المدارس التاريخية.. كيف قرأت أوروبا تاريخ الزمن المعاصر؟

جرأة استشراف المستقبل

يعتبر تاريخ الزمن الراهن أو الحاضر مفهوما جديدا ارتبط تأسيسه بتطور الإسطوغرافيا، والبناء التدريجي للتحقيب كآلية للسرد التاريخي أو كمفهوم لتمثل الزمن الماضي، فظل مثله مثل هذه المفاهيم محاطا بلبس يستلزم معالجة خاصة لتوضيح مجالات استعماله. فالتاريخ الحديث، والمعاصر، والراهن كلها مصطلحات تحيل إلى حقب تاريخية محددة بهذا القدر أو ذاك من الدقة حسب المدارس التاريخية الأوروبية، كما تحيل داخل كل حقبة إلى شيء آخر له ما يميزه. هذا الشيء الآخر هو الذي يسائل المؤرخ ويدفعه إلى التدقيق والتوضيح والبحث. حاول بعض المؤرخين الذين اهتموا بالزمن التاريخي توطين الزمن الراهن ما بين الماضي والمستقبل إلا أن التوطين في واقع الأمر صعب للغاية فأين ينتهي الماضي، وأين يبدأ المستقبل؟

هذا السؤال الجديد يدفع الباحث في التاريخ إلى العودة إلى تنظيرات المدارس التاريخية الأوروبية حول الزمن الراهن. فقد اعتمدت المدرسة الوضعية في التاريخ كمسافة نقدية البعد الزمني فأوقفت مجال الماضي على بعد خمسين أو ثلاثين سنة من تاريخ كتابة المؤرخ للتاريخ، وبررت ذلك مرة بوضوح الرؤية نظرا للبعد الضروري، ومرة بتوفر المادة المصدرية الرسمية، والعمومية، أي فترات وضع الدول لأرشيفاتها رهن إشارة الباحثين.

من البديهي أن التبريرين لا يصمدان أمام النقد المنهجي، فالقرب عكس البعد قد يكون أفضل لمراقبة علمية، كما أن قوانين الدول في مجال التوثيق قد تقلص أو تمدد المسافات الزمنية لفتح أرشيفاتها جزئيا أو كليا. قد يبدو هذا الحديث بديهيا إلا أن الأمر معقد في العمق إذ يتعلق ببنية الزمن، فالتطورية الوضعية تمثلته كخط مستقيم لذلك تصورت الماضي – الحاضر – المستقبل كتقطيع عمودي صارم في خط أفقي، وبذلك لم تثر لديها مسألة الحدود أية إشكالية .

أما بالنسبة إلى مدرسة الحوليات الفرنسية فقد اهتمت بالزمن الراهن في بداياتها، حيث أن أهم تجديد أدخله مؤرخو الحوليات في ميدان الدراسات التاريخية هو الربط بين الماضي والحاضر. فقد كان لوسيان فيبر ومارك بلوخ منبهرين بالحاضر، وذلك رغم كونهما مختصين: الأول في القرن 16، والثاني في التاريخ الوسيط . كان مارك بلوخ يعتبر امتداد الحقل التاريخي إلى معرفة الزمن الراهن جرأة ضرورية، بدليل أن نسبة المقالات التي تتعلق بالزمن الراهن على صفحات مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي، والاجتماعي كانت كبيرة.

كان تأسيس مدرسة الحوليات بداية للقطيعة مع التصور الماضوي الصرف في الخطاب التاريخي، والربط بين الماضي والحاضر من خلال بناء تاريخ يكون مجال بحثه ليس الماضي فقط، ولكن المجتمع المعاصر أيضا، حيث دعا لوسيان فيبر إلى استيحاء القضايا التي يطرحها الزمن الحاضر الذي فيه يعيش ويفكر ويكتب. فمساءلة الماضي من خلال الحاضر بالنسبة إلى الحوليات لها قيمة استكشافية، ذلك أن الحاضر يساعد على البحث عن الماضي، ويسمح بإعطاء قيمة للتاريخ، ويثري معرفة الماضي. انطلاقا من هذه القيمة الاستكشافية للحاضر دافعت الحوليات عن تصور ذي نزعة نسبية للخطاب التاريخي، لأن التاريخ المنغمس في عصره، والغارق في مشاكل الحاضر يترتب عليه بناء الزمن التاريخي، والإيضاحات والتقسيمات التي كانت حدودها هي نفسها التي سمحت بالبحوث. فالتاريخ: "يبحث عن الأحداث والوقائع ويعطيها قيمة في الماضي، وعن التوجهات التي تهيء الزمن الحاضر، وتسمح بفهمه، وتساعد على أن يعاش. فالتاريخ يصنع الماضي الذي يحتاجه".

وإذا كان على المؤرخ حينئذ أن يعيد كتابة التاريخ حسب تساؤلات الحاضر، فهذا ليس مناقضا بالنسبة إلى الحوليات للخصائص العلمية التي يجب أن يتحلى بها المشروع التاريخي، وإذا كان الحاضر يساهم في فهم أفضل للماضي، فالعلاقة بين الماضي، والحاضر تعمل في الاتجاه المعاكس. يرفض مارك بلوخ التعريف الذي يقلص التاريخ إلى دورعلم للماضي، لأن القيمة الاستكشافية للحاضر تكمن في معرفة الماضي. لهذا ذهب بلوخ بعيدا في هذا الطرح، فهو يتصور مقاربة تكرارية لدى المؤرخ أي مقاربة ارتدادية. ينطلق المؤرخ من الحاضر ليصل عبر الزمن إلى مجتمعات الماضي.

إن الأهمية التي أعطيت للراهن جلية في مجلة الحوليات التي كانت في هذه الفترة الأولى متجهة أساسا نحو دراسة المجتمع المعاصر، فعندما نتصفح الأعداد الأولى من مجلة الحوليات نلاحظ الاهتمام الكبير الذي كانت تعطيه لقضايا الساعة، مثل: مسألة الأزمة المالية والفلاحية والاقتصادية وقضية البطالة وظهور النازية ومسألة التخطيط الاقتصادي في النظام السوفياتي وكانت هذه المواضيع تشغل نصف حيز المجلة إلى حدود سنة 1939.

هذه العناوين تكشف لنا التوجه الواضح لمدرسة الحوليات، من خلال حضور المسائل اليومية، وغياب المواضيع السياسية، والاهتمام بالقضايا العالمية في خطاب الحوليات، وما فتئت رابطة ماضي/حاضر تتأكد باستمرار من قبل مديري المجلة مارك بلوخ ولوسيان فيبر اللذين أكدا على أن هذه الرابطة هي معنى المقاربة التاريخية ذاتها: "لماذا الحديث عن الماضي والحاضر؟ فالواقع واحد أن يضع الناس أصبعهم على هذه الوحدة، سيظل ذلك اليوم كما بالأمس هدف الحوليات فبين الماضي، والحاضر ليس هناك عازل تلك هي أنشودة الحوليات".

كان اهتمام أصحاب الحوليات بالحاضر أو الراهن يختلف نوعيا عن اهتمام غيرهم به، إذ أن منظري التاريخ الجديد ربطوا ربطا نظريا محكما بين الحاضر والماضي، وهو ربط سعى بصفة خاصة إلى تجاوز الانتقادات التي كان علماء السوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا يوجهونها للتاريخ، ووضع حد لذلك النقاش العقيم بين دعاة دراسة الماضي، ودعاة دراسة الحاضر، وفي هذا الصدد يقول فيرناند بروديل: "إن الحاضر والماضي يضيء كل منهما الآخر". وهي فكرة أساسية عند مؤسسي الحوليات الأولين، حيث بلورها مارك بلوخ بوضوح في نظريته عن التاريخ التراجعي القائمة على أن الحاضر يفسر الماضي، وأن الماضي يفسر الحاضر في علاقة جدلية تضع الحاضر والماضي في نفس المستوى من الأهمية. وهي نفس الفكرة التي نجدها في أشكال أخرى لدى أهم أعلام مدرسة الحوليات، مثل: لوسيان فيبر، فيرناند بروديل، فرانسوا فيري، وغيرهم من المؤرخين.

يعتبر جاك لوغوف أن اقتحام التاريخ الجديد مجال التاريخ الراهن لا يزال محدودا، ويشهد على ذلك ضعف حضور الفترة المعاصرة في مجلة الحوليات خلال السنوات الأخيرة، ويؤكد لوغوف أن التاريخ الراهن ينجز بطريقة أحسن مما ينجزه المؤرخون المحترفون، من طرف علماء الاجتماع، وعلماء السياسة، وبعض الصحفيين البارزين فلا يزال اقتحام التاريخ الجديد مجال التاريخ الراهن من المهمات الأكيدة، خاصة مع عودة الحدث، وهيمنة الإيديولوجيات، مما يشكل حقلا ثريا للمؤرخ الجديد لإنجاز بحوث نموذجية. لكن رغم كل هذه المقاربات التي تطرحها المدارس التاريخية الأوربية حول تاريخ الزمن الراهن في أوروبا، فإن النقاش الإشكالي الذي يجب أن يطرح داخل هذه المدارس التاريخية هو كالتالي: إلى أي حد تمثل المؤرخون الأوربيون هذه الإشكاليات؟ وكيف طرحت بشكل عملي في الأبحاث التاريخية حول الزمن الراهن بأوربا؟ وهل يمكن الحديث عن خصوصيات محلية تميز بها مفهوم الزمن الراهن نظريا و ميدانيا؟

لعل الإشكال الأساسي الذي سيظل يواجه التاريخ الراهن هو كيفية الانتقال من الدراسات النظرية إلى الدراسات التطبيقية لفهم التحولات التي عرفتها المجتمعات الأوروبية على مستوى بنياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية اعتمادا على تنظيرات المدارس التاريخية الأوروبية، وكذا التجديد الذي عرفته على مستوى أدواتها المنهجية تحت تأثير تطور العلوم الاجتماعية، وانفتاح حقل التاريخ على إشكاليات وقضايا ومناهج هذه العلوم على اعتبار أن الاهتمام بالتاريخ الراهن في أوروبا هو انعكاس لجدلية تطور الإنسان والمجتمع، ومدى حضور الزمن في صيرورة دراسة الظاهرة الإنسانية والتاريخية.