من تركيا إلى جنيف 2... تواريخ ورهانات

الاجتماع الدولي في جنيف شهر يونيو حول سوريا لازالت تُطْبَخُ توصياته وقراراته في الدول المعنية بالأزمة التي أريد لها أن تكون مديرة للصراع الدولي بأدوات إقليمية، الآن وبعد دخول حزب الله اليد الضاربة لإيران إلى رقعة جغرافية خارجة عن حدود مهامه الحزبية والطائفية ارتمى في أتون المعركة استنفاذا لمهمة البروباغاندا عند عموم الأمة الإسلامية كحزب مقاوم لاسرائيل، فالأمر جاء تنفيذا لخطط مخدومة بصيغ معقدة وعميقة أكبر من الحزب وأمينه العام الذي يمكن اعتباره أداة طيعة لا أقل ولا أكثر داخل ماكينة تشكلت معالمها الأولى مع الخميني وبني صدر بفرنسا في نهاية السبعينيات وازدادت تعقيداتها في حروب إيران - العراق وسقوط هذا الأخير في العام 2003 بعد إغوائه بالخطيئة الكبرى في احتلال الكويت في العام 1990.

كنتيجة فالمهمة أكبر من اهتمامه بتعاطف الأكثرية بقدر ما هي عملية استراتيجية وتحقيقا لمعادلات كانت بوادرها كامنة في أسلوب تعامل الحزب المريب في الحرب الأهلية اللبنانية وما أظهره من ضغوطات تخدم اهدافه الاستئثارية بالقرار ضد الفرقاء داخل لبنان بعد 2006 وخصوصا في مايو- أيار 2008. فحزب الله يسارع الخطى عسكريا وأمنيا وتجييشا لطائفته بناء على معلومات وقراءة للوضع الذي سوف يكون من بعد جنيف الثانية نحو إقامة منطقة عازلة تمتد بين الساحل في اللاذقية –طرطوس- حمص- عبر القصير وصولا إلى دمشق وريفها تمهيدا لتعزيز قدرة نظام بشار التفاوضية تلبية لخطط يحافظ ويؤمن بها المصالح الإستراتيجية لإيران وروسيا وضمنيا الصين كقوة تصارع على النفوذ من وراء الحجاب وحلمه في دويلة تكون البداية لسايكس بيكو 2.

الاتحاد الأوروبي صوت على تسليح المعارضة السورية بضغط فرنسي بريطاني، وواشنطن تُؤَمِّنُ وصول جون ماكين إلى منطقة الحرب شمال سوريا من بوابة تركيا التي اكتوت بالحرب في سوريا، ويمكن اعتبار هذه الزيارة من الداعم الأساسي للحسم العسكري في سوريا وقبله بليبيا، وهذا كنتيجة عابرة لتردد الرئيس باراك اوباما على التسليح قبل لقائه مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في البيت الأبيض بتاريخ 16 مايو- أيار 2013، إنه إرهاص بقرب دخول القوة الأميركية وذلك بإعطاء الضوء الأخضر لتسليح المعارضة المسلحة بعد الاطمئنان إلى مصير السلاح تأمينا لإسرائيل وترويض إدماج المكونات المعارضة داخل الائتلاف خدمة لمن سيتسلم زمام الأمور بعد ترتيب الخريطة السياسية والطائفية والعسكرية داخل سوريا والمنطقة ككل.

توسعة الائتلاف السوري التي اعترته حجرات في مسيرة إتمام التمثيل رغم إضافة 43 عضوا جديدا للائتلاف ليصبح عدده 114 من ضمنهم 8 سيدات تتمثل فكرة انعاش المعارضة السياسية في استراتيجية تسويق فكرة صناعة القرار والمحافظة على القدر اليسير من الاستقلالية والاهتمام بجميع الفصائل إلى جانب حساسية التعامل مع توجيهات سفراء غربيين لبعض الفصائل تمريرا لمواقف معينة أو ضغط في اتجاهات ما. إعلان الائتلاف السوري بعدم مشاركته في أي مؤتمرات دولية أو أي جهود لحل سياسي يبقى مشروطا بانسحاب مليشيات إيران وحزب الله من الأراضي السورية، لكن "ريالبوليتيك" تقول عبر هذا الائتلاف بأنه ستكون هناك جهود صوب التسوية السلمية ولو بعد حين فالشروط لم تنضج بعد خصوصا ضبابية الإطار السياسي للمعارضة، نرى كذلك أن هذه المحاصصة تخدم عدم الحسم في القرار لفصيل دون آخر والوصول إلى مؤتمر جنيف 2 بإنهاك سياسي واضح يستطيع خلاله الطرف الآخر من اكتساب نقط في حساب التسوية المفترضة إذا علمنا أن رفع الحظر على السلاح ورقة ضغط في اتجاه القبول بالتسوية.

تركيا الحاضنة الرئيسة للمعارضة السياسية والمسلحة معنية أكثر من أي كان بالأزمة السورية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، تركيا السنية فوق أرضها نسبة مهمة من الطائفة المؤيدة لبشار الأسد تجد نفسها في واجهة الأحداث ولا تحتمل أن تستفيق وتجد بجانبها دولة فاشلة وبداخلها قنبلة موقوتة من راديكاليين يساريين مؤيدين لنظام بشار. تركيا التي اجتذبت باستقرارها الاجتماعي والسياسي وأدخلت عامل المصالحة التاريخية مع أوجلان إلى معادلة نهضتها الاقتصادية والاستثمارية، نرى أنها تقبض بجمر التدخل العسكري والتسوية السلمية على غرار ما قدمته لحزب العمال الكردستاني ولا تريد تكرار أحداث الريحانية..

إن الإقبال على حرب مفتوحة سواء بعباءة طائفية أو إثنية لن يكون في مصلحة الأطراف المتصارعة سواء الإقليمية أو الدولية ولن تقبل بها أميركا ولا إسرائيل إلا في حدود ما يخدم مصالحهما الأمنية والاقتصادية، ونجد أن الإقتتال على أطراف العامل الطائفي تنفيسا لعنصر الحرب الطائفية وإنهاكا لحزب الله عسكريا ونفسيا وبشريا ومن ثم تنحيته عن اللعب بقوة في الساحة اللبنانية بالأخص، فتفريغه من هالته الأسطورية التي بناها بين 2000 و2006 في المخيال الشعبي العربي والإسلامي، تفريغا كان استراتيجيا بإدخاله حرب القصير وهو مطلب إقليمي ودولي حتى يتسنى له مستقبلا لعب الدور الحزبي بلا امتداد عسكري مليشياوي وبلا رأس حربي.

هناك من يرى أن الشراكة بين نظام الأسد وحزب الله ملزمة لكليهما في الدفاع عن بعضهما، نجد أنهما وجدا نفسيهما داخل منظومة مصالحية تتعدى وجودهما الذي تضخم وهذا ما لم يستطع بشار التغلب عليه وعجز عن تجاوزه إلى عملية إصلاحية واستبدله بالحل الأمني خدمة لتلك المنظومة، وكان لزاما على القوى التي خلقتهما وأضفت عليهما شرعية ما سمي بالمقاومة أن تتخلص من كليهما تلبية لخريطة جديدة. فنظام مبارك كان مسالما وخادما لمصالح أميركا وإسرائيل ومع ذلك دعت الضرورة القصوى والكبرى إلى التخلص منه. بعد نصر السادات في أكتوبر 1973 كانت معاهدة كامب ديفيد في سبتمبر 1978 خدمة لخريطة تمهد لانهيار نظام الثنائية القطبية في اتجاه القطب الوحيد وروسيا تحاول الان لعب ورقة اللاعب المهم عبر دعم نظام بشار بالاسلحة والدبلوماسية خدمة لاهداف المواقع في عالم الغد، وبعد ما حدث في 2006 جنوب لبنان سيكون بعده تسويات تتعدى حزب الله لأنه أُقْحِمَ فيها بفعل الصيرورة التاريخية لأنه الآن عامل من عوامل إنتاج خرائط أخرى بفواعل آخرين.