هل تتصالح حركة النهضة مع تونس؟

دار جدل في تونس، ويدور دائماً، حول الصدفة التاريخية التي أتت بحركة النهضة إلى الحكم في تونس. الجدل شبيه بذلك المتعلّق بارتقاء الإخوان المسلمين في مصر إلى الحكم. والجدل تقليدي مُمل يشكك بتوقيت إلتحاق النهضويين بالحراك التونسي ومساهمتهم الحقيقية في تفجيره. ولأن الجدل عقيم، فإن صناديق الإقتراع بالنهاية، حددت وجهة الحكم وهوية أصحابه، ولذلك، كما في مصر، أسبابٌ تتصل بالقدرات التنظيمية التي لم تمتلكها الفصائل الأخرى، ناهيك عن العامل الديني المتجذّر في ثقافة تونس كما في ثقافة مصر.

يصطدم تنظيم راشد الغنوشي بحقيقة تونسية لم يتنبه لها. ولئن أتت الانتخابات وشروطها تقدم "النهضة" فصيلا قائداً للإئتلاف الحاكم، الا أن تقاليد مدنية نقابية حزبية عتيقة وقفت تصدّ طموحات الإسلاميين في الهيمنة على بلد إمتاز بعيداً ما قبل الإستقلال بخصوصية وسطية (منذ انفتاح امبراطورية قرطاج على ثقافات اليونان وروما قبل 3 آلاف عام) جعلت منه حالة "شاذة" ليس عن دول المشرق العربي فقط، بل حتى عن دول الجوار المغاربي أيضا (تونس أول دولة عربية تسنّ دستورا وقوانين مدنية لتنظيم الدولةً(.

بات الشارع موطن ذلك الصدام والشاهد على هذا التناقض الشفاف بين "غزوات" الأسلمة والدفاعات المدنية للمجتمع التونسي. تعرّض الوجه الحداثي لتونس في الإعلام والسينما والمسرح والفن التشكيلي وغيره لغارات تشنّها في ليل جماعات الإسلام الجديد الوافد على يوميات التونسيين. في هذا الكرّ والفرّ وقفت "النهضة" تناور بارتباك ما بين تحالفها مع ذلك التأسلم المُمارس في الشارع من قبل السلفيين (الذين يقومون في الصفوف الأمامية بما لا يعترض عليه الغنوشي وصحبه في الصفوف الخلفية)، وبين أصول الحكم وشروطه الداخلية (سواء المتعلقة بتحالفاتها في تشكيل ترويكا الحكم أو في مماحكاتها مع المعارضة)، وتلك الخارجية (المتصلة بسمعة الحكم الجديد في تونس على المستوى الدولي وتداعي ذلك على منظومة العلاقات السياسية، ولا سيما الاقتصادية مع الخارج).

يكتشف النهضويون أن الصدفة التاريخية التي أوصلتهم إلى حكم تونس أسهل بكثير من تمرين الحكم وإمكانية الإستمرار فيه. ربما في تجربتهم كحاكمين بداية فهم لسلوك الديكتاتورية والديكتاتوريين في الحفاظ على الحكم. ربما أيضاً، أنه لو كانت ظروف الراهن تسمح بذلك، لكان الحكم الإسلامي في تونس مارس ما يُمارس في أنظمة إسلامية أخرى من قمع وتهميش واقصاء (من خلال الفتاوى والخطاب الديني المقدس) لتحريم البدائل وحتى اشعار آخر. لكن واقع الحال في تونس، من حيث قوة الطبقة الوسطي، وارتفاع الوعيّ المدني، ومتانة التواصل الاقتصادي والثقافي مع أوروبا، وعراقة التجربة النقابية..إلخ، تدفع بالغنوشي وصحبه على التسليم بالتعايش مع الأمر الواقع ومحاولة تغييره بدأب لتحويله إلى أمر واقع آخر.

على أن جذور الحراك التونسي منذ تفجره في اللحظة "البوعزيزية" هي جذور اجتماعية أكثر منها سياسية. السياسة إلتحقت، وفق منطق الأشياء، بحراك كان يروم الدفاع عن لقمة العيش والخلاص من شظف العيش وسط أدغال الفساد والإثراء الفاحش المحمي من الطبقة الحاكمة. لم تكن شعارات الحراك الأولى تتحرى اسقاط بن علي السياسي من اجل اقامة حكم سياسي بديل (كما حال الناصرية أو البعثية أو الشيوعية أو حتى ولاية الفقيه)، بل كانت تثور على نظام عيش ظالم، بالمعنى الاجتماعي، تحميه سلطة حكم.

وفق ذلك يمكن فهم استمرار الصراع داخل الثورة. ووفق ذلك ممكن توقع اندلاع ثورات أخرى في تونس، كما في بقية بلدان "الربيع العربي"، ذلك أن أسباب الثورة لم تزل، وما زالت الألغام الإجتماعية ماثلة تطفو تكشف عن نفسها من خلال سلسلة اضرابات في المؤسسات الاقتصادية التونسية تشتعل وتخبو، ومن خلال إغلاق مئات المصانع، ومن خلال تظاهرات شعبية مطلبية مناطقية بات بعضها يترحم على حقبة بن علي، ومن خلال تفاقم مستويات البطالة، وعودة أكثر من 600 ألف عامل من ليبيا، ومن خلال تراجع المداخيل لا سيما السياحية منها.

في غياب حلول جذرية سحرية للمعضلة الاقتصادية، وفي تحفظ دول العالم على الاقبال على الاستثمار في دولة يغيب عنها الاستقرار ولا تفصح عن ملامح مستقبلها السياسي، يجري اللجوء إلى المتيسّر والمرتجل والآني، تارة باسترجاع أصول الرئيس المخلوع، وتارة باستدراج تمويل قطري، وتارة بمحاولة تذكّر ضرورات الفضاء الأوروبي الغربي والمؤسسات المالية الدولية والإقليمية. وفي السعيّ لحل المشكلة الحقيقية للثورة يكتشف الحكام الجدد ضحالة خطابهم الشعبوي المعارض سابقا، أمام واقع الأرقام وأصول الحكم وحقائق العلاقة مع العالم.

وعليه يختلف خطاب "النهضة" الحاكمة عن "النهضة" المعارضة. قيل أن فلسفة السلطة فرضت على راشد الغنوشي، حين زار واشنطن، منطقا براغماتيا واسعا في مقاربة شؤون العالم واستحقاقات العرب لا سيما الصراع مع اسرائيل. يجاهر النهضويون بفخر بأنهم مع التعدد ولا يعملون على احتكار السلطة وينفون تهم "التغوّل" التي تطلق ضدهم (حمادي الجبالي). تأخذ "النهضة" مسافة واضحة من الحراك السلفي (لا سيما إثر إغتيال القيادي اليساري شكري بلعيد، ومؤخرا في أعقاب المجابهات الخطيرة في منطقة جبل الشعانبي) إلى درجة المواجة مع جماعة "أنصار الشريعة" وملاحقة زعيمها أبوعياض (اسمه الاصلي سيف الله بن حسين)، دفاعا عن منطق الدولة وأصولها ومؤسساتها. فيما يتقدم الغنوشي مطمّئنا التونسيين ومن يهمّهم الأمر أن المسوّدة الثالثة للدستور تقوم على مبدأي الإسلام والحداثة. وعليه تجري "النهضة" استدارة واضحة هدفها المصالحة مع داخل ما بعد بن علي ومع الخارج الذي لم يتخل عن بن علي إلا في اللحظات الأخيرة.

تتحضر تونس لزيارة مفترضة للرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في الشهر المقبل. بانتظار ذلك استقبلت تونس الشهر الماضي وزير خارجية فرنسا تحضيرا لذلك. تحتاج تونس الى باريس في دفع ملفاتها في الأروقة الأوروبية، وبالتالي ترسل الإشارات تلو الإشارات عن تمسّك بعلاقات واعدة مع الدائرة الخارجية، ليس فقط من باب التقليد الدبلوماسي لأي دولة، بل من باب الحاجة البنيوية، التي يكتشفها الحكام الجدد، لوصل الأوردة الاقتصادية التونسية باقتصادات الجار الأوروبي. تتحمّل تونس تصريحات سيّد الدبلوماسية الفرنسي (لوران فابيوس) عن مراقبة باريس بحذر وقلق للتحوّل الديمقراطي في تونس، كما ابتلعت قبل ذلك تصريحات وزير الداخلية الفرنسي (مانويل فالز) الذي تحدث عن "الفاشية الإسلامية" في تونس. في ذلك رسائل تضاف الى أخرى أطلقها العالم هنا وهناك تضغط باتجاه تقديم تونس نموذج حداثي يحاكي حساسيات العصر.

كلمة السرّ التي تستخدمها "النهضة" من أجل تونس الجديدة هي: التوافق. أي أن "النهضة" تعترف بعجزها عن تمرير مشروعها الإسلامي واستسلامها لمنطق الاتفاق مع الآخر (ألم يقل رئيس الوزراء علي العريض بأن تونس لن تكون دولة دينية؟). في ذلك ما أثارته المصافحة بين زعيم "النهضة" راشد الغنوشي وزعيم "نداء تونس" الباجي قائد السبسي ورمزيتها في فهم آخر الميول النهضوية. لكن التراجع النهضوي، يعود أيضاً إلى الهجمات الشديدة التي شنتها القوى العلمانية واليسارية ضد "أسلمة" الحكم في تونس، واعتبارهم أن "النهضة" تسعى لتأسيس دولة استبداد ديني أشد وأقسى من ديكتاتورية ما قبل الثورة، والأخطر من ذلك الاتهامات التي كيلت للمنطق النهضوي المتواطئ مع السلفيين والذي أتاح إنتقالهم من حقبة الجهاد بالقول إلى الجهاد بالعمل عبر العنف والإرهاب.

ولا شك أن تطوّر خطاب النهضة لا يأتي فقط من معاندة داخلية، بل من اتساق المسعى المضاد للأسلمة داخلياً مع المزاج الدولي المضاد للإسلام الجهادي وتفصيلاته (وخصوصا منذ الاعتداء على السفارة الاميركية في تونس في أيلول/سبتمبر الماضي)، ناهيك عن أن هدف محاربة المشروع الإسلامي في تونس وسّع من مروحة المعارضة بحيث أصبحت، للمفارقة، تجمع الليبراليين واليساريين والعلمانيين والنخب التي خرجت من رحم حزب بورقيبة وبن علي في جبهة سياسية تحت عنوان "التحالف من أجل تونس".

من يراقب الشأن التونسي يلحظ شدة المعركة اليومية من أجل الخروج بالنموذج النهائي لتونس ما بعد الثورة. في لغة الصراع أحيانا مراهقة ظرفية لا تأخذ بالاعتبار وجود الآخر (لاحظ الإنتقادات التي وجّهت للرئيس المنصف المرزوقي لدفاعه عن حقوق المنقبات). من يدعو إلى التمسك بالعلمنة، سواء كانت قوى علمانية يسارية ليبرالية أو أخرى قريبة ضمنا من النظام السابق، لا يتصوّر تعايشا مع الخيار الإسلامي وأصحابه، فيما تجهد "النهضة"، بصفتها الحزب الحاكم، على المناورة برشاقة مخجلة أحيانا لحفظ حكم مهدد (استطلاعات الرأي تؤكد تراجع "النهضة" حالياُ لصالح حزب قائد السبسي "نداء الأمة"). لذلك فإن حذرا يسود الرأي العام من أسباب تأخر صدور الدستور الجديد، ومدى علاقة ذلك بمحاولات لتأخير وتأجيل الإنتخابات إلى وقت يلائم الحزب الحاكم (رغم إعلان الغنوشي تمسكه بإجراء الإنتخابات نهاية العام الحالي).

جدير أن نتابع شأن تونس. الأمر لا يتعلق بموطن "البوعزيزية" فقط، بل أن تطور الحال في تونس، لجهة علاقة الإسلاميين بخصومهم، مؤشر على مستقبل هذا الصراع في المنطقة العربية. جدير أيضا توق تونس إلى نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا. ونقول تونس، ذلك أن تجربة رجب طيب أردوغان هي مرجع تشهره "النهضة" بوجه خصومها كنموذج ناجح للدولة العصرية بنكهة الإسلام الحديث، وهي مرجع يشهره العلمانيون في تونس بوجه النهضة من حيث تمسك رجل تركيا القوي وصحبة بعلمانية تركيا والجهر بالتبشير بها حين زار الحكام الجدد في تونس كما القاهرة.