هل يصبح لبنان جزءاً من حرب عالمية في سوريا؟

الأوضاع في سوريا مذهلة أكثر مما كان يتصور كثيرون؛ ليس لأن أعداد الضحايا يتزايدون، أو أن الدمار يتفاقم، وليس لأن إصرار الفريقين كبير إلى درجة إمكانية إزهاق أرواح مئات آلافٍ آخرين، وإنما لأن سوريا تحولت مسرحاً حقيقياً لحرب عالمية!

قتال مشروع إقليمي وليس مجرد رئيس

في واقع الحال؛ تخطت الثورة في سوريا مرحلة إسقاط بشار الأسد، فمقاييس التاريخ والسياسة بعد أكثر من سنتين من الحراك، وبعد أكثر من مئة ألف قتيل لا تسمح لرئيس –أي رئيس- بالبقاء. ما تواجهه الثورة السورية اليوم هو معركة إسقاط مشروع وليس إسقاط رئيس يعلم أصدقاؤه وخصومه أنه ما أعاد قادراً على حكم البلاد، مهما كابر وتعامى عن الحقائق، لكن ليس من السهل أبداً على من بنى مشروعاً توسعياً طيلة سنين عديدة أن يرى مشروعه ينهار دون أن يتحرك.

من أجل ذلك يواجه المشروع الإيراني السوريين فوق الأرض السورية، دفاعاً عن وجوده. يساند هذا المشروع لحسابات دولية خاصة روسيا، وتجر معها الصين. كما تساند الأنظمة القريبة من إيران موقفها من القضية السورية.

على أرض الواقع تترجم هذه المساندة؛ عجزاً دولياً عن اتخاذ قرار في مجلس الأمن، وعجزاً مشابهاً في حلف "الناتو". ولإسرائيل حساباتها أيضاً، فـ "العدو الذي تعرفه خير من الشياطين الذين تجهلهم" ومصلحتها العليا تصنع قرارها، وهو ما يجعلها قريبة من الموقف الإيراني، لجهة الرغبة في بقاء الأسد، مع فارق أنها تريده ضعيفاً أو أن يبقى الحال كذلك ليُستنزف الجميع. أما تركيا فتبدو في الأقوال أقوى منها في الأفعال، إذ ثمة خشية تركية من تفجر مشاكل داخلية، علوية وكردية في حال التورط العسكري التركي في سوريا. ويبقى العرب على انقساماتهم وعجزهم عن أخذ زمام المبادرة؛ يزكي ذلك خوف كثير من دول العرب من انتقام إيران منها.

وما هو أخطر من ذلك كله؛ مذهبة الصراع. صحيح أن الثورة انطلقت سلمية، وغير مذهبية، لكن الصحيح أيضاً أن سوريا تشهد اليوم صراعاً عسكرياً مذهبياً بامتياز، بعدما نجح الأسد في ربط مصير العلويين بمصيره. وما زاد الطين بلة أن الشيعة المرتبطين بالمشروع الإيراني مستنفرون اليوم لمناصرة العلويين في سوريا، ومناصرة المشروع الإيراني نفسه، وأن السنة العرب وغير العرب باتوا يناصرون الثورة السورية بمضمونٍ مضاف؛ نصرة أخوانهم السنة.

سوريا ساحة للصراع الدولي

نتيجة لهذا الواقع؛ يتزايد توافد المقاتلين إلى سوريا نصرة للفريقين. وتكشف التقارير المؤكدة اليوم عن وجود مقاتلين من القوقاز وأفغانستان وباكستان، بل من روسيا نفسها، عددهم بالمئات، تطوعوا لـ "الجهاد ضد النظام في سوريا". ولا يختلف الحال عمن يحمل جنسيات أوروبية أو أميركية؛ هؤلاء بعضهم من أصل عربي وبعضهم مسلمون من جذور أوروبية صافية. أما العرب فمنقسمون؛ بعضهم يقاتل مع النظام وبعضهم يقاتل ضده، وعدا عن العراقيين، فإن معظم المتطوعين العرب إنما جاؤوا لـ "الجهاد في سوريا ضد الطاغوت" (بشار وأعوانه)، ومن بين هؤلاء من يحمل جنسيات لبنانية وتونسية وليبية ومصرية وخليجية وصومالية... وقد أعلن التيار السلفي في الأردن قبل أيام قراراً علنياً بتطويع الشباب "لمواجهة مقاتلي حزب الله في سوريا الذين يهدّدون أهل السنة والجماعة"، كاشفاً عن وجود نحو 500 مقاتل أردني في سوريا، قُتل منهم حوالي 35.

بالمقابل؛ ثمة حملات تطويع منظمة تتخذ عنوان الدفاع عن المقامات الدينية، وعناوين أخرى، هدفها جمع المقاتلين دفاعاً عن النظام السوري، ويأتي اللبنانيون ("حزب الله" بشكل رئيس) والإيرانيون والعراقيون في طليعة المقاتلين. وتقول مصادر المعارضة السورية إن المقاتلين في حي السيدة زينب وفي جبهة جوبر-العباسيين هم بالدرجة الأولى إيرانيون وعراقيون ولبنانيون وهنود وباكستانيون.

وفي الأسبوع الماضي؛ نظّم الحرس الثوري الإيراني، تجمعاً كبيراً (ليل 13/5/2013)، لنحو عشرة آلاف من قوات التعبئة (الباسيج)، في استاديوم الشهيد شيرودي بطهران، بهدف إرسالهم إلى سوريا والقتال دفاعاً عن النظام، وقد ظهر في العرض صوراً لقتلى إيرانيين سقطوا في سوريا، وقد كُتب على كل صورة قتيل عبارة "مُدافع الحرم" (المدافع عن المقامات). كما أُعلن عن تشكيل لواء آخر باسم "فدائيي السيدة زينب"؛ من المقرر أن ينضم إلى "لواء أبي الفضل العباس" المقاتل في ريف دمشق.

يضاف إلى ذلك؛ المنظمات الفلسطينية الموجودة في سوريا أصلاً ( الجبهة الشعبية وغيرها) والتي تقاتل منذ مدة إلى جانب النظام، وتصعيد حملات تطويع المقاتلين العراقيين عبر تنظيمي "حزب الله- العراق" و"عصائب أهل الحق"، والكشف عن وجود خليجيين شيعة توجهوا للقتال مع النظام في سوريا.

ما تقدم يعني أن سوريا باتت اليوم ساحة لمقتلة كبرى؛ يزج فيها مئات الآلاف من المقاتلين الذين يتزايد حقدهم وإصرارهم على الدفاع عن معتقداتهم وجماعتهم، ما يعني حكماً تراجع الدور الوطني السوري؛ لجهة المطالب كما القرار، وتحوّل الثورة إلى صراع دولي ومذهبي يهدد الأمن والاستقرار في الإقليم كله.

هل يصبح لبنان جزءاً من هذه الحرب؟!

وسط هذا الواقع؛ فإن لبنان داخل في الصراع السوري حكماً.

أولاً: يشارك لبنانيون بأعداد كبيرة في القتال في سوريا؛ "حزب الله" والأحزاب الأخرى ("السوري القومي" و"البعث" و"الحزب الديمقراطي اللبناني"...) إلى جانب النظام، ومتطوعون إسلاميون ضد النظام. الفارق بين الفريقين أن الذين يقاتلون مع النظام لهم مرجعية حزبية وإطار منظم، فيما تسيطر الحماسة الدينية والحركة غير المنظمة على الذين يقاتلون ضده، ونتيجة ذلك أن لبنانيين، بأعداد لم تعد قليلة، يقاتلون بعضهم –ويعرفون بعضهم أحياناً- في سوريا، ومن بين هؤلاء من يعود محمولاً إلى لبنان، فيضيف إلى الاحتقان الأهلي عاملاً إضافياً يؤجج الساحة، ويزيد من تعقيداتها، ويهددها بالانفجار عند اشتعال أول فتيل. وما يقال عن توريد الرجال ينسحب أيضاً على توريد السلاح عبر الحدود.

ثانياً: الدخول العلني والمفتوح لـ "حزب الله" في الصراع السوري بعد زيارة نصر الله لإيران الشهر الماضي (يقال إنه زارها مرتين)، والاتفاق مع قيادتها على تسخير الحزب إمكاناته كلها إلى جانب النظام السوري، ما يعني الانتقال من مرحلة المساعدة المحدودة للنظام تحت عنوان الدفاع عن قرى لبنانية أو مقامات دينية، إلى مرحلة الدفاع المعلن والكامل عن النظام نفسه. ووفق إعلام الحزب والنظام السوري فإن الرئيس السوري أعطى صلاحيات غير محدودة للحزب، بحيث أصبح مقاتلوه قوات دعم موزعة على معظم الوحدات السورية المقاتلة، فضلاً عن اعتبار السلاح الذي يملكه النظام كله في خدمة الحزب. ووفقاً للثوار السوريين فإن هذا التغيير بات ملموساً على الأرض، وقد تبدى أخيراً في المعركة على السيطرة على قرية خربة غزالة الإستراتيجية على الطريق الدولية بين دمشق ودرعا، فضلاً عن المعارك المتصاعدة في القصير. وبحكم الواقع فإن هذا القدر من التورط لن يمر على لبنان برداً وسلاماً؛ لأنه سيجر حكماً ردوداً نارية؛ سواء عبر قصف أراض لبنانية من سوريا أو عبر القيام بأعمال انتقامية في مناطق الحزب نفسها.

ثالثاً: دخول النازحين السوريين في لبنان في حمأة الصراع، ليس من خلال اختلاف النظرة إليهم من قبل مؤيدي ومعارضي النظام السوري، وإنما من خلال تطوع نسب عالية منهم للقتال في بلدهم، على اعتبار أن "الجهاد أصبح فرض عين عليهم"، فهم أهل البلد "وهم أولى من غيرهم في الدفاع عنه". وبما الغالبية الساحقة من النازحين هم سنة معارضون للنظام، فقد صدرت مؤخراً فتاوى تدعوهم للعودة إلى بلدهم من أجل القتال، ولا يخفى أن هذا الأمر واقع اليوم، وأن من بين هؤلاء من ترك عائلته في لبنان، وأن الفريق الآخر يراقب النازحين، لا سيما الذين يقيمون في مناطقه، لئلا يقدمون على شيء... وفي كل الأحوال؛ فإن وجود مليون سوري في لبنان ليس بسيطاً، إذا ما تأطر هؤلاء للدفاع عن أنفسهم، أو حمل بعضهم السلاح يوماً، في أي ظرف من الظروف، سيما أن المتعاطفين معهم كثر.

رابعاً: توريد مزيدٍ من شحنات الأسلحة "الكاسرة للتوازن" إلى "حزب الله"، ما يعني حكماً أن تتحرك إسرائيل لضربها في سوريا قبل أن تضطر لمواجهتها في أي حرب مع "حزب الله" في لبنان. هذا النوع من التدخل الإسرائيلي يحظى بتأييد عالٍ في إسرائيل، بالقدر نفسه الذي يرى فيه المشروع الإيراني محاولة للتخلص من عبء الصراع الداخلي السوري وإمكانية لتحويله إلى صراع مع العدو الإسرائيلي. وبما أن لهذه "اللعبة" مخاطرها المدمرة، فإن لبنان ليس بمنأى عن ذلك، باعتبار أن الحزب الذي يسعى لاستقدام أسلحة أو الذي سيرد على قصفها، هو الحزب نفسه الذي ينتشر مقاتلوه في جنوب لبنان، ومؤخراً قبالة جبهة الجولان.

قد يبدو مخيفاً تطور الصراع السوري، وتزايد تأثيره على لبنان، لكن ما هو مخيف أكثر أن ثمة من بات يرسم خريطة جديدة لسوريا يكون فيها المشروع الإيراني حامياً لدويلة علوية ومقاتلاً في بقايا دولة كان اسمها سوريا، وأن الأقليات العرقية والدينية باتت تفكر بالطريقة نفسها، وأن تركيا تعد نفسها لتدخل لم يعد منه بد، لئلا تتعرض تركيبتها الداخلية للخطر (الأكراد والعلويون)، وأن إيران وعبر "حزب الله" تريد بالمقابل تأمين اتصال بين الدويلة المأمولة وبين مناطق "حزب الله" في البقاع، بحيث يتولى النظام "تطهير" الساحل السوري من السنة، ويتولى الحزب ربط هذا الساحل به وبالداخل عبر احتلال القصير!