صناعة السيارات في العراق: من نقل وتوطين التكنولوجيا الى 'أيرنة' التجميع!

استوقفني طويلاً خبر بثته وكالة "المدى بريس" مؤخرا مفاده، ان شركة ايرانية لصناعة السيارات قد اكملت استعدادها لتأسيس مصنع لتجميع السيارات الايرانية في العراق الشهر القادم.

وسبب توقفي امام هذا الخبر هو انني عاصرت من خلال عملي في اعلام وزارة الصناعة لعقدين من السنوات التطورات في هذا القطاع منذ بدأت عمليات تجميع الشاحنات (اللوريات) الصغيرة صلاح الدين بالاتفاق مع شركة سافيم الفرنسية في المنشأة العامة للصناعات الميكانيكية، ثم انفصال هذا القطاع وتحوله الى شركة عامة مستقلة باسم المنشأة العامة لصناعة السيارات وتوقيع الشركة الجديدة عقداً مع شركة سكانيا لتجميع الشاحنات. كان ذلك في السبعينات، واذكر انني نشرت في مجلة "الصناعة" التي كنت سكرتيراً لتحريرها العديد من المقالات حول هذه الصناعة والصناعات المغذية لها، اذكر بعض كتابها الذين ما زالت اسمائهم في ذاكرتي د. اسماعيل القزاز، عبدالمعطي الخفاف، المهندس باسل الدره، د. عبد علي صاحب، جودت هوشيار، طارق اسماعيل وآخرين. وقد اثارت بعض تلك المقالات اهتماماً في مركز الوزارة وجرت مناقشات طويلة لها خاصة وان بعضها كان يتضمن مقترحات ملموسة حول هذه الصناعة.

ولكن الامر ظل في اطار المناقشات، حتى صدر قرار بتشكيل هيئة مستقلة في المؤسسة العامة للصناعات الهندسية لدراسة اقامة صناعات سيارات حقيقية في العراق وقد انتدب لرئاستها المهندس د. براق سعيد يحيى الذي قام باختيار نخبة من المهندسين للعمل معه. ومنذ ذلك الحين اتخذت القضية اتجاه آخر. فقد تم تشكيل لجنة من الهيئة ومن المنشأة العامة للصناعات الميكانيكية ومن اتحاد الصناعات العراقي باعتباره ممثلاً للقطاع الخاص للوقوف على امكانية الافادة من الصناعات القائمة في القطاع الخاص وتطويرها لبناء قاعدة اساسية لصناعة السيارات المرتقبة واذكر جيداً ان المهندس يوسف حسن مهدي مدير الدائرة الفنية في اتحاد الصناعات العراقي (*) اجرى مسحاً اولياً للصناعات التي سميت بالصناعات المغذية لصناعة وتم تحديد العديد من المشاريع التي يمكن ان تكون اساساً للصناعات المغذية في مقدمتها صناعة الراديترات وكان هناك مصنعاً متميزا يملكه صناعي قديم اسمه ميناس كره بيت ومصنع آخر لا اذكر اسم مالكه الآن، ومصنعين لصناعة زجاج السيارات ومصنعا لصناعة (الدبلات الخاصة بالسيارات) وعدة مصانع لصناعة الفرش الداخلي (الكشنات) كما تمت دراسة امكانيات شركة الصناعات الكيمياوية والبلاستيكية التابعة للقطاع المختلط للنظر في تصنيع الاجزاء البلاستيكية وقد اقترحت الهيئة يومها اقامة عدد من الصناعات المغذية في القطاع الخاص تم تحديدها واوعزت وزارة الصناعة والمعادن الى المؤسسة العامة للتنمية الصناعية لمنح اجازات لتوسيع بعض المشاريع القائمة ومنح اجازات تاسيس لعدد من المشاريع ضمن الاطار نفسه، كما تم التركيز على ضرورة انتاج (قطع الهايدروليك) في الاسكندرية.

وقطعت الهيئة شوطاً متقدماً في التفاوض مع العديد من الشركات العالمية بينها عملاق صناعة السيارات الاميركية جنرال موتورز وشركة فولفو السويدية، وتركزت المفاوضات حول نسب التصنيع والارتقاء بها وفق سلم زمني لغاية الوصول الى تصنيع المحرك وصندوق السرعات (الكير) وقد تمت دراسة تجارب العالم الثالث في مجال هذه الصناعة وتم التركيز على دراسة تجارب البرازيل ومصر ومحاولة تجنب الاخطاء التي وقعت فيها الصناعة في مصر حين توقيع عقود الاتفاقيات مع الدول المصنعة.

ساهم الاتحاد العربي للصناعات الهندسية وكان رئيسه يومها المهندس علي الحمداني في هذه الدراسات. وكان من ابرز المصريين الذين عرضوا التجربة المصرية بالتقييم المهندس عادل جزارين وتم ذلك في ندوة نظمها الاتحاد وخصصت لمناقشة مستقبل الصناعة في العالم العربي. وتم انجاز التصاميم العراقية الكاملة للمظهرالخارجي والداخلي للسيارة بايد عراقية، واذا لم تخني الذاكرة فان الاسم الذي اختير للسيارة هو "بغداد". ومما اذكره في هذا المجال ان مجلة "الصناعة" وكان فيها قسم خاص يعنى بدراسات نقل وتوطين التكنولوجيا الصناعية يشرف عليه مصطفى توفيق المختار وتم استحداثه بتوجيه من رئيس تحريرها يومها غسان مرهون محمد، ناقشت في محور كامل قضية نسب التصنيع باعتبارها الطريقة المثلى لتوطين الصناعة وبالتالي اقامة صناعات حقيقية وليس صناعات تجميعية. ومما اذكره في هذا المجال ان الفريق العراقي المفاوض الذي قاده المهندس براق سعيد يحيى ركز على هذه النقطة اثناء التفاوض، وقدم تصوراً واضحاً للشركات عن رغبة العراق بنقل وتوطين تكنولوجيا صناعة السيارات وحرص في تلك التصورات على تجاوز الاخطاء التي وقعت فيها منشأة نصر المصرية اثناء تعاقدها مع شركة فيات الايطالية. وقد طوي المشروع اثر اجتياح الكويت وفرض الحصار على العراق.

اليوم وبعد اكثر من اربعة عقود نعود الى نقطة الصفر. "التجميع" ومع مَن، مع شركات ايرانية ليس لها باع طويل في ميدان صناعة السيارات فماذا الذي ستقدمه هذه العملية من اضافة للاقتصاد الوطني. كان الاجدى بالعراق تحريك الصناعة في القطاع الخاص والافادة من المنشآت الصناعية القائمة التي كانت تتبع التصنيع العسكري والتي تحولت للصناعات المدنية علما بأن الكادر الهندسي والفني الذي تربى في الاسكندية ونصر وغيرها من المنشآت يمكن ان ينهض فعلا في اقامة صناعة سيارات حقيقية تعتمد على صناعات مغذية عراقية لأي صناعة سيارات مستقبلية بدلاً من عملية التجميع التي تجاوزها الزمن. وبدلا من الشكوى الدائمة من فشل منشآت وزارة الصناعة ونحن نعرف جيدا سبب الفشل، يكفي ان نشر الى ان التقرير نفسه ذكر ان شركة "سايبا" الايرانية استطاعت ان تدخل ما لا يقل عن 170 مليون دولار الى خزينتها من تصدير 31 الف سيارة للعراق لكي نعلم لماذا الاصرار على تدمير الصناعات العراقية التي كانت في يوم ما مصدر فخر للدولة. واللبيب من الاشارة يفهم!

(*) كان اتحاد الصناعات العراقي الذي همش تماما بعد الاحتلال يجري مسحا صناعيا سنويا لصناعات القطاع الخاص واذكر ممن اشرف على ذلك المسح عبدالرزاق الربيعي وهناء الخفاجي وباسم عبدالكريم وعبدالله العيثاوي وسليم الصوافي وكان المسح يقدم صورة واضحة عن تطور صناعات القطاع الخاص التي اندثرت تماما بعد الاحتلال.