ياسوجيرو أوزو: ملك التثبيت

جماليات اللقطة الثابتة

لا أعرف من رغب في تبديل قواعد النحو السينمائي، وعمل طيلة حياته مخلصاً لهذا الهدف، أكثر من المخرج الياباني الكبير ياسوجيرو أوزو (طوكيو: 12 ديسمبر/كانون الأول 1903- طوكيو: 12 ديسمبر/كانون الأول 1963)، الذي أصر على أسلبة أفلامه مؤمناً بقيم الثبات، والتكرار، والبساطة (وليست الضحالة، ولا الفقر البصري)، وظل هذا الإيمان ثابتاً لا يتزعزع طوال رحلة عمله التي بلغت 35 عاماً، أنجز خلالها 35 فيلماً روائياً طويلاً.

خلال حياته المهنية بطولها وعرضها، لم يصور أوزو إلا بعدسة مقاس 50 مم فقط، هذه ليست مبالغة، إنها تأكيد حرفي، لا توجد لقطة واحدة في أيّ من أفلام أوزو إلا وتم التقاطها بعدسة الـ 50؛ لم يكن أوزو يرى العالم إلا بالـ 50 (أقرب العدسات لحجم الرؤية لعين الإنسان)، وظل مصراً على الاقتصار على استخدام الـ 50 حتى بعد دخول الصوت، وحتى بعد دخول الألوان.

لا يقتصر الأمر على تثبت حجم الرؤية، لإن الرجل أصر كذلك على تثبيت المنظور ووجهة النظر، فقد ظل طيلة حياته المهنية - والتأكيد هنا حرفي أيضاً - يستخدم حاملين فقط للكاميرا: حامل مقاس 30 سم للقطات البعيدة، وحامل مقاس 90 سم للقريبة، وهو ما يجعلك تشعر دائماً في أفلامه بأن وجهة نظر الكاميرا (أي وجهة نظر المُشاهد) هي ما يطلق عليه السينمائيون "وجهة نظر الدودة" (أي حين يكون ارتفاع الكاميرا أقرب ما يكون إلى سطح الأرض)، وهو الأمر الذي يعطي - من ناحية التفسير الكلاسيكي - أهمية مضاعفة للشخصيات المُصوَّرة، وكأن المشاهد جالس القرفصاء على الأرض، في جلسة تقليدية يابانية لشرب الشاي في المنزل؛ جلسة تأملية، جلسة صامتة، يلاحظ فيها ويراقب ويتأمل للوصول إلى المعنى من خلال البساطة الصارمة.

"أجرومية الثبات" هذه، إن جاز أن نطلق هذا التعبير على طريقة أوزو التقنية، شملت أيضاً تحريم تحريك الكاميرا تحريماً مطلقاً؛ فالكاميرا عند أوزو ثابتة ثباتاً مقدساً، لا تتحرك ولا أهون حركة، ولا حتى على الحامل الثابت، ليس هناك لا بان (يمين-يسار)، ولا تلت (أعلى- أسفل)، ولا ترافيلنج (وضع الكاميرا على عربة متحركة) مطلقاً في سينما أوزو، هناك إرادة جبارة ستصر خلال 35 عاماً من العمل السينمائي على جماليات اللقطة الثابتة، جماليات الفوتوغرافيا.

حرص أوزو على جماليات اللقطة الثابتة، جعله ينفق وقتاً طويلاً جداً في ضبط كادر كل لقطة، وبعد اقتناعه النهائي بحدود الكادر الخارجية، وتكوينات عناصره الداخلية، وعلاقات الكتلة والفراغ، وتوزيعات الظل والنور، كان لا يسمح بأي تعديل مهما كان، ولا لأي سبب كان، على ما استقر عليه وأطمأن له، للدرجة التى كان العاملون معه يحرصون على الابتعاد أكبر قدر ممكن عن الكاميرا بعد ضبطها، خوفاً من أن يتسبب أحدهم خطأ في تحريك الكاميرا أو الاصطدام بها، ومن ثم تعريض نفسه لغضب "الملك"؛ هكذا كانوا يطلقون على أوزو في الاستديو.

بالمناسبة، أوزو لا يخرج من الاستديو مطلقاً للتصوير الخارجي، فقط باستثناء حالة وحيدة؛ عندما يكون لديه تصوير لقطار في الفيلم (وأفلام أوزو دائماً ما تحوي لقطة لقطار)، وكان قد حاول المستحيل أن يصمم نماذج مصغرة لقطارات داخل الاستديو، إلا أن النتيجة النهائية على الشاشة بعد الاختبارات لم تقنعه، فكسر حالة تحريم التصوير خارج الاستديو للضرورة مستثنياً تصوير القطارات، والقطارات فقط.

"أجرومية الثبات" عند أوزو تشمل أيضاً البشر، فطاقم ممثليه وممثلاته ثابت لا يتغير، والتقنيون الذي يعملون معه لا يتبدلون إلا بالموت، وعندما توفي مدير تصويره الذي عمل معه لعقدين من الزمن، اضطر أوزو إلى تكليف مساعد المتوفي بأن يحل محل أستاذه في العمل، ومن الطريف أن الممثل الذي كان يقوم بشخصية الأب العجوز قد بدأ لعب هذا الدور عندما كان في أواخر العشرينات من عمره في أفلام أوزو الأولى، واستمر يلعب نفس الدور حتى أصبح عمره وعمر الشخصية واحد.

تمتد "أجرومية الثبات" في عالم أوزو أيضاً إلى الموضوعات، والموتيفات، والديكورات، فكل أفلام أوزو هي تنويعات - ليست مختلفة كثيراً - لثيمة واحدة هي: "علاقة الآباء بالأبناء في شدها وجذبها"؛ محاولات الابناء للاستقلال عن سلطة الآباء، وخيبات أمل الآباء في أبنائهم نتيجة لذلك، وسيكون علينا أن نحبط القارئ الذي يتوقع أن يكون هذا الموضوع الأثير والوحيد لدى أوزو يمثل هماً لديه نتيجة تجربة إنسانية خاصة به في حياته الشخصية، بأن نقول أن هذا الموضوع في الحقيقة لا علاقة له بأوزو على الإطلاق، على النحو الذي يمكن معه القول بأن أوزو قد اختار أبعد موضوع ممكن عن حياته الشخصية ليعبر عنه في جميع أفلامه.

فمن شبه المستحيل أن تعثر على علاقات متوازية بين أفلام أوزو وبين حياته الشخصية؛ فالجامعة، والدواوين، والحياة الزوجية على سبيل المثال – وهي موتيفات ثابتة في كل أفلامه - هي أشياء لم يخبرها أوزو بنفسه في حياته، ومن ناحية أخرى فإن الأشياء الحقيقية التي خبرها في الحياة – حياة الجيش والجندية والحروب التي عاشها لفترة طويلة من حياته - لا تظهر أبداً في أي من أفلامه، ولا حتى حياته في الريف مع أمه التي لازمها طيلة حياته.

أوزو أثناء التصوير

وهو ما يجعلنا نستنتج بأن أوزو كان يفهم السينما على أنها نوع من الفن يختلف كثيراً عما يفهمه أنصار "تيار الوعي" مثلاً؛ فخياله وإلهامه لا يعملان إلا من خارج حياته الشخصية، لا يعملان إلا من خلال عقله وتأملاته، لا حياته الشخصية، وهو ما يجعل أفلامه قطع فنية بعيدة عن الواقعية الاجتماعية حتى وإن كانت موضوعاتها تتلامس مع بعض موضوعات الواقعية الجديدة؛ إن سينما إوزو هي في الحقيقة شيء ما أكبر من الواقع.

"أجرومية الثبات" تشمل أيضاً الاقتراف المستمر والمتعمد لأحد المحرمات في السينما الكلاسيكية؛ ألا وهو ما يسميه السينمائيون (كسر الآكس): أي انتهاك حرمة قاعدة (الحفاظ على أن تظل الكاميرا في محيط 180 درجة لا تغادرها)، لأن الخروج عن هذه الحدود يؤدي إلى ارتباكات لدى المشاهد فيما يتعلق بالاتجاهات (يمين - يسار)، فالممثل الذي يكون في يمين الكادر، ينتقل بقدرة قادر، ليصبح في يسار الكادر في اللقطة التالية إذا لم يتم الحفاظ على قاعدة الـ 180 درجة؛ التي تحافظ على زوايا اللقطات ضمن قطر نصف دائرة، يتوحد فيها المنظور، واتجاهات الحركة، والعلاقات النسبية بين الموضوعات.

لكن أوزو كان أول من ينتهك هذه الحرمة بوعي وثبات وتصميم، رغم أنه كان مغرماً بسينما هوليوود ويحرص على مشاهدتها باستمرار، لكنك لن تجد فيلماً لأوزو إلا والكاميرا تتحرك فيه بحرية (وعن وعي وتصميم) كاسرة حاجز الـ 180 درجة من لقطة لأخرى، فتتبدل أوضاع الممثلين بالنسبة للمشاهد، وبالنسبة لبعضهم البعض، من اليمين إلى اليسار، وبالعكس، طوال الفيلم.

إن هذا الإصرار الواعي على كسر "وحدة الرؤية"، والذي يُعرض صاحبه لاستخفاف واستهزاء من زملائه السينمائيين – خصوصاً وأنه كان غير مسبوق -، لابد وأن يكون له أساس ما فلسفي في رؤية الرجل للعالم.

فربما لم يكن العالم بالنسبة له بالتماسك والتوحد الذي نظنه نحن، ربما كان يرى العالم "مكسور الآكس"، ويرى أن العلاقات بين البشر لا تخضع لقوانين المنطق، ووجهات النظر للعالم وللبشر لا ينبغي أن تكون ذات اتجاه واحد.

من الخصائص المميزة أيضاً لسينما أوزو، خصيصة في منتهى الغرابة، ووجه الغرابة ليس في طبيعتها فقط بقدر ما في توقيت ابتكارها؛ أن يتم ابتكار واستخدام هذا الأسلوب الغير معتاد في الدراما الكلاسيكة، ومنذ أوائل الثلاثينيات من القرن الماضي! شيء مدهش في الحقيقة.

هذه التقنية الدرامية يمكننا أن نطلق عليها "تجاوز الحدث بعد منحه أهمية حوارية"، ويمكن شرحها ببساطة في أنه من المعتاد في سينما أوزو أن يتحدث شخصان حديثاً طويلاً مفصلاً عن استعدادهما – مثلاً - للذهاب لمحطة القطار لاستقبال ضيف سيصل بعد قليل، ثم نفاجئ في المشهد التالي بالضيف في بيتهما يجلس ويتحدث إليهما، ودون أن نشاهد لا وصوله بالقطار، ولا استقبال المضيفين له في المحطة، ولا رحلة عودتهم جميعاً إلى البيت، كل ذلك يتم تجاوزه عن عمد، يتم حذفه من الدراما، وكأنه غير مهم عند أوزو، لأنه غير حيوي، وننتقل فوراً إلى ما هو حيوي؛ أي جلوس الضيف إلى مضيفيه في البيت مباشرة.

وهو ما يعني أن أوزو كان يعمل ضد تكوين حبكة قوية للقصة الفيلمية – كما هو الحال في هوليوود الكلاسيكية - في مقابل ابتكاره لأسلوب تراكم سلسلة من اللحظات الإنسانية التي تبدو متشظية وغير مترابطة ترابطاً متتابعاً مع بعضها البعض.

فعلى عكس ما كانت تحرص عليه هوليوود، فقد طور في فترة مبكرة من حياته ما يمكن لنا أن نطلق عليه "تشظية الحبكة"، وبرع فيها وأتقنها في أفلامه الأخيرة خاصة؛ فأحد أروع أفلام أوزو مثلاً (الصيف المبكر، 1951) هو فيلم – ككل أفلامه - عن أشخاص عاديين، ويبدو لنا من الوهلة الأولى أن بطلته هي الشابة التي تتمرد على رغبات أهلها وتختار لنفسها بنفسها من ترغبه زوجاً لها، إلا أن هذه الحبكة سرعان ما يتماس معها شيئاً فشيئاً قصص أخرى لتصل في النهاية إلى استعراض حيوات 19 شخصية، وهو أسلوب طالما مارسه أوزو بتوسيع حدود الحبكة الأولية البسطية مستخدماً أسلوب الحذف الروائي، ليصبح ما يقود الفيلم من أوله لآخره ليس هو الحبكة بل استخدام أوزو للمكان والزمان والتغيير المستمر في إيقاع أحداث الفيلم.

إنه أسلوب يشبه طريقة الجزار في تشفية اللحم، أسلوب من يراقب الزمن، ولكنه مراقب مرهق، مسترخي، محبط، يقترب من الموت كبطل ملحمي، واقترابه هذا من الموت يجعله يلمس ويكتشف كل الأوجه الأكثر حيوية في الحياة، ويستجيب على نحو نقي لجمال الطبيعة، ولمؤقتية الحياة، ولأسى انتظار الموت، وهو في المجمل تطوير لأسلوب الحساسية تجاه الأشياء على الطريقة اليابانية؛ أي الأحساس بالعامل الموضوعي الخارجي بطريقة مباشرة وبدون وسيط (كوسيط اللغة مثلاً)، كمثل تلقي أشعة الشمس مباشرة على الوجه.

ثبات الكاميرا، والعوامل البصرية الأخرى، والشخصيات، هذا الإصرار على "اللا حركة" ومحاكاة تصلب الموت، هو ما يمكن ربطه بمقولة لأوزو عن أن: "الحياة لا تقدم شيئاً حقيقياً للإنسان."

من المهم هنا أن نسترجع مقولة أخرى لأوزو توضح فلسفته في الحياة والفن، والمقولة كانت بخصوص فيلمه الأطول (الربيع المبكر، 1956)، قال: "أردت هنا أن أرسم صورة لرجل في وظيفة مرموقة، تعلم وتخرج من الجامعة، ثم أصبح عضواً فاعلاً في المجتمع، وحاز على وظيفة جيدة، لكن سعادته تتبخر وتتلاشى تدريجياً، ويدرك في النهاية أنه بالرغم من أنه قد عمل بجد لسنين طويلة، إلا أنه في الحقيقة لم يحقق شيئاً".

قصة طوكيو

ومن الغريب أنه في أثناء خدمته العسكرية أثناء احتلال الجيش الياباني للصين، طلب أوزو من أحد الرهبان الصينيين أن يرسم له الحرف الصيني الذي يرمز إلى "اللاشيء" (أو الفراغ أو العدم: Mu)، وقد توفي أوزو في يوم عيد ميلاده الستين بعد معاناة قاسية مع السرطان، وعلى شاهد قبره في معبد إنجاكو هناك الحرف (Mu) الذي رسمه له الراهب الصيني، والذي احتفظ أوزو به طيلة حياته.

الملاحظ في كل سينما أوزو كذلك، هو تركيزه على الفراغ والعدم الذي يعقب حركة الشخصيات - وهو ما يتم حذفه في أي مونتاج لفيلم كلاسيكي، لأنه زائد عن الحاجة ولا معنى درامي له -، وكأن ما هو مهم بالنسبة لأوزو ليست هي الأحداث وإنما الفراغ الذي بينها أو الذي يعقبها، وكأن الحدث الحقيقي والأكبر عنده يحدث عندما لا يحدث شيء؛ إنه العدم واللاجدوى، إنه الزمن في قوته واستبداده ودائريته وامتداده.

امتدادات الزمن ملحوظة مثلاً في لقطات الردهات الخاوية التي يترك أوزو الكاميرا تصورها حتى بعد عبور الشخصيات لها، فاللحظات التي تبقاها الردهة خالية بعد العبور تؤكد على معنى الفراغ الحاضر من ناحية، وتمنحه ثقلاً هائلاً من ناحية أخرى، وهو ما يماثل وجهة نظر أوزو عن العالم، الذي هو مكان لحضور واختفاء الإنسان، مكان لاستخدام الإنسان للأدوات، والإعجاب بها، أو تجاهلها، لكن ما يبقى في الحقيقة هو الفراغ، وكأن العنصر الغائب عند الآخرين هو البطل الحاضر والدائم عند أوزو؛ الفراغ الذي تعبره الكائنات، والمليء بالإمكانيات والآمال الزائفة، والذي يتم شغله ثم هجره، إنه العالم كمكان ترانزيت يتم عبوره، ويتم العبور من خلال العتبة، العتبة الدائمة، عتبة الفراغ؛ ولا يملك المرء هنا إلا أن يتذكر الأهمية الكبرى التي كان يمنحها دوستويفسكي في أدبه للعتبات هو أيضاً، للدرجة التي يمكن معها وصف أدبه بأنه "أدب العتبات".

طريقة المحادثات بين الشخصيات عند أوزو هي طريقة لا يتراكم معها المعنى، بل تبدو وكأنها بلا معنى، محادثات زائفة وكأن الأشخاص يقتاتون الكلمات ولا يعنونها، ومن ناحية مناقضة، فإنه عند الوصول إلى حالة من التفاهم أو الحل أو التوافق، لا يتم التعبير عن ذلك بالحوار أو الكلام، بل بالصمت فقط، مثلما تصمت الأم في نهاية فيلم (زهرة الربيع، 1958) عندما يصل الأب وابنته إلى حالة من التوافق.

إن الصمت عند أوزو يشكل في الحقيقة أساس العلاقات الحقيقية بين الشخصيات، وأفلامه كلها يستهلكها الصمت ويلتهمها بثبات مشاهدها، وتشكيلية كادراتها المعزولة، والتركيز على الفراغ الأبدي، وتتشكل جمالياتها وحركتها وتعبيريتها من الغياب والسكون والفضاءات الخالية.

أوزو في الحقيقة يبدو وكأنه يطبق ما سينصح به تاركوفسكي ممثليه لاحقاً بأن يعملوا على الإخفاء أكثر من العمل على الإظهار، بأن يتعاملوا مع ما يحملونه على أنه سر لا ينبغي البوح به، وهو عكس أسلوب كوميديات وميلودرامات هوليوود في تلك الفترة.

قال أوزو ذات مرة: "الأفلام التي لها حبكة واضحة تضجرني، وأشعر أن الفيلم لا يكون جيداً إذا كان به قدر كبير من الدراما"، ولذلك فالأحداث الدرامية في سينما أوزو ليس لها ثقلاً كبيراً، ولا هي من النوع الساخن، إنها لا تعرض سوى شخصيات تقوم بأفعال يومية روتينية معتادة معادة؛ تناول الطعام، محادثات في شؤون يومية صغيرة فيما بينها، المشي في غرف البيت، تناول الكحوليات، اجتماعات العزاء، اجتماعات الأصدقاء القدامى.

إن أوزو معني بالوجود اليومي في هشاشته، وتشظيه، ولا جدواه، ولا تراكميته، ودائريته، وعودته الدائمة، وهذا الأسلوب من التشظي يجعلنا نرى العالم من حولنا بنظرة أكثر نقاءً وصفاءً، بعيداً عن أن يتم تشتيت انتباهنا بأوهام التراكمية والأهداف الزائفة والسعي المحموم، إنها محاولة لتسجيل الزمن في نقائه؛ شرائح من الزمن النقي.

ومن المثير مقارنة شخصيات أوزو الكبيرة في السن بشخصيات موظفي الدواوين ورجال السلطة عند كافكا، والذين يظهرون فعلاً عند أوزو وكأنهم موظفين قد اعتزلوا وتقاعدوا واستسلموا لتأمل الحياة.

ومن المثير كذلك ملاحظة تكرار فصول السنة كعنواين محببة لدى أوزو، والذي كان يؤمن بدورات الحياة وبالعود الدائم، وهو ما يؤكده بأسماء أفلامه: (الربيع المتأخر، الخريف المبكر، نهاية الصيف، الربيع المبكر، الصيف المبكر، بعد ظهيرة يوم خريفي، الخريف المتأخر ... إلخ)، فهي جميعاً فصول تعود، لكنها لا تخرج عن كونها أربع حالات لا أكثر، كعناصر الطبيعة الأربعة؛ الأبطال الحقيقيون في كل أفلام تاركوفسكي لاحقاً.

لا أظن أن أحداً من سينمائيي العالم قد شاهد أعمال أوزو دون أن يتأثر بها، فتأثيراته تمتد لتشمل الجميع، و"أجرومية الثبات والتكرار" لن يسلم منها أحد، وإن ظهرت تأثيراته أوضح ما تظهر في أعمال تار بيلا المجري، وآكي كورسماكي الفنلندي، وتساي منج ليانج التايواني: تثبيت طاقم الممثلين، وتكرار الموضوعات، وتصلب السينما الذي يشبه أن يكون تصلب الموت، دون أن يعني ذلك فقراً بصرياً في جماليات الصورة، بل على العكس تماماً.

لكن المدهش، أن يمتد أيضاً تأثير أسلوب "الثبات والتكرار" شديد الفنية لأوزو إلى مجال آخر بعيد تماماً، مجال استهلاكي يوفر للزبون سلعاً رخيصة لها مظهر براق تُحفزه على الاستهلاك بلا انقطاع؛ ألا وهو صناعة أفلام البورنو اليابانية، والتي أصبحت الآن تطبق "أجرومية الثبات والتكرار" لأوزو؛ من حيث تثبيت الديكورات وأماكن التصوير، وزوايا التصوير، وتثبيت نفس الأوضاع التي تتكرر من فيلم لآخر، بل وبنفس الترتيب، وتكرار نفس الموضوعات والمواقف.

والمدهش أن الزبون الياباني لا يكف أبداً عن شراء أفلام البورنو المحلية، رغم هذا التكرار الذي يكاد أن يكون نسخاً عديدة من نفس الفيلم الواحد، بل إن شهيته تتصاعد أكثر فأكثر للشراء، وكأن هذا "الثبات والتكرار" لكل العناصر البصرية في أفلام البورنو، قد منح أهمية لا نهائية، أهمية استبدادية، للعنصر الوحيد المتغير في كل هذا الخضم من الثبات: "وجوه" العارضات، وكأن العنصر الوحيد اللا - إيروتيكي في هذه الأفلام، قد حوله ثبات وتكرار العناصر الإيروتيكية الأخرى، فأصبح أهم عنصر إيروتيكي على الإطلاق؛ العنصر الوحيد الذي يشتري الزبون أفلام البورنو اليابانية بسببه.

محمد الفقي ـ كاتب وسيناريست من مصر

m.a.elfeki@gmail.com