تكاليف باهظة لا تقاس بالمال مع غلاء الغذاء

غذاء ثمين

نيروبي - عندما ترتفع أسعار المواد الغذائية، يضطر الفقراء في الدول النامية ليس إلى تغيير وجباتهم الغذائية أو الحد منها فحسب، بل إنهم ينخرطون على الأرجح في مهن أكثر خطورة ولكن أعلى أجراً مثل التعدين والدعارة، وذلك وفقاً لتقرير صدر مؤخراً عن معهد دراسات التنمية ومنظمة أوكسفام.

ويشير التقرير الذي صدر تحت عنوان "المضغوطون" إلى أن زيادة الضغط على الأسر نتيجة لارتفاع الأسعار يصاحبه زيادة في العنف الأسري وشرب الكحول وتعاطي المخدرات.

وتعليقاً على هذا الموضوع قال ريتشارد كينغ، مستشار بحوث السياسات في منظمة أوكسفام، والمشارك في إعداد التقرير لشبكة الأنباء الإنسانية (إيرين) "إن عدم مواكبة الأجور لارتفاع أسعار المواد الغذائية يشكل ضغطاً على العلاقات الأسرية. بالنسبة للكثير من الرجال، يمثل العجز عن القيام بدوره كعائل للأسرة مصدراً حقيقياً للتوتر وقد يؤدي إلى صراع وعنف داخل الأسر. كما أن عدم قدرة الوالدين على الاستثمار في مستقبل أبنائهم يُعد أحد المصادر الرئيسية للتوتر أيضاً".

ويشير التقرير إلى أنه رغم وجود تفاؤل بشأن ارتفاع الأجور، إلا أن الزيادات في الأجور لم تواكب وتيرة الارتفاعات في أسعار المواد الغذائية ومعدلات التضخم. وأوضح أن "الناس يكدون أكثر ويعملون لساعات أطول، لكن أجورهم لا تساير وتيرة التضخم، لذا فإنهم يضطرون للتكيف معها قدر المستطاع".

تغيرات اجتماعية

ويؤكد التقرير أن النساء، على وجه الخصوص، يتحملن وطأة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، حيث تضطر كثيرات منهن إلى التوفيق بين الأعمال المنزلية والعمل لإطعام أسرهن. ففي زامبيا على سبيل المثال، تضطر الممرضات والمعلمات إلى العمل في الليل كبائعات متجولات، عقب عملهن الأصلي، من أجل زيادة دخلهن. أما في كينيا، فقد أجبرت بعض الأمهات الشابات على ممارسة البغاء لتدبير نفقات العيش.

وترى نعومي حسين، الباحثة في معهد دراسات التنمية والمؤلفة المشاركة في هذا التقرير، أن الحاجة لكسب النقود من أجل شراء الغذاء تطغى بسرعة على الأهمية التي يعلقها الناس على العلاقات الاجتماعية.

وقالت أنه "في ظل تنامي عدد الأسر التي تكافح من أجل كسب ما يكفي من الطعام، من الملاحظ أن المال بدأ يصبح أكثر أهمية من العلاقات، لدرجة أن الآثار الاجتماعية باتت مثيرة للقلق. ومن ثم يتعين على صنّاع السياسات التحرك لتدارك الأمر".

وفي ذات السياق، كتبت نعومي حسين في مشاركة على إحدى المدونات أن "الارتفاع النسبي وغير المؤكد للأسعار يؤدي إلى إعطاء الأولوية لكسب النقود اللازمة لشراء الغذاء قبل كل شيء... يجب على صناع السياسات المتعلقة بالغذاء العالمي التحقق من افتراضاتهم بشأن إدخال تعديلات على أسعار المواد الغذائية، وتقرير ما إذا كانوا يريدون هذا النوع من المجتمعات التي تطغى فيها الأمور المادية على كل شيء آخر".

من جانبه، يرى ريتشارد كينغ من منظمة أوكسفام أن "هناك تناميا في النزعة الفردانية لدى الناس، ومصادر الدعم المتبادلة التي يميل الناس للاعتماد عليها آخذة في الانهاك. كما أن اللجوء لطلب المساعدة من الجيران بات يصاحبه شيء من العار والشعور بعدم الارتياح، نظراً لتوقع الشيء ذاته في المقابل".

وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة، إلى أن الأسر الفقيرة أكثر عرضة لتزويج بناتها من أجل تقليل عدد أفراد الأسرة الذين يتوجب عليها إطعامهم. وفي المناطق الريفية في بنغلادش، أفادت دراسة أجرتها جامعة "تافتس" أن النساء في الأسر ذات الأمن الغذائي المنخفض يعانين من "الإيذاء النفسي، وأن نحو نصف النساء قد أبلغن عن تعرضهن للإيذاء الجسدي من أزواجهن".

إلى ذلك، ذكر "معهد التنمية الخارجية" أن الآليات الأولية للتعامل مع ارتفاع تكاليف المواد الغذائية - بما في ذلك خفض الإنفاق على الأطعمة الباهظة الثمن، والاقتراض لتغطية تكاليف المعيشة، وإيجاد سبل للعمل ورفع معدل الدخل - سرعان ما أعقبها مؤشرات تدل على العَوز، مثل "بيع الأصول، بدءاً من السلع الاستهلاكية، إلى الأراضي، والأدوات والماشية، وذلك بعد استنفاد هذا المخزون المؤقت".

وتتهم نعومي حسين من معهد دراسات التنمية صناع السياسات بتجاهل التغيرات الاجتماعية الناجمة عن ارتفاع أسعار المواد الغذائية. وترى أنهم يركزون بدلاً من ذلك على "التغييرات التي يمكنهم قياسها".

معاناة قطاع الزراعة

تعاني الزراعة كمشاريع اقتصادية أيضاً، إذ يشير التقرير المشترك الصادر عن منظمة أوكسفام ومعهد دراسات التنمية إلى أنه في الوقت الذي كان من المفترض أن يُحفز ارتفاع أسعار المواد الغذائية مزيداً من الناس على الانخراط في الزراعة لإنتاج المزيد من الغذاء، إلا أن ما يحدث هو العكس تماماً.

وفي هذا الصدد، قال كينغ "بدلاً من التوجه نحو الزراعة في ظل ارتفاع الأسعار، بات يُنظر على مدى السنوات القليلة الماضية إلى الزراعة بقدر أقل من الموثوقية نتيجة لحالة عدم اليقين المتعلقة بتكاليف المدخلات والعوائد وآثار التغير المناخي. وبالتالي، يتوجه الناس إلى مهن أكثر ربحاً حتى وإن كانت أكثر خطورة مثل التنقيب عن الذهب في بوركينا فاسو. وأصبح يُنظر إلى التعليم على أنه سبيل للابتعاد عن العمل في المزرعة، وغدا التطلع إلى الزراعة أمراً نادراً".

وختاماً توصي الدراسة، من بين أمور أخرى، بتحسين سياسات الحماية الاجتماعية لانتشال السكان الأشد فقراً من حالة الضعف، بما في ذلك تطبيق برامج التحويلات النقدية أو الإعانات. كما توصي بتحسين إدارة احتياطيات المواد الغذائية وتنظيم تجارة الحبوب الدولية واتخاذ خطوات لجعل الزراعة مهنة أكثر موثوقية مثل الاستثمار في التدريب والتكنولوجيا والاستدامة.