عينٌ على الرماد.. قلبٌ على الوطن .. في معرض 'فالح خيبر'

بشاعة اللقطة الفوتوغراقية ، انتصار للجمال

بغداد ـ حين يرجع بعقله الباطن، ليستذكر كيف نما، حبه للكاميرا، وهو بعمر يافع، تتدافع الصور في ذهنه، ولا يستطيع الإجابة بدقة، وعلى مدى ربع قرن من الصداقة والزمالة مع الفوتغرافي اللامع "فالح خيبر" لم استطع، ان اسحب خيط هذا الوله العجيب للكاميرا، ليحدثني بشئ من الوضوح عن تلك المحبوبة، ودائما ما اسقط في فخ كلمة واحدة يكررها امامي هذا الميساني العذب: "في مدينة العمارة ، حيث ولدتُ في عام 1954، سحرني مشهد، رجل في احد الأزقة القريبة منا، كان يقف خلف صندوق خشبي، متكئ على مساند ثلاثة، تلفه قطعة قماش اسود، يدخل رأسه من خلالها الى هذا الصندوق، ثم يسحب بيده غطاء كارتونياً من عدسة مثبتة في واجهة الصندوق، ليخرجه بعد لحظات، ثم يسحب ورقة بيضاء ملساء، يضعها في مربع معدني فيه، ماء، لتخرج بعد ذلك، على شكل مربعات فيها صور عديدة، لشخص جالس امام هذا الصندوق. هذا الصندوق ظل هاجسي، ومبتغاي، وطالما راودني في الحلم، فأفزّ رعباً. لقد كنتُ اظنه شيطاناً، لكنه شيطان، اغراني بمرور الوقت، لأعشقه، حتى انتقال اسرتي الى العاصمة، وفي بغداد، تقربتُ اكثر، وأكثر من هذا العشق الطفولي، ليصبح هذا الشيطان، سلوتي ومهنتي"!

وتتفتح، عينا هذا الشاب، في بغداد، وتتجول بين اروقة الحياة وأوحى الشيطان الذي تلبس فالح خيبر، في اقتناص للقطات فوتغرافية، أثارت انتباه من اطلع عليها.

والصحافة، دائما تبحث عن المبدعين، من المصورين، فالصورة احدى اهم اركان الفن الصحفي، وها هو واحد من هؤلاء، فتدعوه وزارة الاعلام في العراق للعمل مصورا في مجلاتها وصحفها خلال الاعوام 1979 لغاية 1991، وتبرز موهبته في التصوير، لاسيما مباريات كرة القدم، ليسجل حضورا لافتاً، في توثيق لقطات مهمة، في بطولات الخليج العربي وكأس آسيا في ماليزيا، وغيرها من الفعاليات.

• مصور عالمي

ويستمر فالح في درب النجاح المهني، ولم يدر، أن هناك كان من يراقب ابداعاته من مؤسسات اعلامية، عالمية، حتى جاءه ممثل وكالة "رويترز" ليعرض عليه، عملاً ضمن كادر الوكالة الدولية، ولم يجعل الفرصة تفوته، فوقع مع هذا المؤسسة الاعلامية العملاقة، عقدا استمر 15 عاما، بدأ في العام 1991 وانتهى في 2006.

وكانت ثمرة، هذه الخبرة العالمية الطويلة، آلاف الصور التي توثق قضايا دولية ومحلية عديدة، وقد اختار "فالح خيبر" 50 عملاً من حصيلته، ليضمها في معرض أسماه (رماد الحرب) رعته الجمعية العراقية للتصوير، وافتتحه نقيب الصحفيين في مبناها، وسط فعالية جميلة، حضرها مصورون وصحفيون وادباء، وبعد ذلك نُقل الى شارع المتنبي، حيث اطلع عليه مئات من المثقفين والجمهور.

وقد رافق المعرض، إصدار كتاب، بطباعة راقية، ضم مختارات من صور المعرض، قدم له الكاتبان: زيد الحلي ود. طه جزاع، بكلمتين بيّنا فيها رؤيتهما للمبدع فالح خيبر، حيث قال الحلي: (اللحظة الشاردة، لا تقتنصها إلا عين نسر، والمصور الحقيقي، هو من يمتلك تلك العين، وقد لمستُ عند الفنان الفوتوغرافي الصديق فالح خيبر، في مسيرته الاعلامية الممتدة منذ منتصف سبعينيات القرن المنصرم وحتى الان، جنوحاً نحو التفرد والابداع، في عمله الصحفي، مصوراً حاذقاً، فنالت لقطاته اعجاب الصحفيين العاملين معه، فكانت تُنشر في مكان متميز في صحفهم، دلالة على تجذر دلالاتها، وعمق تعبيرها، وخصائص ابعادها.

وليس غريباً، ان تتوجه انظار اشهر وكالة انباء عالمية هي "رويترز" الى فالح خيبر لتضمه الى كادرها، ليصبح مصورا عالميا، واشهد انني شاهدتُ الكثير من امهات صحف ومجلات العالم وعلى صفحاتها الاولى صورا له، موشحة باسمه العراقي الاصيل. وبذلك حقق العراق بابنه فالح، أملا في اضافة العراق الى قائمة فن التصوير العالمي.

لقد حقق في عمله في الوكالة العالمية العريقة، طموحا طال انتظاره، حيث التحق بدورات ذات ثقل نوعي وتراكم خبرات دولية، تمثلت بأساطين فن التصوير المعروفين دوليا، فتزاوجت تجربته المهنية مع الخبرات العالمية، وقد نال على اثرها جوائز وشهادات، واثمرت تلك الاجواء الاكاديمية في شد أزر طموح فالح، فخرج بتجربة اعلامية ثرة، لا زلنا ننهل من عصارتها الشهد والألق والابداع.

ومن مزاملتي للصديق فالح، تيقنتُ ان مركز حس التصوير عنده، هو الضمير، المرتكز على الحرية والمعرفة، وهو لذلك يسعى الى تحقيق الخير والجمال، وعنده ان من لا يحمل ضميرا حيا، لا يمكن ان يقدم فنا راقيا، مهما كانت اداة التعبير عنده راقية، بل انه يعتير ذلك حالة مرضية لفن التصوير لأنها ترتكز على الشكل لا على الجوهر، وقد لاحظت في العديد من لقطات الصديق فالح مشاهد انسانية بشعة، تمجها النفوس، لكنه في نجاحه في تصوير تلك المشاهد، تمكن بامتياز في جعلها مادة مضادة للبشاعة، انتصارا للجمال. إن ضمير فالح خيبر هو ينبوع ابداعه.

وهذا المعرض، الذي تكتحل به عيوننا الآن، هو صفحة، من صفحات ابداع عدسة فالح خيبر، وهي عدسة تلوي ذراع اللقطة، وتجعلها لينة، ومطواعة، وهذه احدى سمات المصور الذكي، فكلنا لنا عيون تشاهد المناظر والاحداث، لكننا لا نمتلك عينا بمثل عدسة مصورنا النابه فالح خيبر. إنه معرض عالمي بأرض عراقية .. تحياتي للمبدع فالح خيبر".

• عدسة ذكية

اما د. طه جزاع، فقال: "في هذا المعرض الذي جاء بعد عشر سنوات يرصد فالح خيبر بعدسته الذكية، ورؤيته الفنية الناضجة، وتجربته الثرة الطويلة في الصورة الصحفية الخبرية، انعكاسات الحروب والنزاعات المسلحة، والاقتتال والعنف والتهجير والتهديد، على النفس البشرية التي سحقتها الاهوال وايام وساعات الفزع والخوف والهلع، لتنعكس آلاما واحزانا، ومعاناة قاسية في الوجوه المنكسرة والعيون التائهة التي تشكو، وتستنجد وتبعث للعالم اجمع رسالة مفادها: ها نحن البشر المسالمون الأبرياء ندفع دوما الثمن غاليا من دمائنا وارواحنا؟

ولأن فالح خيبر، يعرف تماما ان الجريمة كبيرة الى الحد الذي يصعب فيه معرفة عدد المجرمين، ولا جنسياتهم ولا شخوصهم، فإنه يعلم ان لا احد يعتذر من العراقيين، عن هذا الخراب والعذاب والقتل، ولأنه يعرف ايضا ان لا احد سيعتذر، فانه قام بجمع كل ادلة الادانة الجرمية، لعل التاريخ سيعتذر يوما، ولو بعد فوات الاوان؟

وفالح الذي افتقدناه في سنوات ما بعد الحرب على العراق واحتلاله، عاد مؤخرا ليقول: لم اكن بعيدا عنكم يوما، وها هي عدستي توثق رماد الحرب .. وقلبي على وطني".

اما فالح، فقال عن معرضه: تمثل الصور ما حدث بالفعل من مآسي الحرب وويلاتها وهي توثق ما تختزله الدقائق المملوءة معاناة، والتفاعل مع المغامرة وكنتُ افكر في لحظة الصورة كيف التقطها فأنسى كل شيء ماعدا توثيق الحدث وكيفية توثيقه، فالصورة هي الشاهد المؤثر في التاريخ ومن فلسفة الصورة، تتغير احداث التاريخ.

وهذا المعرض كما يقول خيبر، هو إهداء لأرواح الضحايا الذين سقطوا بنيران القوات الاميركية والعنف الدموي في الذكرى العاشرة للحرب، وأخص بالذكر منهم اصحاب الصورة والكلمة، ولكوني مصوراً صحفياً عاصر هذه الاحداث وفقدت عددا من زملائي في المهنة، نقدم لهم هذه الشهادة الفوتوغرافية، الرحمة لشهداء العراق.

بقى ان نعرف، ان فالح خيبر، فاز بجائزة افضل صورة لرويترز لتغطية الحرب عام 2003 واستلم الجائزة في احتفال اقيم في لندن، وحصل على شهادة تقدير في معرض صور الصحافة في هولندا، كما عمل ضمن فريق المصورين المحترفين الدوليين في اكاديمية (اسباير) في قطر لتغطية الألعاب الآسيوية التي أقيمت في الدوحة عام 2006.