النهضة تكشف عن توجهاتها السلفية والتكفيرية

تونس ـ تواجه حركة النهضة الإسلامية التي تقود الائتلاف الثلاثي الحاكم "هجمة" انتقادات شرسة من قبل المعارضة اليسارية العلمانية بلغت حد اتهامها بـ"الإرهاب" و"التكفير" بعد أن "انقلبت عن التوافقات التي أمضت عليها كل الأطراف المشاركة في مؤتمر الحوار الوطني الذي يرعاه الاتحاد العام التونسي للشغل.

وقالت المعارضة العلمانية إنها لا ترى في النهضة التي تحاول تقديم نفسها "حزبا إسلاميا معتدلا" سوى "واجهة سياسية للجماعات السلفية الجهادية التكفيرية التي بسطت نفوذها على البلاد منذ فوز النهضة في انتخابات 23 تشرين الأول 2011".

وبرأي زعيم الحزب الاشتراكي محمد الكيلاني فإن "سلوك النهضة اللاأخلاقي لا يمكن أن يضر خصومها السياسيين كما يدور بأذهان قيادييها بقدر ما سيعود بالوبال على البلاد وعلى مسار انتقالها الديمقراطي"، مشددا على أن "خرق النهضة للتوافقات هو عادة غير محمودة تكشف عن توجهاتها الإرهابية التكفيرية المتطرفة".

والاثنين أكد عمر الشتوي النائب بالمجلس الوطني التأسيسي التونسي (البرلمان) عن حزب المؤتمر (يسار وسط) رأي الكيلاني، متهما رئيس المجلس مصطفى بن جعفر، وحركة النهضة الاسلامية الحاكمة بـ"الاحتيال" و"تبديل" الصياغة الاصلية للمشروع "النهائي" للدستور التونسي الجديد.

والسبت وقع مصطفى بن جعفر رئيس المجلس والامين العام لحزب "التكتل"، والحبيب خضر المقرر العام للدستور والقيادي في حركة النهضة المشروع "النهائي" للدستور.

وأعلن الشتوي ان بن جعفر وخضر قاما بـ"الاحتيال" و"تبديل" الصياغة الاصلية التي اعدتها 6 لجان تأسيسية تعكف منذ حوالي 16 شهرا على كتابة الدستور.

وقال الشتوي الذي يرأس "لجنة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والعلاقة بينهما" ان عملية التبديل جعلت من نص المشروع النهائي للدستور "متنكرا" لنتائج "الحوار الوطني حول الدستور" الذي انعقد.

وكانت الأحزاب السياسية ومكونات المجتمع المدني توصلت خلال جلسات الحوار الوطني إلى توافقات تتعلق أساسا بتضمين الدستور الجديد "حقوق الإنسان في إطار مفهومها الكوني" و"الحريات الفردية والعامة وحرية المعتقد" و"الحق في الإضراب" إضافة إلى "صلاحيات رئيس الجمهورية".

كما وقع التوافق على تعزيز دور المعارضة في مؤسسات الدولة، وأيضا على أن "يضبط القانون ممارسة الحقوق والحريات المضمونة في الدستور بما لا ينال من جوهرها وتسهر الهيئات القضائية على حمايتها من كل انتهاك".

وشددت التوافقات على "توفير مناخ ديمقراطي يضمن السلم الأهلية ويحترم الاختلاف وينبذ العنف ويؤمن علوية القانون ويثبت حياد الإدارة وكل مؤسسات الدولة عن كل تجاذب أو توظيف سياسي".

وطالبت المعارضة بتضمين ما بات يعرف في تونس بـ"توافقات الحوار الوطني" في نص الدستور غير أن كتلة حركة النهضة بالمجلس التأسيسي مارست ضغوطات أدت إلى الإعلان عن الانتهاء من صياغة الدستور دون تضمينه مطالب المعارضة.

وبدا "الإعلان المفاجئ" للانتهاء من صياغة الدستور بالنسبة للعلمانيين "إجهاضا للحوار الوطني" الذي "تشبث بدستور وضعي يؤسس لدولة مواطنة مدنية بمنأى عن أهداف جماعات الإسلام السياسي" التي ضمنته فصولا دينية مثل "الاستلهام من تعاليم الإسلام"، وهي الصيغة التي عوضت "الاستلهام من الشريعة".

وكشف الكيلاني ان حركة النهضة لم تخط أي خطوة تعرب فيها عن حسن نواياها "بل العكس هو الصحيح، فهي لم تتراجع قيد أنملة عن خياراتها الأساسية ولم تتنازل عنها وهو ما أكده رئيسها راشد الغنوشي أمام أنصاره في أكثر من اجتماع شعبي".

واعتبر أن ما تأتيه النهضة "يستهدف الانتقال الديمقراطي واستقرار الوضع في تونس وليس الأحزاب السياسية والسياسيين كما يدور في أذهان قيادييها".

وكان رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي شدد خلال جلسات الحوار أن "النهضة لن تتفاوض ولن تتنازل عن مرجعيتها العقائدية"، ما عزز اقتناع المعارضة بأن الحركة الحاكمة "ماضية في فرض مشروعها الديني الذي يستهدف مكاسب الحداثة".

ويقول المنجي الرحوي النائب عن حزب الوطنيين الديمقراطيين "إن حركة النهضة تدفع بالدستور نحو المجهول إذ هي ما انفكت تتراجع عن تعهدادتها في محاولة للانقلاب عن الشرعية"، مضيفا أن "عدم تضمين توافقات الحوار الوطني ضمن الدستور هو محاولة لإجهاض الحوار من جهة وإجهاض لمسار الانتقال الديمقراطي من جهة أخرى".

وتتفق الأحزاب اليسارية والعلمانية على أن "النهضة تناور لتقود جميع الأطراف السياسية إلى الرضوخ إلى إرادتها وتسعى لابتزاز كافة القوى الديمقراطية، مستغلة هشاشة الوضع والأزمة الاقتصادية لتحميل الجميع المسؤولية والرضوخ لرؤية النهضة للدستور".

وتراهن النهضة على تمرير "الصياغة التي أعلنها التأسيسي كما هي" من خلال ضغط الأغلبية البرلمانية في وقت يحشد فيه العلمانيون جهودهم من أجل عرض الدستور على الاستفتاء العام بعد أن تنكرت الحركة إلى جملة التوافقات.

ويتوقع المراقبون أن تشهد تونس خلال الفترة القادمة مزيدا من الاحتقان السياسي والاجتماعي بين اليسار العلماني من جهة وحركة النهضة من جهة أخرى، ما قد يؤدي إلى خروج الخلافات من الأطر السياسية إلى الشارع في شكل مواجهات مباشرة.