القرضاوي: الدولارات... تبيح المحظورات

أن يحصل القرضاوي على الجنسية الفلسطينية - بعد أن كان مصريا ثم قَطريا- فهذا "عادي" وجائز بالمعنى القانوني في زمن الترحال المواطني، لكن مثار الاستغراب ومبعثه هو مانح الجنسية ومصدر جواز السفر: حركة حماس الحاكمة بأمرها في غزة.

دخول القرضاوي إلى غزة اعتبر من قبيل "دخول الفاتحين" والتعبير ورد على لسان رئيس الحكومة المقالة، والفاتح استحقّ التوسيم مقابل "الفتح"، فكان أن أسندَ اسماعيل هنية لرئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الجنسية الفلسطينية، وأسداها أيضا لعبد الرحمن سوار الذهب السوداني رئيس مجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية ورئيس سابق لسودان بمذاق إسلامي.

حصول القرضاوي على الجنسية الفلسطينية اعتبر تجسيدا لأن يمنح ما لا يملك لمن لا يستحقّ، بل اعتبر القرضاوي "شيخ الجهاد، وشيخ الربيع العربي، وشيخ الثورات الإسلامية" حاملا لجواز سفر مزوّر، بنفس درجة تزوير الفتوى التي أصدرها بتحريم زيارة المسجد الأقصى بحجة أنه تحت الاحتلال، ولكنه دخل قطاع غزة وهي أيضا تحت الاحتلال بتصريح وتنسيق اسرائيليين.

خلال استقبال "الفاتح بالفتاوى" قال هنية عن الشيخ العلامة "دخل غزة دخول الفاتحين المنتصرين الذين رفعوا اللواء في كل ميدان"، في استحضار مكثف بالتاريخ. لكن في الزيارة وفي جواز السفر إحالة أيضا إلى المحظورات في دلالتها الشريعة والدينية. وطالما حرم الشيخ ذاته في مناسبة سابقة تحريم زيارة أرض تحت الاحتلال ثم زارها بذاته مدججا بـ 54 شيخا من اتباعه ومريديه، فلابد ان في الأمر استثناء للمحظور، أو ضرورة ما تبيح محظورا ما.

تعامل الدين الإسلامي مع "الإباحة" من زاوية جدواها وفائدتها، وللإباحة أو لتبيّن "ضرورات تبيح محظورات" قاعدة أصولية مأخوذة من النص القرآني "إلا ما اضطررتم إليه" (الأنعام 119)، وفي الاضطرار حاجة شديدة، والمحظور هو المنهي، ومعنى قاعدة الإباحة أن الممنوع شرعا يباح عند ضرورة قصوى، وأمثلتها عديدة- ولا قرب لها مع الزيارة/أو الجواز المزوّر- وهي؛ إباحة اكل الميتة عند المجاعة، وإساغة اللقمة بالخمر لمن غصّ، وإباحة كلمة الكفر للمكره عليها بقتل أو بتعذيب.

طالما أن الضرورات المذكورة سلفا لا تنطبق على حالة زيارة القرضاوي إلى غزة المحتلة، فلابد أن دوافع أخرى دفعت إلى الزيارة وتبعا لذلك إلى الجنسية وتكريم المرافقين من عتاة الإسلام السياسي وشيوخ الإفتاء، ثم إلى إسناد جواز سفر لا تملك حكومة حماس أحقية إسناده؛ أولا لأنها حكومة مقالة، وثانيا لأن ذلك منوط بعهدة السلطة الفلسطينية أو ما تبقى منها في الضفة.

يشار هنا إلى فتح نددت بزيارة القرضاوي بسبب "مواقفه المشبوهة" حسب تعبير أحمد عساف أحد متحدثي فتح (الكثر بالمناسبة) والذي تساءل "كيف سمحت إسرائيل للقرضاوي بالدخول ومنعت رمضان شلح ونائبه زياد النخالة من دخول القطاع؟"، واعتبرت أن الجواز الذي يحمله شيخ الربيع العربي وفاتح غزة المظفر "جوازا مزورا" حيث أكد عساف أن "جميع جوازات أهلنا في قطاع غزة تصدر عن الحكومة الشرعية للشعب الفلسطيني، وإنه منذ الانقلاب لا يصدر أي جواز فلسطيني من غزة، لأنه لا أحد في العالم يقرّ بما قامت حماس من انقلاب...".

يبدو أن دوافع زيارة القرضاوي إلى غزة و"فتحها" لا ترتبط بالقواعد الدينية الأصولية التي تحدد الإباحة والضرورات التي تجيز وتسمح بارتكاب محظور أو محظورات، للأمر دوافع أخرى أقلّ وضوحا وأكثر تداخلا. للزيارة صلات بتفعيل دور حماس في ظل حكم الإخوان، وبالتوقف عن مناوشة اسرائيل (الجار الذي يفترضُ أن يكون آمنا في عرف القائمين على رسم السياسات).

زيارة القرضاوي التي حملت عنوان "رأب الصدع الفلسطيني"، عززت الانقسام وطرحت أكثر من سؤال حول "الضرورات" التي دفعت شيخا مصريا قطريا فلسطينيا-حديثا- إلى ارتكاب محظورات زيارة أراض محتلة، ولكن "الدولارات... تبيح المحظورات."