حزب الله يضع لبنان في معمعة الحرب السورية ـ السورية

شرارات حرب

في أحد الطرق بشمال شرق لبنان ازدحمت حركة المرور ودوت أبواق سيارات الإسعاف وتحركت عربات مملوءة بالمشيعين وراء نعوش بينما كانت جماعة حزب الله تعيد مقاتليها الجرحى والقتلى من سوريا إلى لبنان.

ومع عودة جثث القتلى الذين سقطوا في المعركة الدائرة على الحدود في القصير يلوح شبح العنف بلبنان مع اتساع نطاق الصراع بين الرئيس السوري بشار الأسد المدعوم من إيران ومعارضيه السنة. وتشكل مساعي حزب الله لإنقاذ الأسد اختبارا للسلام الطائفي الهش في لبنان وتهدد بإثارة صراع أوسع نطاقا على السلطة في المنطقة.

ورغم أن جماعة حزب الله نفت كثيرا تدخلها في سوريا لدعم الأسد فقد أرسلت هذا الأسبوع مئات من رجالها للقتال في بلدة القصير الصغيرة الاستراتيجية أصيب العشرات منهم بجروح وقتل ما يتراوح بين 20 و50 آخرين.

وعادت نعوش القتلى يرافقها مسلحون من حزب الله في مواكب جنائزية رفعت فيها راية الجماعة الصفراء إلى قرى شيعية في وادي البقاع بشمال شرق لبنان مما يقضي على أي تكهنات بشأن دعمها للأسد والأقلية العلوية التي ينتمي إليها.

واستقبلت مستشفيات حول بلدة الهرمل الجرحى ومنع عاملوها الصحفيين من الدخول مؤكدين أنه "ما من شيء يمكن رؤيته" .. لكن لا يخفى أن دائرة الحرب قد اتسعت.

ومع اشتباك سنة وعلويين في مدينة طرابلس اللبنانية الساحلية المجاورة في أعنف قتال طائفي بالمدينة على الإطلاق يبدو جليا أن وتيرة امتداد العنف إلى خارج حدود سوريا تتسارع.

من جهة أخرى تصاعدت أعمال القتل الطائفية في العراق وانفجرت قنابل في تركيا واستهدفت غارات جوية إسرائيلية في سوريا أسلحة إيرانية لحزب الله .. كل هذا في الوقت الذي تظل فيه القوى العالمية منقسمة في سعيها لدفع الطرفين المتناحرين في سوريا إلى إجراء محادثات سلام.

ويرى رامي خوري من الجامعة الأميركية في بيروت أن تدخل حزب الله في سوريا يهدد بنتائج عسكية على لبنان بل قد يذكي حربا إقليمية.

وقال "ذلك سيزيد بشكل كبير من احتمال نشوب صراع داخلي لبناني واسع بين الجماعات الموالية لحزب الله والمناوئة له مما يضع السنة في مواجهة الشيعة بصورة عامة بينما يدفع إلى حرب أخرى كبيرة مع إسرائيل أو مشاركة محتملة في حرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران وسوريا من جهة أخرى".

وتقوم إيران بتسليح حزب الله منذ الحرب الأهلية التي عصفت بلبنان في الثمانينات. ويفوق تسليح الجماعة تسليح الحكومة اللبنانية وكذلك مجموعات أخرى مثل السنة والمسيحيين والدروز والفلسطينيين.

ولكن دعم الجماعة الشيعية لمساعي الأسد الرامية لقمع الانتفاضة السنية أدى إلى نفور بعض العرب منها بعد أن كانوا يكنون لها الاحترام لمحاربتها إسرائيل على الأقل.

وربما أثارت الجماعة أيضا غضب شيعة لبنان الذين يعولون على حماية حزب الله لهم في الداخل ولكنهم لا يرغبون بالضرورة في الموت في سبيل إيران في تناحرها مع قوى عربية وغربية.

ويقول رفيق نصر الله المحلل السياسي في بيروت القريب من حزب الله إن الجماعة اضطرت إلى التدخل في سوريا لحماية المصالح اللبنانية وأخذت في الاعتبار احتمال مواجهة رد فعل عنيف من جماعات منافسة.

وأضاف "ليس هناك دولة لبنانية بل هناك جماعات في الجهاز الأمني هنا تخدم قوى أو دولا إقليمية مختلفة... مهمة حزب الله هي حماية لبنان وحدوده وهو يفعل ما ينبغي عليه أن يفعله".

وتابع "هذه معركة حاسمة" في إشارة إلى القصير القريبة من حمص والتي سيطر عليها مقاتلو المعارضة السورية لتوفير طرق إمداد من لبنان وتعطيل الحركة بين دمشق والمنطقة العلوية في سوريا.

وقال نصر الله "يعتقد حزب الله أن هذه المعركة لها أهمية استراتيجية كبيرة وسيتحمل العواقب". وأشارت تقارير واردة من سوريا إلى أن مقاتلي حزب الله وقوات الأسد أحرزوا بعض المكاسب في البلدة.

وفي الخطوط الأمامية يبدو أن التدخل قد زاد من النعرات الطائفية بين المعارضين الذين يخشون خسارة موقع مهم.

ومن حمص قال مقاتل ذكر أن اسمه أبوبلال إن سقوط القصير "سيغير تماما مسار الكفاح في محافظة حمص من ثورة إلى هجوم كبير على العلويين والشيعة أينما كانوا."

وأضاف "جميع كتائب المعارضة هنا تتفق على هذا. وكل طرف في هذا الصراع يعلم أن هذا هو مكمن الخطر في حمص".

وقوات حزب الله صغيرة مقارنة بعشرات الآلاف من القوات المسلحة بالدبابات والطائرات المقاتلة التي يستطيع الأسد استدعاءهم حتى بعد انشقاق سنة عن جيشه. غير أن قوات حزب الله تضم آلاف المقاتلين بينهم كثيرون شاركوا في الحرب ضد إسرائيل عام 2006.

ولم يكن تحالف حزب الله مع الأسد سهلا بالنسبة للجماعة على الساحة الإقليمية ولكن قادة الجماعة يقولون إنه مهم لما يسمونه "محور المقاومة" وهو وصف تستخدمه للإشارة إلى تحالفها مع طهران ودمشق ضد إسرائيل.

وبعد أن كان حزب الله ينال إعجاب العالم العربي لوقوفه في وجه إسرائيل بات البعض يصفه الآن "يحزب الشيطان" أو بأنه أداة طائفية في يد إيران.

وقال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري وهو سني له حلفاء أقوياء في السعودية هذا الأسبوع "لقد اختار حزب الله أن يستنسخ الجرائم الإسرائيلية بحق لبنان وأهله ليطبقها على أهل مدينة القصير السورية".

وأضاف أن حزب الله "تحول إلى رأس حربة في جريمة موصوفة ينفذها النظام ضد شعبه بل إلى ما يمكن وصفه بجيش الدفاع الإيراني عن نظام بشار الأسد".

وبدوره سعى حزب الله إلى تحسين صورته أمام العرب باتهام أعدائه من المعارضة في القصير بتلقي دعم من إسرائيل وقوى غربية ليبرر تدخله في إطار "مقاومة" إسرائيل.

وقال أمين حطيط المعلق اللبناني القريب من حزب الله "إسرائيل موجودة في القصير... فالهجوم على سوريا هو جزء من هجوم إسرائيلي بقيادة أجنبية على سوريا".

وأضاف "هذا حزب يدافع عن أيديولوجية وليس عن جنسيات. لذا سيذهب مقاتلوه إلى أي مكان يوجد فيه أعداء يعارضون معتقداتهم. وسيذهبون طواعية".