العبودية في موريتانيا مأساة في زمن الحريات

قصة لم تنته

نواكشوط ـ أجرى الناشط الحقوقي ورئيس المبادرة الانعتاقية في موريتانيا بيرام ولد الداه ولد أعبيد جولة اوروبية أطلع خلالها عدة هيئات وبعض الشخصيات الأوروبية الرسمية على وضعية حقوق الانسان في بلاده واستمرار العبودية وسياسة الممانعة في تطبيق القوانين والمعاهدات المناهضة للرق التي ما انفكت تلتزم بها الحكومات الموريتانية وإقصاء وتهميش مجتمع الحراطين (العبيد السابقين).

ومازال العديد من السود الموريتانيين يعيشون أرقاء رغم أن موريتانيا أبطلت الرق في عام 1981، لكنها كانت لا ترى في إمتلاك شخص لآخر جريمة حتى عام 2007.

وجاء أول إلغاء حقيقي للعبودية في عام 1982 خلال حكم الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيدالة، لكن ومع مرور السنوات، يؤكد نشطاء حقوق الإنسان أن حالات عديدة من العبودية ظلت قائمة وممارسة بشكل فعلي في أنحاء موريتانيا.

ودعا الناشط الحقوقي بيرام ولد الداه ولد أعبيدي المجتمع الدولي إلى دفع موريتانيا إلى القطيعة مع النفاق، وجعل قوانينها الوطنية متماشية، ليس فحسب مع التزاماتها الدولية التي صادقت عليها، لكن أيضا مع زعمها بأنها جمهورية إسلامية، وذلك بانصياعها لتعاليم المساواة والعدالة والإنسانية التي بشـّـر بها الإسلام النقي.

ويزخر معجم اللهجة الحسانية (اللهجة المحكية في موريتانيا) بمصطلحات تحيل الى أن المجتمع لم يتخلص من هذه الظاهرة التي تنبذها المجتمعات الانسانية وتحرمها القوانين الدولية، فكلمة "عبد" تعني الشخص الواقع تحت سلطة الرق، بينما تحيل كلمة "حرطان" على الحر الذي سبق وأن أسترق، أما كلمتي "سودان" و"خظارة "فتحيلان على سواد البشرة التي تميز الفضاء الاجتماعي للأرقاء عبيدا وحراطينا، ما يعني أن العبودية لا تزال في القرن 21 بمفهومها القديم واقعا مرّا بالنسبة لعشرات آلاف من المواطنين في موريتانيا.

وتعاني عديد الفئات من ظلم العبودية منهم "الحراطين" التي تشكل أكثر من نصف السكان، حيث يبلغ عددهم نحو ثلاثة ملايين نسمة.

وتضم هذه الفئة مجموعة العبيد والعبيد السابقين الذين كانوا في ملك عشائر عربية وبربرية، حيث كانت في الماضي ولا زالت تمارس عليهم نظام الاستعباد.

وهناك أيضا فئة الزنوج، على غرار قبائل البولار والسونكي واللوف والبمبرة، و توجد داخل هذه القبائل فئات تستعبد بعضها البعض.

وأبدت الامم المتحدة في تقرير أُعد سنة 2012 ونشر مؤخرا قلقها "لأن عددا كبيرا من الأشخاص يعملون في أوضاع الرق بحكم الواقع"، مؤكدة أن ذلك هو حال العديد من الأسر، وذلك على الرغم من اعتماد قانون تجريم الرق لعام 2007.

و"يساور اللجنة \'تابعة للأمم المتحدة\' قلق ايضا إزاء العدد الضئيل للمحاكمات بموجب هذا القانون على الرغم من دخوله حيز النفاذ في عام 2007".

ويؤكد متابعون للشأن الموريتاني أن وضع حقوق الإنسان مستفحل جدا وخطير، حيث هناك انتهاكات لحقوق الإنسان بما في ذلك الممارسات العنصرية والتمييز بالولادة وبحق الذين سبق أن تحرروا من ممارسات العبودية، وهم أكثرية الشعب الموريتاني.

ويتهم بيرام ولد الداه ولد اعبيد الدولة والمجتمع في موريتانيا بتشريع الاستعباد، لأنهما يعتمدان على التقاليد والعادات الاستعبادية، من قانون الشرف عند النبلاء، الذي ينص على أن هؤلاء لا يقومون بالأعمال الشاقة، ولا يعملون تحت أشعة الشمس الساطعة.

وتشرع هذه العقلية امتلاك العبيد والمتاجرة بهم وتشغيلهم بدون أجر ووطأ النساء الأمات بدون عقد زواج. كما تشرع أيضا تفريق الأسر واستغلال العبيد ورفض إعطاء العبيد الحق في الملكية وتقديم الشهادة.

وهناك أيضا التمييز العنصري ضد الزنوج الممارس من قبل الأقلية العرقية التي تسيطر على السلطة داخل موريتانيا، مثل التهجير والقتل وانتزاع الملكيات والحرمان من حق المواطنة.

ويبدو ان الساسة يستغلون هذا التقسيم الطبقي لاغراضهم السياسية والانفراد بسدة الحكم خاصة وان المجموعة الحاكمة تتكون من اقلية عربية بربرية تحكم في الاكثرية.

ويرى محللون ان الطبقة الغنية والماسكين بزمام الحكم يقيمون نمط عيشهم على واقع الاستعباد، بحيث يسمحوا لانفسهم بامتلاك العبيد وتشغيلهم، لذلك فلا يمكن لهؤلاء أن يجرموا أنفسهم بأنفسهم.

ويقول بيرام الده أعبيد، مؤسس "مبادرة المقاومة من أجل الانعتاق" وعضو بارز في منظمة "نجدة العبيد" "أعتقد أنه حينما تفكك العبودية ويكون لكل شخص صوت، فإن الأقلية سوف تفقد الكثير من الامتيازات التي اقتطعتها على حساب مجموعات "الحراطين" والزنوج بالدم والحديد والدموع في كل المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية".

ويؤكد "أن استمرار سلطة الأقلية في غرب إفريقيا رهن بنظام الاستعباد فيها. وحينما يتم تفكيك هذا النظام ويتحرر العبيد فستفقد هذه المجموعات امتياراتها الكبيرة وسلطتها".

وتحاول منظمات غير حكومية وناشطون حقوقيون وتيارات سياسية مقاومة العبودية في موريتانيا لانه من الظلم ان أن تمتلك شخصا، وأن تبيعه أوتهبه أو ترهنه، وتتنازل عنه لآخر وأن تعرضه للعنف وتطبّق فيه عقوبات جسدية والاستغلال الجنسي والأعمال الشاقة والمهينة وتمنعه من التعليم والزواج والسفر.

وعينت الحكومة الموريتانية مؤخرا وزير الاتصال السابق حمدي ولد محجوب على رأس الهيئة الجديدة المكلفة بمحاربة آثار الرق، وهي الخطوة التي لقيت مناهضة واسعة من قبل النشطاء المناوئين للعبودية في موريتانيا، حيث نظموا العديد من الوقفات الاحتجاجية خاصة أمام القصر الرئاسي.

ويرى هؤلاء أن أي هيئة معنية بمكافحة الرق ومعالجة آثاره يجب أن يتولى إدارتها وتسييرها أحد أبناء هذه الشريحة، الأكثر معرفة وخبرة بما تعانيه من مظالم، وما تحتاجه من برامج.

وتنفي الحكومة الموريتانية بشدة وجود العبودية في البلاد وهي تعترف فقط بوجود آثار اجتماعية واقتصادية لهذه الظاهرة التي كانت شائعة في دول الساحل الإفريقي، وقد جرى إلغاء الرق في موريتانيا غداة الاستقلال، وفي قوانين لاحقة أقرّتها الأنظمة التي تعاقبت على الحكم في موريتانيا.

اعداد: لطيف جابالله