سقراط: الخطابة فرع من فروع الطبخ

محاكمة سقراط

"محاكمة سقراط"، يمثل هذا الكتاب مغامرة فكرية تقوم على مراجعة دقيقة وشاملة للثقافة الكلاسيكية والفكر الفلسفي الإغريقي من أجل الحرية بمعناها العام، حرية التفكير والتعبير، بالوقوف أمام محاكمة سقراط، والسؤال: ما الكيفية التي أدت إلى وقوع هذا الحادث؟ وما الجوانب الخفية في القصة؟ وطبيعة الصراع بين سقراط وقادة الديمقراطية والطبقة الوسطى؟ وما الذي لم يقله لنا أفلاطون؟ كيف تنكرت أثينا لنفسها؟

هذه التساؤلات وغيرها تستمد جذورها من اعتقاد يؤكد أنه ليس هناك مجتمع خير مهما كانت مقاصده، ومزاعمه، وإذا لم يكن رجاله ونساؤه قادرين على التعبير عما يدور داخل عقولهم.

في البداية، يقول المؤلف أي. في. ستون: الزعيم السياسي أو رجل الدولة في أي مدينة حرة كان موظفًا منتجًا، لمدة محدودة – عامًا في المعتاد – لولايته، وفيما يكون مستعدًا للاستجواب في الاجتماعات، وفي محاكم المحلفين الشعبية، بخصوص أدائه لوظيفته، وحتى في وقت الحروب، كانت السلطة الممنوحة غير مطلقة، وأن المواطنين الذين يقودهم ليسوا من الناحية القانونية، أقل منه في الوضع أو الرتبة، بل إنهم – كما يلاحظ أرسطو في السياسة – متساوون ومتماثلون؛ لأنهم يتقاسمون إنسانية مشتركة. هنا وقع أول الصراعات وأشدها أصولية بين سقراط والأثينيين.

ويشير المؤلف إلى الخلاف الثاني بين سقراط وبين مدينته، فيقول: وهو خلاف يتضمن سؤالين لسقراط – وليس للمدينة – وهما متداخلان بحيث يستحيل الفصل بينهما. أما أولهما فهو: ما الفضيلة؟ إن التعريف الوحيد الذي قدمه سقراط في محاولاته الكثيرة والعقيمة هو أن الفضيلة تساوي المعرفة، وهذا يطرح السؤال الثاني: ما المعرفة؟

ويضيف: يعرف أرسطو الفضيلة عمومًا بأنها صفة أساسية أو معينة، كذلك يعرف الشجاعة بأنها فضيلة اجتماعية، إذ يقول: "أقرب شبه للشجاعة الحقيقية هي شجاعة المواطن، فأرسطو يعرف الشجاعة طبقًا لعقيدته الوسطية، أو ما يمكن أن نسميه المنهج المعتدل المعقول".

أما الخوف من "التوبيخ" يقربنا من المصدر الآخر للشجاعة المدنية الذي استشهد أرسطو، وهو الإحساس الطبيعي بالعار – حرص الإنسان على حسن صورته في عيون إخوانه المواطنين – يقول أرسطو: إن جنود المدينة يدافعون نتيجة الإحساس بالعار والرغبة في تحقيق عمل نبيل".

ويقول المؤلف: كان يمكن لأرسطو أن يستشهد بسلوك سقراط أثناء المحاكمة ضد تعريف سقراط للشجاعة، فقد كان سقراط يعرف أن الخطر حقيقي، لكنه فضل الموت على الخضوع.

ويذكر، قال أرسطو: إن أول مؤلفي الخطابة الإغريق، هما "كوراكس" و"تيسياس" اللذان وضعا كتابيهما بعد طرد الطغاة من جزيرة صقلية في منتصف القرن الخامس قبل الميلاد.

لقد برهن "شيشرون" على أن فن الخطابة كان وليد نظام دستوري راسخ جدًّا، لكن سقراط فيما كتبه أفلاطون يحتقر الخطابة ويشن عليها هجومين كاسحين بغرض تدمير هذا الفن، أحدهما في محاورة "فيدروس" والآخر في محاورة "جورجياس".

المحاورة الأولى من أجمل المحاورات الأفلاطونية. يحدد سقراط المعرفة اللازمة للخطابة الحقيقية بدرجة لا تتوافر إلا للقلة القليلة من البشر. يقول سقراط: يجب على الخطيب أن يبدأ بتفهم طبيعة الروح وعلاقتها بالمقدس.

ومن ناحية أخرى، ففي محاورة "جورجياس" وهي أشد محاولات أفلاطون تطرفًا وحدة، ينظر سقراط نظرة متدنية للخطابة كما كانت تمارس عمليًا، حتى أن أحدًا من تلاميذه لم يحرص على أن يراه الناس مشتغلًا بها.

يقول سقراط لجوجياس، وهو أعظم معلمي الخطابة في عصره: إن الخطابة "حرفة ليس فيها شيء من الفن، لكنها إظهار لروح فطنة صبورة تميل بطبيعتها للتعامل بمهارة مع البشر، ثم يضيف سقراط "لأنني ألخص مادتها في خلاصة أسميها النفاق، هذه الحرفة، كما أراها، ليس لها فروع كثيرة، أحدها الطبخ الذي يبدو حقيقة كفن "ولكنه مجرد عادة أو مهارة.. والخطابة هي فرع منه، باعتبارها حلية شخصية وسفسطة".

ويقول المؤلف: هذا هجوم كاسح جدًّا يجعلنا نخجل من أجل سقراط، وهو مجرد إطلاق للأسماء، وليس تحليلًا جادًا، فسقراط هنا، كما هو في أغلب الأحيان، يتناول موضوعه من زاوية جانبية، فلم تكن الخطابة كلها في المجالس أو المحاكم مجرد نفاق وضيع، فبريكليس الأستقراطي الزاهد لم يكن منافقًا أو ذا وجهين.. وكليون الديماجوجي الذي أتى بعده كان قادرًا دائمًا على توبيخ أتباعه، وقد فعل ذلك مرارًا، كما نعرف من ثيوكديدس.

ويرى المؤلف، أن اسم ميلوس انحط في التاريخ كمثل كلاسيكي للظلم الوحشي الذي تفرزه الحرب والقوة السياسية، أو ما يسميه الألمان السياسة الواقعية، والتي لا تزال تستخدمها القوى العالمية.

أما ميلوس فهي دولة مدنية فوق جزيرة، وكانت إحدى مستعمرات إسبرطة وكانت بصمودها على بحر إيجة مصدرًا لإزعاج أثينا، ففي سنة 420 ق. م قامت أثينا بهجوم فاشل على ميلوس، وبعد عشر سنوات هددت بهجوم آخر وطالبت بأن تنضم قوات ميلوس إلى أثينا، وعرضوا أن يبقوا على الحياد، قام الأثينيون بمحاصرة المدينة، وبعد تجويعهم طول موسم الشتاء، استسلمت ميلوس. حدث ذلك في 416 ق. م، وكان سقراط في الثالثة والخمسين من عمره، شخصية قائدة، يلتف حوله جماعة من التلاميذ المعجبين، فهل ظن سقراط أن هذا كان عدلًا؟ هل ظن أن تدمير مدينة سبق لها الاستسلام عملًا من أعمال الفضيلة؟ من المؤكد أن المدينة كان من حقها أن تسأل سقراط.

ويقول المؤلف: أخذت السحب تتجمع على مدى ربع قرن، فقد ظهرت مسرحية "الطيور" قبل محاكمة سقراط بثماني عشرة سنة، وأوضح أرسطو فانيس والقصص التي تركها شعراء الكوميديا الآخرون، أن خروجه على التقاليد والعرف – سياسيًا، وفلسفيًا، ودينيًا – كان أمرًا شنيعًا فاحشًا. لم يكن سقراط يعمل تحت الأرض، ولم يكن منشقًا خطيرًا يوزع المنشورات. كانت آراؤه تسمع في "زوايا الشوارع" وفي الباليسترا حيث يتجمع شباب رياضيون لتلقي تدريباتهم.

لكن الآن لا يمكن لأحد أن يصدق أن هزل الشعراء هو الذي أوصل سقراط للمحاكمة إلا متحذلق قد انعدمت عنده روح المرح، فعندما صور "إيوبوليس" في صورة رجل "يتأمل" كل شيء دون أن يفكر في أن يأتي بطعامه، جاءت النكتة خشنة وجارحة قليلًا – وهو أمر مألوف كثيرًا في الكوميديا – لكنها لا تعني في الأساس اتهامًا وتجريحًا.

إن إلقاء تبعة مصير سقراط على كاهل شعراء الكوميديا هو أشبه بإلقاء "مسئولية فشل أحد السياسيين على الصورة السيئة التي رسمها له فنانو الكاريكاتير بالصحف".

ويذكر المؤلف: كان أنيتوس هو أبرز المدعين الثلاثة ضد سقراط في أثينا، أما الشخصان الآخران ميلتيوس ولا يكون، فكانا من الناس المغمورين اللذين لا يعرف عنهما إلا أكثر قليلًا عما حكاه سقراط عن نفسه في محاورة "الدفاع".

ويضيف: في محاكمة أي مجرم أثيني، كان يتم التصويت مرتين، المرة الأولى حول الإدانة أو البراءة. وإذا كان القرار من جانب الإدانة، يجري التصويت ثانية لاختيار نوع العقوبة.

والمفاجأة الكبرى في محاكمة سقراط هي انقسام أعضاء المحكمة حول المسألة الأولى الأساسية. أما سقراط، فكما يصرح أفلاطون في "الدفاع" كان يتوقع الإدانة، فسقراط يقول للمحلفين إنه "لم يُفاجأ بهذا" والذي فاجأه حقًا هو أن كثيرًا من الأعضاء قد أعطوا أصواتهم لصالح البراءة.

وفي ختام هذا الكتاب، يجيب المؤلف على تساؤل، لماذا فوجئ سقراط بنتيجة التصويت النهائي بالإدانة؟ إجابة هذا السؤال لا توجد في محاورة "الدفاع" لأفلاطون ولكن إذا رجعنا إلى "دفاع" "زينوفون" فسوف نعثر على أحد المفاتيح.. يقول "زينوفون": لأن سقراط يريد الإدانة وبذل قصارى جهده لاستعداء المحكمة ضده، لسوء الحظ أن شهادة "زينوفون" قد تم التعتيم عليها بسبب خطأ في ترجمة إحدى الكلمات: هذه الكلمة "Megalegoria" التي ظهرت ثلاث مرات في الفقرة الأولى، وقد تضاعف الخلط والتشويش بسبب رشاقة الأسلوب وعذوبة اللفظ مما جعل المترجمين يميلون إلى نقل الكلمة بمعنى مختلف كل مرة.

كتاب "محاكمة سقراط" للكاتب أي. في. ستون – ترجمة نسيم مجلي – صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في 305 صفحات من القطع الكبير. (خدمة وكالة الصحافة العربية).