذه "الاسلحة النوعية الكاسرة للتوازن على ما يبدو باتت في مخازن الحزب".

مصادر الطرفين الإسرائيلي والمقاوم (حزب الله) لا تستبعد اندلاع حرب طاحنة هذا الصيف، حرب يرغب بها حزب الله ولا تسعى إليها إسرائيل، يرغب فيها الحزب لعدة أسباب أهمها إعادة ترميم سمعته التي تضررت لدى بعض قطاعات الشعوب العربية والإسلامية بسبب الحملات الإعلامية التي استهدفته من قبل الحركات الإسلامية السنية وداعميها من الدول المتورطة في الشأن السوري وبسبب مشاركته في معركة القصير، والتركيز على البعد الطائفي للصراع هناك، مقابل تناسي الخطر الإسرائيلي فهو وفي حالة الانتصار على إسرائيل، سيعيد لنفسه الوهج الذي كان قبل فترة قصيرة من الزمن يتغنى به العرب بكل مذاهبهم، فبوصلة الإنسان العربي مازالت فلسطين بالرغم من كل التحريض الطائفي المتعمد.

وهذا الاعتقاد تتشاطره مع الحزب سوريا الأسد وايران فالانتصار على إسرائيل في الحرب المقبلة هو ما سيعيد التوازن للمنطقة ويهدئ من تأجيج المشاعر الطائفية التي تهدد النسيج الاجتماعي في الأقطار العربية.

إسرائيل طرف في كل ما يحدث فهي التي خططت ووجهت منذ التسعينيات لانطلاق هذه الفوضى الخلاقة، التي باتت فوضى مدمرة، ولا يمكن لبلد عربي الخروج من أزمته إلا بكسر هذه الهيمنة الإسرائيلية الصهيونية على المنطقة، الأطراف التي صمدت في وجه هجمة الشرق الأوسط الجديد والمتمثلة بسوريا وحلفائها ومن خلفهم روسيا والصين ودول البريكس هم من سيعيدون صياغة المنطقة بناء على واقع ما بعد الأزمة السورية ولا يمكن لهذه الصياغة أن تتم إلا بانتصار عسكري على إسرائيل، إسرائيل التي ترى النفوذ الأميركي ينحسر ويتوجه شرقاً إلى المحيط الهادئ تحسب الحسابات ليوم قادم كهذا لذلك هي مستفزة من الانتصار السوري في القصير هذا الاستفزاز انعكس على كتابها ومحلليها السياسيين والعسكريين من هنا ستحاول جاهدة منع استمرار انتصارات الجيش العربي السوري في حلب وبقية المناطق ولهذا الهدف أرسلت وفدا أمنيا إلى أنقرة للتنسيق في كيفية دعم المعارضة المسلحة، هذا التحرك الإسرائيلي رافقه تحرك ايضا للدول المتورطة في الازمة السورية والداعمة للمعارضة فقد أرسلت هي الأخرى وفودا إلى باريس للتنسيق في الخطوات القادمة. معركة سوريا هي معركة فاصلة اشبه ما تكون بمعركة السويس 1956. فما قبل السويس لم يكن كما كان بعده. انتهت هناك حقبة وبدأت حقبة جديدة أنتهى الاستعمار القديم وبدأ عصر التحرر واليوم وبعد أن تنجلي نتائج هذه المعركة التي بات مسرحها بلاد الشام ربما ستؤرخ لمرحلة جديدة، مرحلة ما بعد الأزمة السورية كتاريخ جديد للمنطقة ونهاية للاستعمار الجديد ولعصر الهيمنة الأميركية الصهيونية. هذه طبعا رؤية متفائلة يقابلها رؤية أخرى وهي أن النتائج وكيفما كانت ستدخلنا في عصر دول الطوائف وحلف الطوائف وحروب الطوائف ونتائجها ستكون كارثية في كل الأحوال.

في المدى القريب سنكتشف مدى صدق تمنياتنا قبل تحليلاتنا فنحن نحاول قراءة الوقائع ولكننا لسنا متنبئين.