مرسي عبء على أردوغان... والعكس صحيح

ما تمكن رجب طيب أردوغان من إخفائه أكثر من عشر سنوات في تركيا، لم يتمكن محمد مرسي من التغطية عليه أقل من عام في مصر. من هنا ينشأ الرابط بين توترات متصاعدة في القاهرة واحتجاجات غير مسبوقة في اسطنبول. لغرابة الأمر قد يكون الرأي العام المصري هو أكثر المهتمين من خارج تركيا بما يُجرى في تركيا.

خلال أسابيع قليلة بعد بدء الفترة الرئاسية للدكتور محمد مرسي، أدركت قطاعات عريضة من المصريين ما الذي تنويه جماعة الإخوان لمجتمع متنوع يعيشون فيه منذ ألوف السنوات، وتحت شعار «التمكين» اتضح أن الرئيس الذي قدم نفسه انتخابيا بأنه سيكون «رئيسًا لكل المصريين»، لن يكون إلا «رئيسًا لأهله وعشيرته». يوما تلو آخر، وبسبب قرارات متتابعة وخطاب سياسي غير مستتر، تبين أن الجماعة تستخدم «منصب الرئيس» من أجل فرض مشروعها الثقافي الإقصائي على كل المصريين.

في المقابل كان رجب طيب أردوغان من الذكاء والحكمة بأن أجل تنفيذ مشروعه الأيديولوجي سنوات طويلة، تجاوز فيها عقبات مختلفة، وبما في ذلك خطة انقلاب عسكري كاد يطيح بحكمه في 2007، ومن ثم استطاع أن يقنع مختلف فئات المجتمع التركي بقبوله بعلمانية نظام الحكم، وأن هدفه الأهم هو تحقيق عملية تنموية اقتصادية ثبت بمضي الوقت أنها تحقق النجاح قُدمًا.

كان أردوغان ملتزما بمواصفات الديموقراطية الغربية، قال حين أعيد انتخابه في 2007 إنه سيدافع عن الحرية والعدالة والرفاه والديموقراطية للجميع، وأكد احترامه لمن لم يصوتوا له، في يوليو الماضي، وبينما الإخوان يحتفلون بنصر مرشحهم محمد مرسي، كان أن قال محمد البلتاجي أحد أبرز قيادات حزب الحرية والعدالة ـ الذراع السياسية لجماعة الإخوان ـ إن الـ 48.5% الذين لم يصوتوا لصالح مرسي ليسوا سوى أشباح.

بسرعة يحسد عليها، وقبل أن يكمل خمسة أشهر من حكمه، كانت مجموعة قرارات الرئيس مرسي وخطاباته وتحركات الجماعة قد أدت إلى شطر المجتمع المصري إلى نصفين. كلاهما يدافع عن هوية مختلفة وخصائص متناقضة لمصر. لقد تجسد هذا حين سارعت جماعة الإخوان وحلفاؤها لحشد المظاهرات التي تؤكد أن لديهم قوة تساندهم في وجه مظاهرات معارضيهم. في الأسبوع الماضي قال أردوغان إنه يمكنه أن يحشد الملايين من مؤيديه ردا على المظاهرات العارمة التي شهدتها عديد من المدن التركية ضده.

بعد سنوات من حكم وُصِف لفترة طويلة بأنه «رشيد»، أصبحت تركيا في صدارة الدول التي تتعدى على حرية الصحافة، وبعد أسابيع من بدء حكمه حاصر أنصار مرسي مدينة الإنتاج الإعلامي ولاحقوا الإعلاميين بالبلاغات والقضايا والتهديدات المختلفة.

وبينما كان أردوغان يطالب الحكم في مصر الالتزام بمبادئ العلمانية، لجأ في الآونة الأخيرة إلى مجموعة قوانين تتداخل مع حرية الأشخاص، ومنها الرقابة على سلوك المواطنين في الشوارع. في مصر لم تصدر هذه القوانين بعد، لكن الخطاب الإعلامي المتطرف يهدد الفنانين ويتهم الآخرين بازدراء الأديان، وهو اتهام حققت به سلطات القانون المصرية مع عديد من السياسيين والإعلاميين.

إن المشترك بين حالتي مصر وتركيا، هو أن المجتمعين يواجهان مشكلة هوية. الحكم في الحالتين يريد أن يفرض على المجتمع مشروعا ثقافيا بعينه، له أنصاره، لكن بقية المجتمع لا تقبل به وتعتقد أن هويتها يجب أن تبقى كما هي.

المختلف بين الاثنين أن حكم أردوغان ذهب نحو هذا بعد فترة أطول، وحكم مرسي لم يكن من الحكمة بحيث قرر أن ينفذ مخططه فورا، على مستويات ثقافية وسياسية واجتماعية وقانونية.

ويتفق المجتمعان على أنهما يمكن أن يذهبا إلى مواجهة مع الحكم لرفض مشروعه الأيديولوجي، سواء كان قد حقق إنجازا كما هو الحال في تركيا، أو يحقق فشلا كما هو الحال في مصر.

ودون أن يكون ذلك مخططا، فإن الحكم في مصر صار عبئا على الحكم في تركيا، والعكس صحيح. لا يقتصر الأمر على تشابه اسمي الحزبين الحاكمين في كلا البلدين، الحرية والعدالة في حالة إخوان مصر، والعدالة والتنمية في تركيا. بل يمتد إلى أن حكم مصر قدم حكم أردوغان في تركيا على أنه النموذج الذي يريد أن يصل إليه، وحكم أردوغان قدم نفسه في العامين الأخيرين باعتباره الراعي الإقليمي لأنظمة الحكم الجديدة في كل من تونس ومصر، وتداخل في أحداث التغيير في ليبيا والحرب الأهلية في سوريا. ومع تدهور الحالة الاقتصادية في مصر فإن تركيا أعلنت مرارا عن دعم اقتصادي وتمويلات أظهرتها مساندا قويا لحكم الإخوان في مصر، واعتبر معارضو حكم الإخوان أن أنقرة تقف بدورها مع تغيير هوية مصر.

لقد وصف أردوغان رئيس مصر على صفحته في «فيس بوك» بأنه «قدوة يجب على شباب الأمة أن يقتدوا به». وحين زار مصر في سبتمبر الماضي وصف ما يُجرى في مصر بأنه «صحوة تنتشر كالأمواج لتصل العالم». في المقابل لم تنقطع رحلات المسؤولين الإخوان إلى اسطنبول، لاسيما خيرت الشاطر القيادي الإخواني المعروف، وكان محمد مرسي ضيفا رئيسيا في مؤتمر حزب العدالة والتنمية الأخير.

هذا الترابط بين نوعين من الإخوان أكد تشابه المعاناة التي يواجهها المجتمعان في كل من مصر وتركيا، إذ تواجهان صراع هوية يمتد عمقه إلى عقود بعيدة، يعود ليتفجر الآن بعد أن كمن فترة من الوقت، وبغض النظر عن الفروق الجوهرية، وبين كل من مشروع أتاتورك في تركيا والمشروع الناصري في مصر، فإن كليهما رسخ في الوجدان قيمًا ثقافية صار لها مؤيدون ومرتبطون، لا يمكن تعديلها بين يوم وليلة. ويصر المدافعون عنها على مواجهة أي من يحاول أن يغيرها.

في الأسبوعين الماضيين تعاطف كثير من المصريين مع المظاهرات التركية ربما أكثر من تعاطف فئات كثيرة من الأتراك معها، ويعود سبب ذلك إلى أن هؤلاء يريدون أن يروا هزيمة سياسية للنموذج الذي يقدمه الإخوان على أنه صورة ما سوف تكون عليه مصر إذا ما نجحوا. وليس لدى أغلب المهتمين المصريين أي معلومات بشأن مطالبات الأقلية العلوية في تركيا، أو مبررات احتدام الصراع بين المؤيدين للأتاتوركية في مواجهة المشروع الأردوغاني، لكن لديهم شغف بأن يتم إحباط المناصرين للإخوان الذين اندفعوا بدورهم للدفاع في مصر عن هذا المشروع. في الوقت ذاته، قدم حكم الإخوان ومشكلاته في مصر نموذجا للرأي العام التركي لما يساند حزب الحرية والعدالة الحاكم في الدول المجاورة، ما رسخ انطباعا بنوعية التحول الذي طرأ على حكم أردوغان.

بينما تتصاعد احتجاجات تركيا التي لا يمكن توقع أفقها السياسي، فإن جماعات احتجاجية في مصر تحشد لمظاهرات واسعة النطاق في جميع أنحاء مصر يوم 30 يونيو الجاري تطالب بسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي، بمناسبة اكتمال عام على وجوده في الحكم. وفي حين تمثل الاحتجاجات التركية ما يشبه «كارت أصفر» فإن الاحتجاجات المصرية قد تكون «كارت أحمر» للرئيس مرسي.