الازمة السورية وصناعة الاستقطاب الطائفي

ما يحدث في سوريا، يستدعي وقفة طويلة، يقفها المثقفون العرب قبل غيرهم، وعدم ترك الامر للسياسيين، لان هؤلاء يلعبون بالاوراق كلها بما يخدم مصالحهم الآنية الضيقة، فيما المثقفون هم المستقبليون، او الذين يستشرفون المستقبل ويكون دورهم تنويريا. فالمرحلة العاصفة التي تمر بها المنطقة، هي مرحلة المثقفين او يجب ان تكون كذلك، لكننا للاسف الشديد نجد ان الكثيرين منهم مستقطبون بشكل او بآخر، ما يعني ان الخطورة باتت اكبر، وعلينا التحذير من ذلك.

يتوهم من يعتقد ان الاحداث في سوريا هي مجرد صراع بين نظام ومعارضة، تسعى الى اسقاطه بقوة السلاح، او هذا ما يتبدى للجميع من خلال ما تشهده الشقيقة سوريا من قتال احرق هذا البلد الجميل وحوله الى اطلال. بل انها في مدخلاتها تشير بوضوح الى ما ستنتهي اليه من مخرجات خطيرة، يبدو ان هناك من يقف وراءها ويغذيها، لتكون بالصورة التي نراها اليوم، ونقصد صورة الصراع الطائفي الذي فرضه الاعلام ويريد تسويقه الى الرأي العام العربي والاسلامي، والذي سيجعل المنطقة كلها على فوهة بركان سيحرق الجميع، ان لم يتم تدارك الامر، ثقافيا. اعني تماما هذه العبارة التي اقصد منها، ان نصحح الصورة ونضع الحدث في سياقه الطبيعي، بعيدا عن مواقفنا المختلفة مما يجري، سواء أكان هناك من يقف مع النظام، او يقف مع المعارضة، لان القضية التي يراد لها ان تسوّق اكبر من هذا بالتأكيد، اي اعطاء الصراع صبغة طائفية لتكون سوريا بتداعيات الحدث فيها منطلقا لهذه الفتنة، التي ان استمرت ستدمر المنطقة باكملها.

ولنوضح بعض الحقائق للذين ربما انطلت عليهم اللعبة، وتمكن الاعلام من صياغة تفكيرهم تجاه ما يحصل، بعد ان اتخذ من تدخل حزب الله وسيلة لتبرير حكاية الصراع الطائقي، وتسويقه.

من المعروف ان غالبية الشعب السوري من المسلمين السنة، وفيه ايضا علويون ودروز واقليات اخرى، وان النظام في نهجه العقائدي علماني قومي كما هو معروف، ويقود الدولة بمعية احزاب اخرى في الجبهة الحاكمة، تتوزع بين اتجاهات اخرى يسارية وقريبة من اليسار ولا علاقة لها بالطوائف وغيرها من المسميات التي يحاول الاعلام حصرها داخلها بطريقة قسرية، وان القوى المعارضة التي تسعى لاسقاط النظام، بعضها علماني، لكن الاغلبية فيها ذات توجهات طائفية متطرفة، ثبت ارتباط قسم منها بتنظيم القاعدة، كجبهة النصرة وامثالها من التنظيمات التي نرى شعاراتها على شاشات الفضائيات، التي تبث نشاطاتها القتالية المصورة، موشومة بعلاماتها الدينية الطائفية المميزة. ونحن هنا لسنا اوصياء على احد، لكننا نريد ان نوضح الحقيقة للناس، لكي لا تتداخل الاوراق ونجد انفسنا جميعا امام استحقاقات قاسية مستقبلا، بفعل الترويج الاعلامي التعبوي المغرض، الذي يريد القول ان الجيش السوري الذي يقاتل القوى المسلحة المعارضة ينتمي الى هذه الطائفة، وان المعارضين ينتمون لتلك، كنوع من التعبئة، واستقطاب المشاهدين بطريقة فيها الكثير من المكر والدهاء المكشوفين لنا.

والسؤال الذي يطرح نفسه، هو لماذا يتم التعتيم على الهوية الطائفية لغالبية الجيش العربي السوري، الذي ينتمي للطائفة السنية، بينما يتم التركيز على الهوية الطائفية لرئيس الدولة وكأنه صبغ الجيش كله بلون طائفته التي لا يقوم الحزب الحاكم على اساسها اصلا؟ غير متناسين هنا ان الجيش في مثل هذه الظروف تتوفر امام اغلبه فرصة الهروب من الخدمة والالتحاق بالمسلحين المعارضين اذا كان الامر معركة طائفية، كما تقول تلك الفضائيات، وما الذي يمنعه من ذلك اذا اراد؟!

لقد تم التركيز على اشتراك عناصر من حزب الله في بعض المعارك، وتصوير الامر على انه معركة طائفية، بينما الامر، وفق رؤية حزب الله لا يتجاوز التعامل مع استحقاقات الواقع التي فرضتها معطيات الصراع، ومخرجاته المتوقعة، والتي تشير الى ان سوريا ستذهب بعد اسقاط النظام الى حلف معاد لحزب الله وستكون جزءا من منظومة امنية إستراتيجية تستهدف المقاومة في لبنان وسوريا وفلسطين معا، والمقاومة هنا ليست بالضرورة المسلحة فقط، بل اي فعل سياسي وامني لا ترضاه اسرائيل، وهذا ما جعل حزب الله يتحسب للقادم بعد ان فرضت المعركة في سوريا استحقاقاتها عليه ليجد نفسه في لجة الصراع، كاجراء دفاعي عن مشروعه، سواء اتفقنا معه في مشروعه هذا او لم نتفق. اي علينا قراءة الحدث من مدخلاته الصحيحة بعيدا عن التدليس والتعبئة بإثارة المشاعر وخلق هياج طائفي يدفع بنا، عربا ومسلمين الى هاوية الصراع الذي سيطيح بمستقبلنا جميعا.

نجزم، ان الذي تشهده سوريا اليوم، يأتي ضمن مخطط، يعمل على تدمير المنطقة، بادخالها في صراع طائفي وعرقي طويل، قد يستمر قرنا من الزمن، وسينتهي بنا الى كانتونات ضعيفة ومتقاتلة. ونحن هنا اذ نشدد على ضرورة الحل السلمي للازمة السورية، نتمنى ان يكون الحل مرضيا لجميع الاطراف بما يخلق فرصة سلام حقيقية في هذا البلد الذي يستحق السلام، ويفوت الفرصة على المتربصين بنا. وهو ما على المعارضة ان تدركه بعيدا عن الاستقطابات الدولية والاقليمية التي ثبت عدم جدواها، اي ان هذا الواقع المخيف يدعو المعارضة، ان كان لها رأي، بعد ان توزعت بين القوى المتكالبة على سوريا، الى ان تعيد النظر بإستراتيجيتها، انقاذا لسوريا وللمنطقة التي يراد لها ان تذهب الى جحيم الاقتتال الطائفي من بوابة الازمة السورية، وهو ما نرى نذره اليوم بشكل يدعونا، كمثقفين قبل غيرنا، الى عدم التقاعس ابدا.