مَن يفهم ايران؟

لم ينجح الايرانيون في تسويق نظامهم عالمياً. فذلك النظام الذي هو من أسوأ أنظمة الحكم في العالم، من جهة مزجه الاستبداد بالدين قاد ايران إلى الوضع الذي هو فيه: بلداً منبوذاً وشعوباً معزولة عن العالم. غير أن ذلك لا ينفي ان الايرانيين أنفسهم نجحوا في أن يخلقوا لبلدهم مكانة اقليمية لا يمكن في أية حال من الأحوال تجاهلها أو تخطيها.

فبالرغم من العداء الغربي المعلن لايران والذي يجسده نظام المقاطعة المفروض عليها منذ سنوات فان الغرب نفسه يدرك أن كل خططه في الشرق الأوسط لا يمكن تمريرها من غير الرضا الايراني. كان ذلك جلياً في حربي افغانستان والعراق.

لقد تعاونت ايران مع الغرب في تسهيل احتلال الدولتين المذكورتين فكان حصادها مزدوجاً: تخلصت أولا من نظامين معاديين لها، هما نظاما البعث في العراق وطالبان في افغانستان، واستطاعت ثانيا أن تبسط شيئاً من نفوذهما على البلدين، وبالأخص على العراق الذي يحكمه ومنذ ثماني سنوات حزب موال لايران ولولاية الفقيه، هو حزب الدعوة الذي سبق له أن تأسس في ايران على أيدي قادة ايرانيين وعراقيين.

ولان الغرب يدرك مدى الضرر الذي يمكن أن يحدثه استعداء ايران بمصالحه الضخمة في المحيط الاقليمي لايران فان مفاوضاته معها حول الملف النووي لن تنتهي بغضبه أو انجراره إلى اعلان حرب عليها، بالرغم من أن ايران لم تقدم خلال تلك المفاوضات التي بدأت منذ سنوات أي تنازل يشير إلى رغبتها في الاستجابة للمطالب الغربية.فايران النووية مقبلة لا محالة، ولا أحد في إمكانه أن يوقف تقدمها في اتجاه ذلك الهدف. هذا ما يقوله السياسيون الايرانيون صراحة، ومن غير لبس ولا مبالغة.

ولو تذكرنا كيف تعامل الغرب مع العراق في شأن ملف اسلحة الدمار الشامل الذي اتضح في ما بعد انه كان ملفا مزورا لأدركنا أنه (أي الغرب) يقيم لايران اعتبارا لو أقام ربعه للعراق لما تعرض ذلك البلد للدمار والخراب الشاملين.

ما يصلح هنا على الغرب من أوصاف يصلح أيضا على اسرائيل.

فاسرائيل التي أغارت على العراق عام 1981 وحطمت مفاعله النووي الذي بني باشراف فرنسي ولاغراض سلمية خالصة، كما كانت قد اغارت على الاراضي السورية مرات عديدة من غير سابق انذار تكتفي مرة تلو أخرى بالانذار والتهديد والوعيد بضرب ايران، من غير أن تجرؤ ولو مرة واحدة على أن تخدش الأجواء الايرانية بطائراتها.

وإذا ما كان التدخل الايراني في الشؤون الداخلية البحرينية سافرا، وقد سبقته عدة تصريحات رسمية واعلامية تنص صراحة على حق ايران لا في التدخل في شأن المملكة الخليجية حسب، بل وفي ضمها إلى أراضيها، وهنا علينا أن نتذكر أن ايران لا تزال تحتل جزرا اماراتية، كانت قد ضمتها إلى اراضيها بالقوة فان ردود الفعل الخليجية أولا والغربية ثانيا، لا ترقى إلى مستوى ما تفعله ايران وما تؤدي إليه أفعالها من اشاعة الاضطراب وروح الفتنة في بلد صغير ومسالم كالبحرين. فايران على سبيل المثال صارت تستعمل بعض الموانئ الخليجية تهرباً من مقاطعة الغرب لها.

في سياق كل هذه المعطيات وسواها يمكننا أن نفهم اضطرار الغرب متمثلاً بالولايات المتحدة للقبول بالحضور الايراني في مؤتمر جنيف 2 المخصص للبحث عن حل سياسي للحرب في سوريا، بالرغم من أن ايران كانت ولا تزال متورطة في تلك الحرب، سواء بشكل مباشر من خلال علاقتها الستراتيجية بالنظام أو بشكل غير مباشر من خلال مشاركة حزب الله في القتال المباشر إلى جانب القوات النظامية.

ولا مبالغة في القول إنه لو خير الغرب بين الحضور المصري والحضور الايراني في ذلك المؤتمر لاختار من غير تردد الحضور الثاني. فايران التي انتجت نظاماً سياسياً متخلفاً استطاعت أن تنجو ما عجز العرب مجتمعين عن انجازه: دولة قوية لا تتم المعادلات الإقليمية إلا بحضورها.