الاسلام السياسي والثورات العربية المغدورة

يقال أن الاسلامويين قد قطفوا ثمار ثورات الربيع العربي خلسة. فهل هذا كلام منصف بالرغم من واقعيته؟

لقد بدأ الربيع العربي في تونس. انتحر البوعزيزي في بلدة نائية، فكان ذلك الحدث اشارة النهاية بالنسبة لنظام زين العابدين بن علي. في مصر كان هناك خالد سعيد، رمزا آخر لبدء المسيرة الشبابية في اتجاه ميدان التحرير، وهي المسيرة الافتراضية التي ظن نظام حسني مبارك أنها ستكون محصورة بين عالمي فيس بوك وتويتر.

كلا البلدين لم يشهدا في تلك الفترة حراكا متمردا، مادته شباب جماعة الأخوان في مصر أو شباب حركة النهضة في تونس. لم تكن هناك شعارات دينية مرفوعة. لم تكن هناك لحى ولا ثياب رجالية قصيرة ولا سيوف ولا خناجر. كان شباب الثورة معاصرين، بأفكارهم وثيابهم وشعاراتهم.

حين سقط نظاما الحكم في تونس ومصر مالت كفة الميزان إلى جهة دعاة الشريعة. من الطبيعي القول أن ذلك الميل كان ظالما، غير أنه تم عن طريق انتخابات ديمقراطية نزيهة. وهو ما لا يمكن أن ينكره أحد. أين يكمن الخطأ؟ وهل هناك ما يمكن أن يشار إليه باعتباره نوعا من الخيانة؟

مَن خان الآخر؟ الثورة التي لم تنجز أهدافها أم الشعب الذي ذهب إلى الانتخابات بأفئدة كلها هواء؟ هل كانت هناك مسافة تفصل بين الثورة والشعب نجح الاسلامويون في ملئها بأدعيتهم المجانية؟

غربيا فان ما حدث كان متوقعا. لمَ لم يتوقعه أصحاب الشأن؟

شعوب سلمتها انظمة الاستبداد إلى الفقر والجهل والامية والظلم واليأس والاقصاء، ما كان عليها سوى أن تتوجه إلى الله وهو القادر على كل شيء. ولأن الاسلامويين قد احتكروا الله لصالحهم ووظفوا عالم الغيب لحسابهم فقد كانوا الجهة الأكثر كفاءة على الاستجابة لنداء المقهورين واليائسين والمغلوبين على أمرهم. هناك الجنات المفتوحة على لذائذها، نساء وخمورا وكسلا ولبنا وعسلا وحقولا خضراء. كان لسان حال الاسلامويين يقول للشعب: "ما تحلمون به لدينا وما من أحد سوانا يمكنه أن يصل بكم إليه" فكان الاختيار بين الدنيا الزائلة والآخرة الدائمة هو الامتحان الذي لم يفكر به شباب مصر وتونس الثائرون. في الوقت الذي كان فيه ذلك الاختيار هو كلمة السر التي عبأ الأسلامويون رهانهم الانتخابي بها.

الآن وقد تمكن الاسلامويون من الحكم، ألا يزال هناك من أثر للثورة على أرض الواقع؟ الفوضى الهائلة التي يعيشها البلدان الرائدان في ربيعهما لا تبشر بأي نوع من الجنة، لا في الأرض ولا في السماء. لقد أدخل النظامان الاسلامويان البلدين في متاهة خلافات لا مخرج منها. ولو اقتصرالأمر على اعتراض التيارات المدنية لهان الأمر بالنسبة لشعب سيصدق أنه ذاهب إلى الجنة لا محالة بمعونة الأخوان والنهضة وبعداً للقوم الكافرين ولكن خرجت تيارات أسلاموية صارت تكفر علنا من يحكمون باسم الاسلام. صار هناك من يرفع لواء الشريعة في وجه الأخوان والنهضة.

عاد الشعب مرة أخرى ليتخيل منقذيه.

لقد تراجع الحوار الديني ــ المدني في كلا البلدين ليحل محله حوار ديني ــ ديني. فهل هذا ما حلمت ثورات الربيع العربي في الوصول إليه؟

هناك صفحة طويت في تاريخ العالم العربي، هي صفحة الاستبداد العسكري الذي كان مغطى بهالة مدنية، غير أن ماجرى ديمقراطيا بعد ذلك انما يمهد لفتح صفحة استبداد جديد، سيكون الدين مادته هذه المرة. وهو ما سيؤدي لاحقا إلى فضح الأهداف السياسية التي تخفيها الحركات الدينية، حيث يشكل الاستيلاء على السلطة والتمتع بمنافعها الدنيوية جوهرها.

سيكتشف الشعب أن المبشرين بالآخرة هم أكثر دنيوية من مبارك وبن علي، ولكن ندمه على الثورات المغدورة قد يقع متأخرا.