الخطاب السلفي يحرض على القطيعة مع الاّخر

ما يشبه بعبادة الأسلاف!

يحدث هذا من جراء ممارسات عديدة، ولعل من أبرزها ما يتعلق بالفتاوى الدينية التي تشرعن لـ"التصنيف السلبي" والتنميط والتعصب، وهي كثيرة جداً. ففي السياق السلفي السني نعثر على فتوى عديدة تقطع طريق التواصل والتفاعل الذي يمكن أن يعضد التعايش والاندماج الاجتماعي، فعلى سبيل المثال ما احتواه موقع الشيخ الراجحي من سؤال حول مدى جواز التفاعل مع الشيعة (أو الرافضة كما ورد في السؤال، في تصنيف سلبي عالٍ) في غرف الدردشة في الإنترنت، فجاء المنع "المغلظ" للسائل، واقتصر الجواز على العلماء الذين يطيقون المقارعة بالحجج والبراهين، وقد مضى في القول ليصل إلى فضاءات اجتماعية بصيغة "التحذير المركب"، حيث يقول "فاحذر كل الحذر من أهل البدع، ولا تجالسهم، ولا تسمع كلامهم، ولا تشهد جنازة المبتدع، ولا تزره". إذاً، الخطاب السلفي السني يروم قطيعة اجتماعية كاملة، ويسعى لحماية هذه القطيعة وتعزيزها بما يقوي "الهوية السلفية السنية" ويحافظ على مفرداتها ومغذيتها ورموزها.

وفي مقابل، ثمة فتاوى دينية كثيرة في الفضاء السلفي الشيعي ترسخ التصنيف والتنميط السلبي، ولعل منها ما جاء في موقع السيد السيستاني، حيث ورد سؤال حول ما هي الأشياء النجسة؟ وقد جاء في الجواب ما نصه "ولا إشكال في نجاسة النواصب المعلنين عدائهم لأهل البيت (عليهم السلام) وكذا الخوارج المعلنين بغضهم لذلك، وأما الكافر الكتابي، كاليهودي والمسيحي، فهو محكوم بالطهارة، وإن كان الاحتياط حسن". والملفت للنظر أنه وهو يقطع بنجاسة "النواصب" الذين هم "أهل السنة" أو "طائفة من أهل السنة" على أقل تقدير يفتي – بالنص – بطهارة "براز الحيوان مأكول اللحكم... حتى وإن كان أكله مكروهاً كالحمار والحصان ونحوهما". وحين نلتقط كلمة وردت في الجواب السابق، وهي "بغضهم لأهل البيت"، فإنه يسعنا القول إن هذا الخطاب يجتهد في صون "هوية جماعية" لأتباعه بطريقة تدفعهم إلى التمايز والافتخار بالانتساب إليها، وما يستتبع ذلك من تصنيف سلبي وتنميط وتعصب، فهم "أتباع أهل البيت" وهم "أهل الطهارة" وغيرهم على النقيض من ذلك.

وفي ركن اّخر في الفسطاط السلفي السني، نجد مقطع يوتيوب بعنوان مصنوع على ما يبدو من طرف "السلفية الشيعية"، حيث حمل "تصنيفاً وتنميطاً سلبياً"، حيث جاء كما يلي: سلفي نجس ينصح بعدم مشاهدة المناظرات مع الشيعة.

وفي هذا المقطع يتصل سلفي سني في برنامج ديني في قناة "الرحمة" ليحذر من الدخول في أي مناظرات أو مناقشات مع ما وصفهم هو بـ "الشيعة الرافضة" الذين "يدسون السم في العسل" (وهنا نجد تصنيفا وتنميطا سلبيا مضاداً)، فوافقه الشيخ السلفي على ذلك، وطالب الجمهور بعدم رؤية أي برنامج يتضمن مثل تلك المناظرات أو المناقشات. ومقطع اّخر يكشف لنا أن شيخاً سلفياً يقرر أن شرب الخمور في الخمارة أفضل من الدخول إلى غرف الشيعة للدردشة في الإنترنت، والمقطع بعنوان "العرعور: شرب الخمر في الخمارة خير من دخول غرف الشيعة". وفي الفسطاط السلفي الشيعي، نجدا منهجاً مشابهاً تماماً، ومما يؤكد ذلك وصف عالم شيعي معتدل لـ"السلفية الشيعية"، حيث يذهب إلى أنها تسعى إلى "تحقيق الحد الأعلى من الخصوصية المذهبية في الفكر والاجتماع الإنساني، لهذا نجدها تقدم القطيعة والتقوقع داخل الذات الجماعية على الاندماج الإيجاب في المحيط السني، ونجدها أيضا تركز على ظاهرة الشعائر بوصفها المفصح الحقيقي عن الخصوصية".

السلفيتان وتبادل التكفير

في هذا الجزء، أعيد التذكير بأن ما يهمنا في "الاندماج الاجتماعي" هو الشأن الحياتي والمدني لا الشأن التعبدي الديني، إذ لكل عقيدته وطقوسه الدينية. ومن ثم فلا يعنينا التوحد في أماكن العبادة بين السنة والشيعة، فهذا أمر ديني صرف، إن أمكن الاجتماع والوحدة فهو حسن، وإلا فلا كبير بأس به. غير أن ثمة سياقات روحية ذات صبغة "جماعية وحدودية" يفترض أن يحدث على جمع الكلمة فيها وتقوية إهاب الاندماج الاجتماعي كموسم الحج الجامع للمسلمين من كل الطوائف، ومع ذلك نجد أن الخطاب السلفي الشيعي – مثلاً – لا يجوز الصلاة خلف أهل السنة (النواصب)، وذلك كما جاء في سؤال وجواب في موقع السيد محمد صادق الحسيني الروحاني، وقد جاء السؤال في سياق روحي كان يتوقع أن يعزز فيه "الاندماج الاجتماعي" عبر المشاركة في الشعائر الدينية الموحدة في موسم الحج، ومع ذلك يصر هذا الخطاب على عدم إتاحة أي فرصة لتدعيم ذلك الاندماج، حيث جاء الجواب بالنص "باسمه جلت أسماؤه يشترط في إمام الجماعة الإيمان، بمعنها الأخص، ولذا لا تجوز في مورد السؤال إلا في حال التقية أو متابعته بنية الفرادى".

ومما يكرس النهج السابق أن الطرفيين السلفيين يتبادلان على المكشوف "التكفير الديني"، والأدبيات الدينية تكشف هذا جلياً لدى الطرفين، حيث الفتاوى كثيرة في كتب التراث، غير أنه يهمنا التقاط شواهد لعلماء معاصرين للتأكيد على ديمومة هذا التكفير لدى الطرفين، فلدى السلفية الشيعية – على سبيل المثال – الفتوى الموجودة في موقع السيد عبد اللطيف بري، ومما لدى السلفية السنية الفتوى المثبتة في موقع الشيخ عبد الرحمن البراك.

مما يدك أبنية التواصل والتكيف والاندماج السب والشتم للرموز الدينية، ومن شواهد ذلك ما جاء في سياق تمردفيه سيدشيعي على "السلفية الشيعية" وأكد في مقطع بعنوان "شيعي سيد يفضح الشيعة بنفسه ويقول كلمة الحق" على أن سبب الطائفية بين الشيعة والسنة قيام الشيعة – السلفيين – بسب الصحافة ولعن الخلفاء الثلاثة (أبي بكر وعمر وعثمان)، ومما يؤكد تمادي السلفية الشيعية في هذا المسلك أن مقطعاً بعنوان "السب واللعن سنة نبوية"، يظهر فيه سلفي شيعي "فارسي" لا يكتفي باللعن وإنما يلقي تهما "غير أخلاقية" بحق الخليفة الثاني عمر بن الخطاب – رضي الله عنه.

الخطاب السلفي يرسخ التعصب والعنف

حين نمعن في الرصد والتتبع للخطاب السلفي نجد أنه لا يقف عند حدود "التصنيف السلبي" والتنميط والتعصب، بل هو يعمل جاهداً لدفع الأتباع إلى ترجمة ذلك إلى أعمال عنف/ إرهاب، وهنا تكمن "الخطورة العملية" لهذا الخطاب. فمثلاً، نجد خطاباً شيعياً سلفياً يتبنى الدعوة لقتل المخالفين (أهل السنة)، فقد أظهر مقطع يوتيوب بعنوان – بالنص "خذ أسلاحك واقتل كل وهابي نجس"، وقد ذكر فيه سلفي شيعي ما نصه "...الفتوى موجودة الفتوى موجودة، محمد الصادق قالها قبل سبع سنين، قالها: الوهابي نجس، بل أنجس من الكلب... خذ أسلاحك، وقاتل كل وهابي نجس"،وجاء فيه على لسان متحدث ثانٍ "فالوهابي الإرهابي الكافر الناصبي الوحشي يجب قتله، وكل من يؤيده بنحو أو باّخر من رجل دين أو غير رجل دين يجب قتله"، والمسألة لم تقف عند هذا الحد، بل وجدنا أن هذا الخطاب يدخل العنف ضمن "الأجندة العقدية"، حيث تضمن المقطع ما نصه "ومن لا يقول بوجوب قتل هؤلاء وبوجوب قتل مؤيدهم فهو علانية يكفر بالقراّن".

وحين نطبق منهجية "تحليل المضمون"، نلاحظ أن المتحدث الأول كرر كلمة "فتوى" 5 مرات خلال 12 ثانية فقط، وهذا يعضد النتيجة التي خلصت إليها سابقاً والمتمثلة في اتكاء العقل السلفي الشيعي على "الفتاوى". وإزاء المتحدث الثاني، نلحظ الاعتماد على "التصنيف السلبي" والتنميط للاّخر، حيث تم استخدام خمس صفات دفعة واحدة "الوهابي الإرهابي الكافر الناصبي الوحشي". ومن الواضح أن ما سبق جاء كمحاولة لحشد كل ما يلزم لتعزيز "الهوية الجماعية" للسلفية الشيعية من جهة ولدفع الأتباع إلى ترجمة ذلك إلى سلوك يتمثل في "التمييز الطائفي" و"التعصب" و"العنف".

وفي الضفة الأخرى نجد أيضاً خطاباً سلفياً سنياً هو الاّخر يتبنى الدعوة لقتل المخالفين (الشيعة)، ومن ذلك ما جاء في المقطع المعنون "بدر المشاري يجب قتل الشيعة أو الجزية عندنا". وفي المقطع وجه سائل – الذي هو من الشيعة السلفيين أصلاً كما ظهر من كلامه واتجاهاته ضد الطائفة الأخرى – مجموعة من الأسئلة لشيخ سني سلفي، ومن تلك الأسئلة "شيخنا في الفترة الأخيرة احنا كتائبنا قامت تعمل بقتل بعض الرجال أو الشباب يعني الشيعة الذين يزورون أو يتعبدون المراقد، بينما الأطفال والنساء تأخذ من عندهم الجزية. هذا شىء صحيح أعتقد؟" فرد الشيخ "لا حرج، نعم. صحيح"، ثم أورد هذا الشيخ السلفي السني كلاما يفيد بأنه يعتقد بأن الروافض هم كالكلاب والحشرات ونحوها، مع تعويله في ذلك على كلام ينقله من "أحد السلف". وكل ما سبق، يؤكد أن العقل السلفي السني "مرتهن" في تصورات "تراثية" قديمة، من شأنها توريطه في اقتراف التصنيف السلبي والتنميط، والسعي لبناء "هوية جماعية"، بطريقة تجعلها متكأً للمنافسة والصراع والتعصب والتمييز والعنف.

عبد الله البريدي

مستل من كتاب "السلفية الشيعية والسُّنية بحث في تأثيرهما على الاندماج الاجتماعي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر" 2013.