تحليل أزمة المختطفين: صراعات فريق الأزمة

* تشخيص الأزمة

- اختطاف ستة أفراد من جنود الأمن المركزي، وعريف متطوع بالقوات المسلحة، بواسطة «مجموعات» من المنتمين للسلفية الجهادية من بدو شمال سيناء.

* وقائع الاختطاف

- أكمنة من عدة أفراد كانت تستوقف سيارات نقل الركاب في الطريق، وتطلب بطاقات الركاب فيُظهر المجندون بطاقاتهم العسكرية، ومن ثم يتم اصطيادهم.. وبعدها تجميعهم في نقطة واحدة لدى مجموعة إرهابية أخرى غير الذين استوقفوهم.

* الخلفيات

- وضع شديد التوتر أمنيا واجتماعيا في شمال سيناء خصوصا، وسيناء عموما، نتيجه لأزمة ممتدة للإقليم، الذي شهد عمليات إرهابية مستمرة ضد خطوط الغاز ووحدات الشرطة قبل 27 يناير2011، تصاعدت في ذلك اليوم، واستمرت تستهدف كل مظاهر الدولة، وبلغت مستواها الأعلى في رمضان الماضي عند استشهاد 16 مجندا مصريا على يد مجموعة من الإرهابيين في عملية نوعية عابرة للحدود.

- استغل الرئيس محمد مرسي أزمة استشهاد الجنود الـ 16 وأطاح بعدد من قيادات القوات المسلحة والمخابرات وحولها - الإطاحة- إلى إداة لتثبيت حكمه، وتعهد علنا بتطهير سيناء ورد الدم، وقال بعد أيام من استشهاد الجنود إنه سيقود عملية الثأر بنفسه.

- تسريبات مختلفة، وإعاقات متنوعة، وفّرت انطباعات لدى الرأي العام المصري أن السلطة تتستر على قتلة الجنود الـ 16، أو على أقل تقدير تتكاسل في أن توفر غطاء سياسيا للتحقيقات أو غطاء مطلوبا لعملية مواجهة الإرهاب في سيناء.

- ضغوط مكثفة من القوات المسلحة في اتجاه حركة حماس، واستهداف علني للأنفاق، واعتبار ذلك حماية للأمن القومي، في ذات الوقت الذي تنامى فيه الربط بين عملية قتل الجنود وحركة حماس، إضافة إلى الربط بينها وبين اختطاف الضباط الثلاثة وأمين الشرطة يوم 28 يناير.

- تداخل أطراف خارجية مع وضعية الأمن في سيناء، من جانب حركة حماس المتهمة بالارتباط مع جماعات السلفية الجهادية في سيناء، ومن جانب إسرائيل التي ترتبط باتفاقية سلام تفرض وضعا خاصا لتواجد قوات الأمن في سيناء، ومن جانب الولايات المتحدة الضامنة لاتفاق السلام «المصري - الإسرائيلي» التي عرضت خلال زيارة وزير الدفاع هيغل الأخيرة التعاون في تدريب الجيش على مكافحة الإرهاب.

- صعود تخوف أمني عام من أن تتحول سيناء إلى مقصد لمجموعات تنظيم القاعدة في ضوء الضغوط التي تواجهها في اليمن، واحتمالات مستقبلها في سوريا.

- تخوفات مصرية عامة من أن يتم تدويل ملف سيناء وفقدان السيطرة عليها نتيجة لانهيار الأمن وانعكاسات ذلك إقليميا.

- ارتفاع مستوى مطالبات الرأي العام للقوات المسلحة بأن تتداخل في المعترك السياسي لإحداث تغيير في وضعية الحكم، وارتفاع شعبيتها، وتعليق آمال كبيرة في هذا السياق على قيادة الجيش.

- تنامي وصعود حملة «تمرد» التي تطالب بسحب الثقة من الرئيس محمد مرسي وما يمثله ذلك من ضغط سياسي عليه في ضوء استهداف المعارضة الشعبية أن تدفعه لانتخابات مبكرة في نهاية السنة الأولى لحكمه.

- بدء حملة الدعاية الإخوانية لما يُعرف بمشروع تطوير محور قناة السويس وتأثير هذا على سمعة المشروع الذي يواجه أصلا رفضا عاما داخل مصر وبين قطاعات مختلفة من الرأي العام.

- ارتفاع مستوى الضغوط من جماعات حلفاء حكم الإخوان على الإخوان للمطالبة بأنصبة في الحكم وتلبية مجموعة من الديون السياسية التي تعود إلى مرحلة الانتخابات الرئاسية، وبعد أن مارست هذه الجماعات نوعا من الابتزاز للقوات المسلحة إذا استجابت لمطالبات الرأي العام بأن يتداخل في الوضع السياسي. هذه الجماعات لها ارتباطات مباشرة وغير مباشرة مع مجموعات السلفية الجهادية في سيناء.. في أقل تقدير على المستوى العقيدي.

* أهداف إدارة الأزمة

- منطقيا يكون مطلوبا من فريق الأزمة تحرير الرهائن + ملاحقة الخاطفين + استعادة زمام المبادرة الأمنية في سيناء لبدء عملية سيطرة واسعة النطاق تقضي على التهديدات الاستراتيجية لمستقبل شبه الجزيرة.

* الخيارات

- عملية تفاوض لتحرير الرهائن، أو الدخول مباشرة في عملية عسكرية لتحرير الرهائن قد تنتهي بمقتل الرهائن ومقتل الخاطفين /القبول بوضع معلق لفترة طويلة من الوقت دون تفاوض أو عمل عسكري /التفاوض تحت التهديد بعمل عسكري /التفاوض الذي لا يقود لعمل عسكري وينتهي بتحرير الرهائن.

* الضغوط

- اعتبار الرأي العام أن هذا تحدٍ لهيبة الدولة يفترض القيام بعمل عسكري واسع النطاق، ليس فقط من أجل تحرير الرهائن، بل من أجل السيطرة على سيناء ولو أدى ذلك إلى مقتل الرهائن.

- انعدام خبرة مدير الأزمة المفترض في إدارة الأزمات (الرئيس)، ما يوجب على فريق الأزمة أن يبدأ التعامل مع الأزمة من نقطة تعريف الرئيس بأساليب إدارتها، فضلا عن عدم خوضه أزمات مماثلة من قبل.

- تناقض أهداف فريق إدارة الأزمة مع أهداف مدير الأزمة. هو يتعامل معها سياسيا والفريق يتعامل معها باعتبارها تحديا للأمن القومي.

- اعتقاد جماعات سياسية محددة أنه يمكن أن تتحول هذه الأزمة إلى اختبار تحدٍ لقيادة الجيش ما يؤدي إلى تحميلها المسؤولية عنها وتكرار سيناريو أغسطس الماضي حين ضحى الرئيس بقيادة الجيش بعد استشهاد الجنود الـ 16، ومن ثم تخفيف الضغوط السياسية التي يسببها الجيش للحكم.

- قيام مدير الأزمة بتقليص الأهداف منذ اللحظة الأولى للأزمة، وكشف ظهر إدارتها بتصريحات المتحدث الرسمي للرئاسة عن أن الهدف هو حماية أرواح المخطوفين والخاطفين وهو ما لم يتم التراجع عنه.

- ضغوط على مؤسسات الدولة من قبل حلفاء الحكم للإفراج عن المتهمين والمعتقلين والمدانين الذين يطالب بهم الخاطفون، ومن ثم انهيار منظومة قانونية كاملة في مواجهة الجماعات الإرهابية.

- الإعلان عن أن مساعد رئيس الجمهورية عماد عبدالغفور يتفاوض مع الخاطفين من أجل تحرير الرهائن وانعكاس هذا ضغطا على إدارة الأزمة.

- الضغط المتمثل في أن مقتل الجنود المختطفين سوف يفقد مؤسسات الأمن أي قدرة سيطرة على المجندين المكلفين بالعمل في شمال سيناء ما يهدد المنظومة الأمنية كلها في شبه الجزيرة أكثر مما هي عليه.

* المناخ المحيط

يمكن اعتبار عناصر المناخ المحيط ضمن عوامل الضغط الإضافية على إدارة الأزمة.

- حملة إخوانية على القوات المسلحة، استهدفت القائد العام وتحميله المسؤولية لإبعاد المسؤولية عن القائد الأعلى القانوني وهو الرئيس.

- ضغط احتجاجي مارسه جنود الأمن المركزي عند معبر رفح بإغلاقه لأول مرة شعبيا مساندة لزملائهم المختطفين، ما مثل ضغطا على حركة حماس وقطاع غزة، انعكس فورا في تبرم إخواني وحمساوي متزامن.

- زيادة المطالبة من الرأي العام بعملية عسكرية لقتل الخاطفين ومواجهة الجماعات السلفية الجهادية المسلحة، ولم يضع الرأي العام أي اعتبار لأرواح الجنود.

- إعلان أحد آباء المختطفين احتساب ابنه شهيدا وأنه يريد الانتقام من خاطفيه.

- شيوع انطباع عام بوجود خلافات داخل فريق إدارة الأزمة، أو للدقة بين مديرها المفترض وبقية عناصر الفريق، وأكد ذلك تصريحات رسمية قالت إنه لا توجد خلافات بين مؤسسات الدولة في إدارة الأزمة وصدرت هذه التصريحات عن مؤسسة الرئاسة.

- التزام القوات المسلحة حالة صمت تام وإظلام إعلامي.

- تكثيف الاهتمام الإعلامي العنيف بالأزمة.

- تحول الرأي العام إلى تحميل الرئيس المسؤولية المباشرة عن الأزمة والتسبب فيها نتيجة لقرارات العفو التي أصدرها عن متهمين سابقين بالإرهاب.

* مسار الأزمة

- اجتماعات لإدارة الأزمة بين الرئيس والقائد العام ورئيس المخابرات.. حولها معلومات ملتبسة.

- الرئيس يدعو لحوار وطني حول إدارة الأزمة في محاولة منه لتخفيف الضغوط عليه من التيارات الدينية.. إذ لم يحضر غيرها تقريبا هذا الاجتماع باستثناءات بسيطة.

- تأخير صدور «أمر القتال» أثبت أن الأزمة ليست فقط في تحقيق أهداف إدارة الأزمة وإنما أن هناك أزمة داخل فريق الأزمة.

- الرئيس يجتمع مع قيادات دينية (شيخ الأزهر والمفتي في الصدارة، حيث أكد كلاهما على وجوب الحزم.. ما يتناقض مع اتجاه الرئيس في إدارة الأزمة).

- بدأت القوات المسلحة تحريك قواتها كنوع من الضغط على الخاطفين باعتباره خيارا قد يتم اللجوء إليه، في ذات الوقت الذي كان فيه مدير الأزمة يصر على اللجوء لخيار التفاوض والقنوات الخلفية مع الخاطفين.

- وزع الخاطفون شريط فيديو للمخطوفين استهدف التوسل للرئيس وتحميل المسؤولية لقيادة الجيش وممارسة الضغط المعنوي على فريق الأزمة وتحفيز الرأي العام.

- فنيا أدى ظهور الشريط إلى الوصول لمعلومات مؤكدة عن موقع الخاطفين، عن طريق التتبع الرقمي.

- فنيا كذلك تم التوصل إلى احتمالات موقع المسكن الذي يأوي المختطفين عن طريق معلومات متوافرة لدى القبائل والمباحث الجنائية والمخابرات الحربية، من خلال ملامح الجدران.

- تحركت مجموعات قتالية للشرطة ومجموعات متخصصة في مكافحة الإرهاب وتوزعت المهام بحيث يكون النسق الخارجي للقوات المسلحة والنسق التفصيلي في حالة الاشتباك لقوات الشرطة.

- وظف فريق الأزمة وسائل الإعلام في عملية ضغط معنوي واسعة النطاق على الخاطفين.

- صدر تحذير أخير للخاطفين عبر صفحة «أمن القوات المسلحة» مثّل عرضا واضحا بالإفراج عن الرهائن أو بدء عملية عسكرية واسعة النطاق.

- لم تكن قوات الشرطة في حاجة إلى أمر قتال رسمي يصدر من مدير الأزمة.

- ضاق الخناق على الخاطفين، ومُنحوا فرصة الساعتين للإفراج عن المخطوفين، أو أن تبدأ عملية عسكرية.

- بدأ الخاطفون الإفراج عن المجندين وطلبوا فتح الطريق لبدء فرارهم ورُفض الطلب إلا بعد أن يتم الإفراج الكامل عن المجندين.

- بعد تمام الإفراج، قدم المخطوفون معلومات أولية للمستجوبين من المخابرات الحربية، بينما كان يقوم عدد من «الترزية» بتجهيز ملابس جديدة وتعديل مقاسات ملابس موجودة بمخازن معسكر للأمن المركزي.

- تم إبلاغ الرئيس بالإفراج عن المجندين وقد كان نائما.

* النتيجة المباشرة

1- الإفراج عن المختَطفين السبعة دون إسالة أي قطرة دم أو التضحية بأرواحهم.

2- فرار الخاطفين.

3- غضب الرأي العام الذي تم تجهيزه معنويا لمعركة طويلة المدى.

4- بدء تسويق إعلامي إخواني بأن وجهة نظر الرئيس قد ثبتت باعتباره أصر على التفاوض وعدم إطلاق النار.. وشيوع انطباع عام بأن ما جرى تمثيلية.

5- صعود نداءات من الجماعات المتحالفة مع الحكم بأنه إذا كان الرئيس ليست لديه مشكلات مع مؤسسات الدولة العميقة، لماذا لا ينفذ استحقاقاته لها.

6- إعادة فتح معبر رفح بعد أن تم إغلاقه شعبيا.

7- بقاء المتهمين الذين طلب الخاطفون الإفراج عنهم قيد السجون.

* النتائج غير المباشرة

- الوضع الأمني المنهار في سيناء كما هو.

- بقاء الوضع القانوني للتواجد الأمني الذي يستوجب تعديلا وتفاوضا مع إسرائيل والولايات المتحدة.

- لم يتضح بعد ما إذا كان قد توافر للأجهزة المعنية غطاء سياسي للقيام بمهماتها التي لم تتم منذ عام في سيناء.

- توافر غطاء شعبي واسع النطاق - في ظل الغضب - للقيام بأي عمل من أجل استعادة الأمن في سيناء ومهما كانت تبعاته.

- ثبوت قدرة مؤسسات الدولة الأمنية على العمل معا، وتجاوز خلفيات كانت قد تسببت فيها أحداث ما بعد 28 يناير 2011.

- إقرار الرئيس علنا بقيمة ودور تلك المؤسسات وتقديم الشكر لها ما يتناقض مع الحملات الإخوانية المستمرة.

* ملاحظات أخيرة

- قد يكون فريق الأزمة أدار المرحلة الأخيرة من الأزمة دون إطلاع مدير الأزمة على التفاصيل.

- صراع المؤسسات كان واضحا فيما بين القوات المسلحة والرئاسة حين أعلن الجيش عن استقبال المجندين في مطار ألماظة ثم أعلنت الرئاسة أن الرئيس سوف يستقبلهم. تأكد هذا بإصرار الرئاسة على أن يتم إلغاء المؤتمر الصحافي المقرر للمتحدث باسم الجيش وأن تستضيف هي مؤتمرا صحافيا للمتحدثين، حيث تولى الأمر المتحدثان باسم الجيش والشرطة، ولم يقل المتحدث باسم الرئاسة شيئا.

- الاحتفال العام بعودة الجنود المخطوفين كان« مأتميا».

- أهم أسباب الشعور العام بالإحباط نتج عن الخطة الإعلامية لإدارة الأزمة، التي سميت بـ «الخداع الاستراتيجي»، كان هذا ابتذالا لتعبير له رونق تاريخي باعتباره أساسيا في ذاكرة حرب أكتوبر.

- الخطاب الإخواني بشأن «تكامل المؤسسات» لم يلق الصدى الكافي بين فئات الرأي العام.

- عبرت قيادة الجيش خيار تحميلها الخسائر البشرية المتوقعة نتيجة لعملية عسكرية في تحرير الرهائن.

- عودة الأزمة السياسية لمواصلة تفاعلاتها، وبالإجمال أزمة الحكم، وفي العمق منها الضغوط الخدمية والاقتصادية.. لحين إشعار إرهابي آخر.. أو استحقاق 30 يونيو الشعبي.. أيهما أقرب.