إرادة التغيير: عن أدلجة الثقافة والفنون

لا عجب أن توجد قوى سلطوية ليس من مصلحتها التغيير الذي ينبع من الفكر الذي يحركه الوعي، ولعل التاريخ ما زال يحفظ لنا كلمة جوزيف جوبلز وزير الدعاية النازي ورفيق هتلر حتى الدقائق الأخيرة من حياته، "عندما يتكلم المثقفون أتحسس مسدسي" أي أن المثقفين يمثلون طبقة مزعجة للكثير من الأنظمة التي تهيمن بدلًا من أن تتحاور.

وجوبلز عُرف بممارساته اللاإنسانية والتي شكلت فصلًا دمويًّا من استبداد محاكم التفتيش في التاريخ. وعُرف عنه أيضًا أنه مؤسس الدعاية والكذب الممنهج للترويج للنازية وتطلعاتها، حتى أنه يعتبر أحد الأساطير في مجال الحرب النفسية وهو صاحب المقولة الشهيرة: "إكذب حتى يصدقك الناس". وقد استطاع بدعايته وأكاذيبه أن يروج للفكر النازي الذي اجتذب الملايين من الألمان والأوروبيين.

وهذا يطرح العديد من الأسئلة: إلى أي مدى تستطيع السياسة كفكر له طبيعته من استثمار الثقافة والفنون؟ وهل من الضرورة أن يكون لكل فرد فكر يتبناه ويعبر عنه؟ وهل الفكر هو المخطط النظري المرسوم الذي ينبغي أن تكون عليه صورة الثقافات بصفة خاصة والمجتمعات بصفة عامة؟

عرف الاتجاه الفكري أو المذهبي في الفكر باسـم أيديولوجيـا وهي كلمـة دخيلة على اللغة العربية، وهي مؤلفة من جزئين "أيديو" ومعناها فكرة و"لوجيا" معناها علم، الأيديولوجيا هي علم الأفكار، واتخذ المصطلح معنًا واسعًا، فتعددت الآراء حوله إلا أنها تصب في مجرى واحد، وهو أن الأيديولوجيا: الأفكار التي تستبد بصاحبها ويحاول أن يفسر بها كل شيء حوله، وأنها المركب الفكري الذي يحيط بأبناء المجتمع الواحد في سائر شئونهم الحياتية من سياسة واقتصاد واجتماع وثقافات.. وغير ذلك، بحيث يصبح المركب الفكري موحدًا للكيان.

والفكر أو المذهبية الفكرية أو التوجه الفكري، عرفت تعاريف كثيرة؛ ربما جاء ذلك نتيجة لتطور مفهوم الأفكار ومعانيها على مر الزمان، ولأن الأفكار مسألة نسبية تنطوي على انتقائية لمفردات تاريخية وجغرافية واجتماعية وسياسية متداخلة. يقول دوتراس وهـو أول مبدع منظـر لعلـم الأفكـار: يمكـن أن نسمي العلـم المقتـرح أيديولوجيـا إذا نظرنا إلى المحتوى ونسميه نحوًا عامًا إذا نظرنا إلى الوسيلة، ونسميه منطقًا إذا نظرنا إلى الهدف، ولكل مذهب فكري وجهة نظر تفسر الواقع، وتتبنى الصياغة المستقبلية لما ينبغي أن يكون، وهي نوع من الهندسة الفكرية للتعبئة الاجتماعية والسياسية، ويحذر جون لويس كثيراً من استخدام المذهبية الفكريـة أو الأيديولوجيـا لارتباطها بالفكر المثالي، ويعني بذلك أسبقية الفكر على المادة والإفصاح عن هذا في النشاط الثقافي الإنسـاني.

والفكر الجيد هو الذي يسعى دائمًا للنظر للمستقبل.. والثقافة بتنوعها تجسد الصراعات بين الأفكار والرؤى المختلفة، وليست بنية ذهنية فقط في المجتمع، بل هي أحد مكونات البنية الكلية للنظام الاجتماعي. وإذا أخذنا مثالًا على ذلك لوجدنـا أن جزءًا كبيرًا مـن الشعر العربي القديم كان له صلة وثيقة بانتماء الشاعر لقبيلته وتبنيه لموقفها، بمعنى أن شعره صادر عن موقفه الذاتي بالنسبة لوجوده الشخصي ووجود القبيلة، من هنا فالشاعر صاحب فكر، أي صاحب إرادة لتغيير الواقع من جهة واستشراف آفاق المستقبل من جهة أخرى.

والمثقف الواعي يتمتع بحساسية شديدة، يحكمها قدر كبير من الذكاء المتقدم اللماح، ولديه القدرة على الكشف عن القوى الفاعلة في مجتمعه، ويستطيع أن يميز بين القوى التي تشده للخلف والقوى التي تجذبه للأمام.

فالمثقف بآرائه يعبر عن موقف فكري متقدم، لا يتعامل مع أوهام تجريدية زائفة يصنعها له الآخرون، ومن المقدر أن المثقف صاحب فكر ولديه قدرات خاصة وملكات فريدة تجعل منه شخصًا متميزًا في مجتمعه، يتعامل مع الأفكار والواقع، ومن المؤكد أن كل مثقف لديه مجموعة من المفاهيم يفسر في ضوئها ما يدور في مجتمعه، هذه المفاهيم بمثابة الهاديات والأفكار والرؤى الناتجة عن وعيه المعرفي. وهذا يكون واضحًا، لا شك في ذهنه ووعيه فهو يعرف جيدًا، ماذا يريد؟ وكيف يحقق ما يريد؟

إن من الخطأ أن يفرض الفرد المثقف قوالب يسير على نهجها تفكيره، فهذا يخنق حرية التفكير والاختلاف، فعلاقة التزاوج بين الفكر والثقافة أمر لا مناص منه، لكن يجب أن يكون وفق منهج من العفوية المعرفية والسجية المطلقة التي يشكلها الوعي المعرفي والوعي الذي أقصده ليس الوعي الزائف، بل الوعي الحقيقي الذي يغير إلى الأفضل.

التغيير الذي يقضي على الطبقية والمحسوبية والعفوية، ولا عجب أن تاريخ الثقافات والحضارات، يكشف عن ميل طبيعي إلى اعتبار الفن المتضمن للفكر السائد، أقل أنواع الفن أهمية وثراء، وأن الفن الرافض للفكر السائد الداعي إلى التجديد هو الأكثر أهمية وجدارة وعناية بالاهتمام والبحث والتأويل.

إن الفرد المثقف يطرح من خلال ثقافته واطلاعه ووعيه موقفًا فكريًا سياسيًا كان أو اجتماعيًا أو غير ذلك، وبالتالي هو قضية حياتية معرفية يعبر عنها بمختلف الطرق قد تكون بآرائه أو سلوكياته الاجتماعية أو في اختياراته أمام صندوق الاقتراع؛ لاختيار من يمثله وهل يتوافق مع قناعته أم لا؟

الثقافة حينئذ هي مصدر قوة الفرد. وهي جسر التواصل بين الواقع وتطلعات المستقبل في تصور عام لا ينفصل عن المجتمع؛ لأنه تصور عميق وشامل، لا يمكن إطلاقًا فصل الثقافة عن منطوقها الفكري إلا إذا استطعنا فصل الروح عن الجسد.