حزب الله وحماس: حين يتقاتل رفاق السلاح دفاعا عن الايديولوجيا

هناك شيء ما يحدث بين حماس وحزب الله وايران. هناك توتر لا شك وهناك تباعد في المواقف، إذ بات من الواضح أن علاقة حركة المقاومة الإسلامية "حماس" مع حلفائها فيما يطلق عليه "محور المقاومة والممانعة" تمر بأزمة خطيرة.

أزمة خطيرة في العلاقات، قد تعني فيما تعنيه وبناء على ما يذاع ويشاع من تقارير، أنها وصلت إلى درجة العداء.

إذ وبغض النظر عن التصريحات التي تصدر بين الفينة والأخرى عن كلا الجانبين والتي تشبه التمنيات، والمراد منها تخفيف حدة الخلافات والتقليل من أهميتها فإن هناك لاشك أزمة يبحث الطرفان عن حلول سحرية لتلافي القطيعة فيها ولكن دون جدوى.

الحديث عن حوار هادئ جاري بينهما لتقريب وجهات النظر فيما يتعلق بالأزمة السورية أو من خلال التنسيق والتعاون فيما يتعلق بالصراع مع إسرائيل وترك الملف السوري المختلف عليه على الرف هو حديث غير واقعي.

الوقائع تشير إلى عكس ذلك، ومن بين هذه الوقائع ما يجري على الأرض من خلال تخندق الطرفين في معسكرين متقابلين على جبهات القتال السورية، والقتال ضد بعضهما البعض.

نعم لم يعد سراً، أن هناك مواجهة تجري بين الطرفين، ذلك ما كشفته تقارير إعلامية محايدة ليس أخرها ما كشفه احد القادة الميدانيين لحزب الله في مدينة القصير السورية المحاذية للبنان لصحيفة الرأي الكويتية بقوله: "عملية حفر الخنادق كانت متبعة بطريقة تعود عليها حزب الله ورآها من قبل من قوات مقاومة (صديقة خارج سوريا وعدوة داخل سوريا)، إنه أسلوب متبع لقوات تدربت مع حزب الله، يتفق معها على تحرير فلسطين ويتقاتلان في سوريا ".

ومن الواضح أن القائد الميداني كان يقصد حركة حماس ولو لم يسمها بالاسم، لأن ذلك قد سبقه تقرير لصحيفة التايمز البريطانية من العاصمة دمشق حول "أن مستشاري حماس يستخدمون خبراتهم في بناء الأنفاق في قطاع غزة لتهريب الأسلحة والبضائع عبر قنوات تحت الأرض لتمهيد الطريق أمام قوات المتمردين لشن هجوم وسط دمشق ".

هذه التقارير قد يكون مصدرها سوري حكومي وربما يكون بعض أطراف المعارضة، هذه المصادر تشير أيضاً أن حماس نقلت تقنية صناعة الصواريخ التي تعلمتها من سوريا وإيران إلى أطراف في المعارضة (تقرير لموقع شام تايمز) أشار هذا التقرير أن حركة حماس "تقدم عبر بعض قيادييها خبراتها في مجال تصنيع الصواريخ المحلية لعناصر ميليشيات المعارضة السورية من ميليشيات جيش حر وغيرها، خصوصاً لواء التوحيد ذو الطابع الاسلامي، والذي يعتبر من الاجنحة العسكرية التابعة لتنظيم الاخوان المسلمين في سوريا، الذي ينشط بكثافة باستعمال هذه الصواريخ ".

هذا التورط الحمساوي الذي تؤكده مصادر سورية ومصادر محايدة بعضها عالمي يقابله تورط لحلفائها السابقين في محور المقاومة والممانعة حزب الله وإيران وبعض الفصائل الفلسطينية.

ومع ان ذلك يمثل حرجا لحماس كما يعتقد البعض إلا ان قيادة حماس تفند ذلك باعتباره وقوف مع الحق في وجه الظلم والطغيان ولكن حقيقة هذا الموقف يستند إلى إيديولوجية الحركة باعتبارها جزء من الأيديولوجيا الاخوانية اولاً وأخيرا. ووفقا لهذه الرؤية تعتبر حماس أن ما قدمه لها حلفائها السابقين في محور الممانعة والمقاومة ليس منة بل وقوف مع الحق بحسب تصريح للأخ اسماعيل هنية رئيس الحركة في قطاع غزة ونائب رئيس مكتبها السياسي.

حماس على ما يبدو خرجت بالكامل من محور المقاومة والممانعة وانضمت إلى محور قطر تركيا المرتبط بالولايات المتحدة وبأجندتها في المنطقة وهناك مساع أوروبية لفتح خطوط مع الحركة لتليين موقفها من مسألة الاعتراف بإسرائيل أو التعايش معها في أطار هدنة طويلة الأجل.

لذلك يعمل هذا المحور على تأهيلها لتصبح مفاوضا لإسرائيل والولايات المتحدة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، عبر إخراجها كخطوة أولى من قائمة الجماعات الارهابية.

على الجهة المقابلة هناك ألم يعتصر حلفائها السابقون من مواقفها هذه، أحمد جبريل الأمين العام للجبهة الشعبية القيادة العامة وأحد أقرب المقربين والحلفاء الاوفياء لسوريا أعرب في مقابلة تلفزيونية "عن ندمه على مبايعته لخالد مشعل وقيادة حماس التي عقدها معهم بعد الحرب الاولى على غزة وقال ان خالد مشعل وحركة حماس لم يكونوا اوفياء لسوريا التي احتضنتهم ودعمتهم ودعمت المقاومة ".

حماس ومنذ خروج قيادتها من سوريا وهي في موقف هجومي تجاه النظام في هذا البلد الذي احتضنها ووفر لها المأوى والتدريب والتسليح. فارتباطها بالمحور التحالفي الجديد والذي هو محور لا يخص تحالف حماس وحدها بل حماس كجزء من حركة الإخوان المسلمين العالمية دفعها للتورط بالنزاع السوري بكافة الأشكال الإعلامية والسياسية والعسكرية ربما، إذ وبالرغم من نفي الحركة لأي نشاط عسكري رسمي لعناصرها في الحرب السورية والقول بوجود متطوعين من أعضاء الحركة "خرجوا للجهاد على عاتقهم الشخصي" فإن التقارير الغربية تتحدث بعكس ذلك فالمسألة ليست مسألة أفراد بل الحديث يدور حول مجموعات قتالية منظمة، حيث اشارت صحيفة التايمز البريطانية أن الجناح العسكري لحماس "يدرب مقاتلي الجيش الحر في المناطق الخاضعة لسيطرته شرقي دمشق" وتحديدا في بلدات جرمانا ويلدا وببيلا الخاضعة لسيطرة المتمردين في ريف العاصمة.

وأضافت الصحيفة "أن عناصر حماس تشارك الآن في القتال إلى جانب مقاتلي المعارضة المسلحة لأكثر من عامين ".

وفي حين تسربت معلومات من لبنان عن طلب حزب الله من كوادر حماس مغادرة البلاد "فورا وخلال ساعات" بسبب المشاركة في "الحرب الاسرائيلية القطرية على سوريا" كما ورد الخبر من مصادره، بدليل وجود افراد من كتائب القسام ثبتت مشاركتهم في معارك القصير وتم قتل واعتقال بعضهم والذين اعترفوا وحسب مصدر الخبر "بكيفية تجنيدهم في هذه الحرب ضد سوريا وحزب الله."

هذا الخبر أن صح يدل على مدى عمق الأزمة بين أطراف هذا المحور والذي تعني فيما تعني القطيعة التامة.

ومع أن مصادر حماس نفته جملة وتفصيلا والتزم حزب الله الصمت ولم يعلق إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود ازمة مستعرة بين الجانبين. فخروج حماس من سوريا سبقه العديد من الشائعات التي كانت تتحدث عن الازمة بين حماس والنظام في سوريا وفي لحظة ما طلب النظام من عناصر حماس المغادرة خلال 48 ساعة.

عدم نفي حزب الله للخبر يعني أنه يوجه تحذيرا شديد اللهجة بشكل غير مباشر لحماس في الساحة اللبنانية بمراجعة حساباتها قبل أن يلجأ إلى التنفيذ الفعلي لهذا القرار.

حماس المخلصة لطائفتها السنية تسير خلف شيوخها خاصة الشيخ يوسف القرضاوي الذي أعلنها حرب طائفية شعواء على سوريا وحزب الله وايران. مساجد قطاع غزة تساير الشيخ القرضاوي فيما يريد الذهاب إليه من تحريض طائفي كمبرر لحشد أهل السنة خلف الحرب المعلنة على سوريا وحلفائها فهي لا تتوقف ايام الجمع عن الإشارة إلى ما تسميه طبيعة النظام العلوي الكافر في سوريا وإلى الرافضة الشيعة في إيران ولبنان حلفائها القدامى ورفاق السلاح.

ما فعلته حماس لم يقدم عليه أي تنظيم فلسطيني أخر على مدى تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصر. فمنظمة التحرير الفلسطينية ذات الطابع العلماني لم تتخندق يوما ما في خنادق الطائفية. حماس مجبرة على ذلك فمرجعيتها في الخارج هي من تملي عليها مواقفها. حماس ليست مستقلة تماما كما تزعم بل هي مرتبطة باستراتيجية وتكتيكات مكتب الارشاد العالمي للجماعة.

الخطاب الطائفي الذي مصدره قطر وبعض دول "الربيع العربي" ذات القيادة الإخوانية تجعل من الصعوبة بمكان على بعض قيادات حماس خصوصا جناحها العسكري في غزة رتق الفتق الذي يتوسع يوما بعد يوم بين حلفاء الأمس في ظل الحاجة الماسة للسلاح والمال الايراني الذي لن تعوضه قطر او أي من حلفائها.

حلفاء حماس يتبنون الحل السلمي للقضية الفلسطينية فهم قد اعترفوا بإسرائيل ويقيمون معها اتفاقيات سلام وعلاقات دبلوماسية وأمنية وعسكرية ومصدر قرارهم النهائي في المكتب البيضاوي في واشنطن.

من الصعب تصور بقاء حماس المقاومة في صف هذا الحلف المدعوم اميركيا وإسرائيليا، إلا إذا قررت تأجيل الصراع مع العدو الصهيوني وتقديم الصراع الطائفي عليه وهو صراع تغذيه إسرائيل والصهيونية العالمية وفق ما جاء في مقررات مؤتمر هرتزيليا الاخير.

شائعات كثيرة تصدر هنا وهناك ومصادرها متعددة حول وجود خلافات عميقة داخل حماس بين التيار القطري والتيار الايراني يقود هذا التيار فلان ويقود الاخر علان. ولكن تقارير حماس تنفي وجود هذا الخلاف. وانا اصدق حماس وما تصدره من تقارير. أنا أعيش في غزة واتابع كل ما يجري هنا، لم ألمس أي معطى من المعطيات يقول أنه يوجد خلافات حول هذا الأمر.

في تنظيم يتبع مبدأ السمع والطاعة، لو حدث ذلك لشهدنا انشقاقات كما حدث ويحدث عادة في مثل هذه الأحوال خصوصا خلاف كالذي يتحدثون عنه. لا، لا توجد خلافات، كل ما يقال محض شائعات. حماس حسمت أمرها، حماس بالكامل تقف في الخندق القطري الإخواني، هي منسجمة مع ذاتها، مع طبيعتها الايديولوجية. من أراد التحالف مع حماس عليه ان يقبل بها كما هي كفرع من جماعة الإخوان المسلمين، عليه أن يقبل بها كتنظيم ملتزم بالاستراتيجية العربية والعالمية للإخوان. قرار حماس هو قرار الإخوان وليس العكس الجزء يتبع للكل. هكذا هي التنظيمات الشمولية. من يختلف يغادر الملعب الإخواني إلى ملعب أخر، واذا كان جناح عسكري على خلاف مع الجناح السياسي كما يزعمون، فهذا يعني أن الخروج يكون محفوفا بالدماء إذ من البديهي أن يحدث الصدام بين أطراف النزاع في داخل الحركة إن وجد، لا يمكن الانشقاق هكذا... المنطق يقول ذلك.

حماس تريد من ايران وحزب الله ان يكونوا حلفائها في الصراع مع إسرائيل وان يقدموا لها كل ما تريد من سلاح ولكنها لن تحارب حروبهم، حتى لو اعتدى عليهم من إسرائيل. هذا ما قاله الدكتور محمود الزهار وما قاله الدكتور موسى أبو مرزوق.

المثل الروسي الذي يقول من يدفع المال يحجز الموسيقى لن ينفع مع حماس فموقفها مرهون لقيادة التنظيم العالمي.

على أطراف محور الممانعة والمقاومة أن يبحثوا عن تنظيم فلسطيني قوي يعوض خروج حماس ولكن على ما يبدو أن مثل هذا التنظيم غير موجود. البعض يقول الجهاد الإسلامي لكن موقف الجهاد الإسلامي من الأزمة السورية ليس بعيدا عن موقف حماس ولو اختلفت الأسباب والدوافع.

الشحن الطائفي يربك التحالفات في المنطقة. مقررات مؤتمر هرتزيليا الصهيوني في حيز التطبيق، حرب الطوائف بدأت ولن تتوقف قريبا.

الرابحون هم إسرائيل والولايات المتحدة والقرضاويون والتكفيريون والخاسرون أولهم قضية فلسطين وثانيهم وأخطرهم تمزق النسيج الاجتماعي لمجتمعات شعوب المنطقة التي تعايشت مع بعضها البعض عبر الاف السنين، للأسف المنطقة متجهة نحو التقسيم والاستنزاف لفترة طويلة قادمة، هذه النوع من الحروب لا منتصر فيها فالمنتصر مهزوم.