سياسيو العراق الجديد يراهنون على العنف

هل ما يجري في العراق من أعمال عنف مستمر، هو عبارة عن حرب تصفيات متبادلة بين مكونات الطاقم السياسي الذي جلبته سلطة الاحتلال الاميركي عام 2003 من أجل نشر مباديء الديمقراطية في بلد، كان في الاساس مثخنا بجروح وذكريات الحروب الاليمة؟

صارت لغة السياسيين (الحكم والمعارضة) تؤكد ذلك الاحتمال، بل وتقدم البراهين على صحته.

ولكن ضحايا ذلك العنف كانوا دائما من المدنيين الذين لا علاقة لهم بالاحزاب المتناحرة على الحكم. كل الضحايا من غير استثناء لا يمتون بصلة إلى العملية السياسية ولا إلى الكتل التي تتجاذب أطرافها. هم بشر عاديون يرددون ما تقوله وسائل الاعلام المحلية من حجج وذرائع غير متفائلة. إنهم يتمنون أن تخرج العملية السياسية من عنق الزجاجة ليروا مدرسة تُبنى وشارعا يُعبد وسوقا لا يتوقع المرء فيه أن يموت وسيارة مركونة لن تكون مفخخة، وحفلة عرس لا تتحول إلى مجزرة، وأرصفة نظيفة لا يجلس عليها العاطلون عن العمل. هم بشر ينظرون إلى التاريخ بعيون يملأها الندم واللوم والأسى. أما جغرافيا القتل فقد صارت تمتد من الحانات ومخازن بيع الخمور إلى الجوامع والحسينيات والكنائس. ما من مكان في العراق مقصود بالعنف لذاته.

أبهذه الطريقة يصفي سياسيو اللحظة الأخيرة حساباتهم، دفاعا عن منافعهم؟

كل المؤشرات تؤكد أنه ما من أحد، لا في الحكم ولا في المعارضة يرغب في انهاء دورة العنف. ألانهم لا يملكون خيارا آخر؟ أم لأنهم لا يجيدون لغة أخرى للحوار والاختلاف؟

بعد أكثر من عشر سنوات على اختفاء نظام المقابر الجماعية حسب التسمية التي تعتمدها الدعاية العراقية لا يزال القبر مفتوحا بسعة خياله أمام العراقيين. اما الديمقراطية التي لم يشهد منها العراقيون سوى فصل الاقتراع الحر والاصبع البنفسجية فقد جلبت ثروات خيالية إلى شريحة من البشر لم تكن مؤهلة للتوظيف في دوائرالدولة، وزراء ونوابا وقادة أحزاب ومدراء وأصحاب شركات وسفراء ورجال دين وزعماء كتل سياسية هي في حقيقتها عصابات جاهزة للانقضاض، بعضها على البعض الآخر، عن طريق تفجير الوضع الأمني، فيدفع الشعب ثمن خلاقاتها قتلى وجرحى وارامل ويتامى وخرابا في الممتلكات المادية لن يعوضه أحد.

تبادل الاتهامات بين أركان العملية السياسية المتعثرة أصلا وصل إلى مرحلة حرجة حين قرر رئيس الوزراء نوري المالكي توجيه ممثلي قائمته بعدم حضور جلسة مجلس النواب الخاصة بمناقشة تدهور الوضع الأمني. وهو ما دفع برئيس المجلس المذكور إلى توجيه الاتهام إلى رئيس الوزراء بمحاولة عرقلة عمل السلطة التشريعية للبحث في أسباب ذلك التدهور والقوى التي تقف وراءه وسبل معالجته. المالكي من جهته يلقي باللائمة على المعتصمين في المحافظات ذات الغالبية السنية، وهو موقف غريب، لا يمكن النظر إليه إلا باعتباره محاولة للشحن والتحريض الطائفيين. ذلك لان ما يجري من عنف وعمليات قتل لا يقتصر على طائفة بعينها، بل إن القتلة كانوا قد وضعوا العراقيين كلهم هدفا لهم. لا لشيء إلا لان العراق كله صار بسبب صراعات سياسييه منطقة رخوة، في إمكان القتلة أن يخترقوها من أي مكان يناسبهم.

ولكن هل الأجهزة الأمنية متورطة هي الأخرى في تلك النزاعات وأعمال العنف؟ صمت تلك الأجهزة، وعجزها الذي يبدو مبيتا لا عن منع القتلة عن اصطياد ضحاياهم حسب بل وأيضا عن معرفة أي شيء عن أولئك القتلة يشيران إلى نوع من التواطؤ، أو على الأقل إلى امتناع تلك الاجهزة عن اداء واجبها في حماية المواطنين والسهر على أمنهم. فلأي شيء ترى دُربت تلك الأجهزة وانفقت على تدريبها أموال طائلة إذا كانت تقف مكتوفة الايدي أمام ما صار بمثابة عقاب يومي، يتوقع كل عراقي أن يكون ضحيته المقبلة؟

سياسيو العراق الجديد يراهنون على عذاب العراقيين من أجل أن يؤجلوا اللحظة التي يكون عليهم فيها أن يعترفوا بفشلهم في بناء دولة على حطام الدولة العراقية التي هدمتها الحروب بدءا بالحرب ضد ايران وانتهاء بالغزو الاميركي مرورا بماساة الحصار الدولي الذي فرض على العراق فأذل مواطنية وانتهك الجزء الأكبر من كرامتهم.