الصحافة والحكومة والعلاقة الملتبسة

سيبقى تعريف العلاقة بين الصحافة والحكومة متغيرا مع الزمن. فما كان يعرف قبل خمسين عاما عن هذه العلاقة، لم يعد كافيا اليوم. الصحافة تغيرت وسلوك القراء كذلك، ولم تعد للحكومات نفس السلطة التي كانت آنذاك.

سيبقى ملتبسا أيضا تعريف العلاقة بين المسجد والدولة، والصحافة والمسجد "وفق الربيع العربي الذي رفع الإسلاميين إلى السلطة".

لا يوجد تعريف واضح أمام وسائل الإعلام لدور المسجد في الدولة في حكومات مصر والعراق وإيران والسعودية وتونس وليبيا مثلا، لأن ثمة من يريد نقل تقاليد المسجد لبناء دولة "الإسلام هو الحل"! والمحاذير أمام تناول ما هو مقدس وديني أصعب بكثير من أن يتسنى لوسائل الإعلام معالجتها.

وسيسمح التصاعد المضطرد في إعادة صياغة قوانين الإعلام في الدول الديمقراطية، تحت مسوغات الفضائح وخصوصية الناس، بسن قوانين يصفها الصحفيون البريطانيون مثلا بـ"حماية البرلمانيين من عواقب الغباء الخاصة بهم"! لذلك يطالبون المشرعين - وفق مستوى الجودة الأخلاقية - أن يلاحظوا أن الصحافة غير المقيدة هي الضامن الأمثل للديمقراطية أفضل بكثير من التشريعات القانونية.

تركيا، مثلا، هي دولة ديمقراطية بالمقاييس المقبولة، ولا يمكن وفق أي حال من الأحوال مقارنتها مع ديمقراطيتنا المزعومة في البلدان العربية. لكن حتى هذه الديمقراطية ألبستها حكومة "السلطان أردوغان" طربوش الرقيب أو حارس البوابة، عندما ضيقت الخناق على "المواطن الصحفي" وهو ينقل عبر الانترنت الصور الإخبارية والأفلام المصورة للعالم عن الاحتجاجات في بلاده.

يعيد "التضييق" الذي تفرضه السلطات التركية على المدونين الشخصيين اليوم، التذكير بقيود "ملالي طهران" على شباب الثورة الخضراء قبل سنوات، حتى وصل الحال بتشريع "الانترنت الحلال" وفق فقه "آيات الله".

بعد ذلك هل يمكن التحدث عن علاقة واضحة بين وسائل الإعلام والحكومات؟

يعيد تذكّر المؤلفان جيمس كوران وجين سيتون في كتابهما المشترك "السلطة من دون مسؤولية: الصحافة والإذاعة في بريطانيا" كيف أن جون رايث أول مدير لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" ترك أثره على تطورها حتى غدت لها هذا الشهرة العالمية كإذاعة تتمتع بالحيادية وتلتزم بقيم الأخبار المعلنة.

رايث كان يحتقر السياسيين ويبغض السياسة الحزبية وقد خاض معارك كثيرة مع عدة جهات ليبقي على سياسة الهيئة المحافظة والتي كان يعتقد أن مهمتها تربوية أساساً وهدفها تنمية الشخصية. بيد أنه استقال عام 1937 وكان وقتها قلقاً غاضباً. فـ "بي بي سي" لم تعد قادرة على إشباع طموحه.

فهل كان جون رايث ضحية "القناة السرية" بين "10 داونغ ستريت" مقر رئيس الوزراء البريطاني و"بوش هاوس" مقر هيئة الإذاعة البريطانية آنذاك؟

سنجد عشرات الأمثلة لضحايا الحكومات في وسائل الإعلام، إلا ان الحال لم يعد كما كان، فالإعلام لم يعد بيد المالك للمال وحده، وهو ليس صناعة تبث خطابا مجردا لسوق إيديولوجية. انه شريك مؤثر في عالم مفتوح، لم يعد للحكومات اليد الطولى كي تمدها باسم حراسة القيم.

ومع كل ذلك لا يمكننا أن نتفق قريبا على تعريف يثبت العلاقة بين الإعلام والحكومة.