حسن نصرالله، قناة الجزيرة،... ليسوا أغبياء، ونحن كذلك!

من حق قناة الجزيرة أن تختار لنفسها الخط السياسي المتناسب مع مبادئها، ونظرتها لما تريده أن يصير العالم. من حقها أن تسلط الأضواء على ما تراه يشكل الحدث الرئيس في العالم. من حقها أن تؤيد هذا وتعادي ذاك. من حقها أن تتكتم عن حدث أو تضخم آخر. هذا كله يدخل في بوتقة الحرية الإعلامية المقدسة.

الذي ليس من حقها فقط، هو استغباء المشاهد العربي واستعباطه. الذي ليس من حقها، أن تستعمل المسؤولية الإعلامية المقدسة قنطرة لتمرير أجندة سياسية، وإلباسها لبوس نصرة الحق ومقارعة الباطل.

أنا موافق تماما على ما قاله الأستاذ المتميز محمد كريشان، الصحفي التونسي البارز بقناة الجزيرة في مقاله "نصرالله ليس غبيا ونحن كذلك"، لما خلص، إلى أنه يحترم أي موقف سياسي للسيد حسن نصرالله، إلا أنه لا يمكنه احترام إدخال الموقف السياسي في بوتقة تحرير القدس، ونصرة المظلومين، فإن ذلك لا محالة يعتبر استحماقا للمواطن العربي، مثله تماما كمن يستعمل الدين لأغراض شخصية، استعمال قضية فلسطين لاستجداء تعاطف العرب، صارت نفس المودة كاستعمال الديمقراطية والثورة وحرية الشعوب لاستجداء تعاطف نفس العرب.

بلاء الأمة عظيم، لقد ابتليت بالبعض منها نصبوا أنفسهم ناطقين رسميين باسم السماء، وبآخرين ناطقين رسميين باسم الشهامة والتضحية والبذل والعطاء، وبآخرين ناطقين رسميين باسم العدالة والثورة وحرية الشعوب، كانوا بالأمس القريب حلفاء وأولياء، وصاروا الآن ربما تكتيكا أو تنافسا وتنازعا على الإرث، أعداء وخصماء.

قصة الاستغباء، يبدو أنها قديمة وأنها أشهر القصص في تاريخ البشرية، بدءا من مقولة إبليس لسيدنا آدم، عليه السلام: "هل أدلك على شجرة الخلد، وملك لا يبلى"، إلى مقولة فرعون: "ما أريكم إلا ما أرى، وما أهديكم إلا سبيل الرشاد".

قناة الجزيرة، دخلت بيوت غالبية الوطن العربي من الباب وليس من الظهر، لما كانت مرادفة الموقف الشجاع، والدفاع عن حقوق الشعوب، والشفافية والصدق والوضوح، ولما كان يحس المواطن العربي أنها تقول الحقيقة، يضيق صدر المواطن العربي عند كل محاولة تشويش للجزيرة. وكذلك الأمر للسيد حسن نصرالله، لما كانت حرب تموز 2006، مع العدو الإسرائيلي، كانت غالبية بيوت العرب الساحقة، تنبض لكل انتصار لحزب الله على الإسرائيليين، دون الاكتراث لدين أو لطائفة أو ميل سياسي.

الأمر لم يعد بهذا الشكل، سواء طاقم الجزيرة أو السيد حسن نصرالله وأنصاره يعرفون ذلك جيدا. أيام المجد هي وراء ظهورهم، لا يحتاج الملاحظ المحايد لكثير من المجهود ليدرك أن السيد حسن نصرالله، وقناة الجزيرة، وغالبية من الإسلاميين وغيرهم من التيارات والكيانات المستهترة بقدرات الأمة على إدراك الحق من الباطل، والتمييز بين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، يشهدون كل يوم من أحداث الربيع العربي، تدحرجا في الشعبية، وتقهقرا في الأداء، وأفولا لشموسهم المتقدة من قبل، وغروبا لزعامتهم للأمة، ولم يبقَ، ولن يبقى في الوادي إلا أحجاره كما يقولون.

الأمر ليس حكرا عليهم، ولن يكون حكرا عليهم، الأمر سنة الله في خلقه، وضريبة الأمة لكل من يريد أن يترفع عنها ويستغبيها ويستعبطها، قد ينطلي الأمر على الأمة برهة من الزمن، لطيبة نوايا الشعوب، وسرعة تعاطفهم لكل من يرفع الشعارات الرنانة، واليافطات اللماعة، سرعان ما ستسقط القناع، وسيكون الأمر كذلك إلى أبد الآبدين.

أختم بالقول: حسن نصرالله، وقناة الجزيرة، وغيرهما ليسوا أغبياء، ونحن كذلك!