ناصر الدين باكرية: نجومية أمير الشعراء تضر بعض الشعراء

انتماءات لعينيها فقط

علاقة الشاعر الجزائري ناصر الدين باكرية مع الشعر تمتد إلى سنوات الصغر، وقد طور هذه العلاقة إلى تجربة ناضجة تتمتع بصوفية شفافة على مستوى رؤيتها ولغتها ونسيجها، وقد تجلى ذلك في ديوانين مطبوعين، وقد توج بجائزة رئيس الجمهورية "علي معاشي" لتشجيع المبدعين الشباب في طبعتها لسنة 2009 عن ديوانه الشعري "انتماءات لعينيها فقط".

التقيناه في أبوظبي بينما يستعد لصعود مسرح شاطئ الراحة، باعتباره أحد المتنافسين بمسابقة "أمير الشعراء" في موسمها الخامس، المسابقة التي تنظمها هيئة السياحة والثقافة بأبوظبي، وكان هذا الحوار حول تجربته ورؤيته الشعرية.

حول بداية تجربته الشعرية ولادتها ومراحل تطورها، قال باكرية: "إن سؤال البداية من أصعب الأسئلة وأكثرها فداحة، لأنها تواجهنا بحقيقتنا الفادحة، وتُعيدنا سيرتنا الاولى، وليس أصعب وأكثر إحراجا من أن يتحدث شاعر عن نفسه، ولأنني سأجيبك باختصار مخل بالمعنى، بدايتي مع الشعر أزلية أبدية، وإذا صح لي الحديث عن تجربتي، فيمكنني اختصارها في مرحلة البدايات التي كانت بالعمود التقليدي، والتي أكاد أتبرأ منها الآن، والتي لم أنشر قصائدها الكثيرة، ولعلي في ديواني الأول انتماءات لعينيها فقط الذي صدر لي عام 2007، بدأت أشق طريقا أقرب ما يكون إلى بصمة تكاد تكون خاصة بقاموسها لانخرط بعدها في الإعلام الذي أخذني إلى عوالم أبعد ما تكون عن الشعر، وفتح لي أيضا نوافذ جديدة عن شعريات أخرى لذلك ربما جاءت اقتربت في ديواني الثاني مسميات الأشياء إلى ساحة التجريب الحقيقي، وكان مختلفا بشكل كبير عن الانتماءات، ثم تجربة في كأن المجاز المجاز والتي أعتز بها إلى أن أتجاوزها إلى تجربة أرجو أن تكون أعمق.

وأوضح باكرية "أكيد لكل شاعر جيد رؤيته الوجودية وفلسفته في الحياة التي من خلالها تجيء تحربته الشعرية، ولعل لحظتي الشعرية الحقيقية التي انطلق منها في كل الأحوال، وأنا أعني الأحوال الشبيهة بما يكابده المتصوفة، هي لحظة القلق واللايقين لحظة السؤال الجارح والتناقضات والشتات الداخلي لحظة الشعر.

ورأى أن مسابقة "أمير الشعراء" قدمت خدمة لا تنكر للشعراء لا للشعر العربي، إذ أدخلتهم عالم الشهرة، واختصرت سنوات وربما عقود لإسماع الشاعر صوته لجماهيريتها العالية، ولقيامها على استرايجية واضحة ودقيقة في التسويق، حيث أعادت للشعراء بريقهم وأعادتهم إلى قيد الحضور، وهي كتجربة تلفزيونية لا تضاهيها تجربة أخرى، رغم أنها قد تكون أيضا سلاحا ذا حدين على الشعراء، فبقدر ما تعطي من نجومية وبريق بقدر ما تأخذ من ضرائب مرتبطة بالشهرة التي إذا لم يتنبه لها الشعراء ستسهم لا شك في توقفهم عن تطوير أدواتهم وتجاربهم.

وأكد باكرية أن الشعر عموما والقصيدة الكلاسيكية بوجه خاص لم يعد لها ذلك البريق الذي كان لأسباب ذاتية وموضوعية، فموضوعيا نحن نعرف أن الشعر كان يقوم بوظائف متعددة، حيث كان وسيلة الترفيه الوحيدة ووسيلة الإخبار وكان يقوم بوظيفة ترفيهية ووظائف أخرى عديدة لم تعد من صلاحياته، إذ توزع دم الشعر على قبائل الأجناس الأدبية وغير الأدبية أيضا، ولا أظن عاقلا يعتقد أن أي قصيدة مهما بلعت حدود الدهشة أن تضاهي فيلما كوميديا ترفيها، ومهما بلغت حدود الجماهيرية أن تعبئ وتجيش كما يفعل تقرير مصور على قناة الجزيرة و الأمثلة لا تحصى.

وأضاف "الشعر باعتباره طاقة تخييلية بإمكان الشاعر الذي يملك موهبة وذكاء شعريا أن يبدع بتلك الطاقة في شتى مجالات الحياة، وأن يُزامن عصره ويواكب تطوراته وإلا فسينقرض الشعر والشعراء إذا لم يتنبهوا إلى أن العصر يجري بوتيرة أسرع من أحلامهم الوئيدة، ولا أعتقد أن الذائقة المعاصرة وطبيعة الحياة والوتيرة السريعة التي تجري بها الحياة المعاصرة تتسع للقصيدة الكلاسيكية خاصة الطويلة في زمن الفايسبوك وتويتر. زمن الغريد المقتضب العميق.

وأشار باكرية إلى أنه لم تعد هناك شعرية واحدة، وقال: "هناك شعريات متعددة، شعرية السينما وشعرية المسرح وشعرية الإعلام وشعرية النثر وشعرية الحياة بأكملها، لذلك الآن الدراسات النقدية المعاصرة لم تعد تبحث عن غير الشعرية ذاتها بغض النظر عن الأشكال، فالعالم الآن يشهد انهيارا فظيعا للحدود، وعولمة تتسرب في كل شيء بداية من تحول العالم إلى قرية صغيرة الى ذوبان الحدود وتلاشيها بين الاجناس الادبية وحتى غير الأدبية، لذلك أصبح الحديث عن شكل القصيدة متجاوزا وغير ذي جدوى.

وأكد أن أزمة الشعر العربي هي ذاتها أزمة الإنسان العربي، هي ما تقدم في حديثنا من ضرورة مواكبة ما يحدث في العالم، وهي العولمة التي طالت كل شيء حتى الأجناس الأدبية، أزمته هي أيضا الطبيعة الاقصائية والالغائية في الإنسان العربي الذي لا يعترف بالآخر، والتطرف يمينا ويسارا، فمن السخيف أننا لا نزال نتحدث عن شرعية قصيدة النثر، وأن فينا من لا يزال يتعصب لعمود الشعر بطريقة مقرفة، ومن يعتبر الحداثة في التفعيلة والنثر بتطرف ليس أقل سوءا من تطرف المدافعين عن الرواية باعتبارها ديوان العصر، إننا كما قال القصيمي لا نزال ظاهرة صوتية بامتياز.

ولفت باكرية إلى أن علاقة النقد بالشعر علاقة بعدية وليس قبلية ولاعلاقة مرافقة، ونخطئ ونتعسف في مكالبة النقد بمواكبة الشعر، الشعر محلق دائما في عوالم لا يصلها النقد إلا متأخرا، وقد لا يصلها أبدا، المثال الفادح على ذلك ان الدراسات النقدية المعاصرة بدأت تكتشف الجمالية الحقيقية في كتابات المتصوفة بعد قرون من تغييب هذه التجربة.