صالح سويسي وحيد بلا أغنيات

تونس ـ "وحيدا بلا أغنيات" هو عنوان الكتاب الشعري الأول لصالح سويسي الذي تأخر صدوره كثيرا كما يؤكد صاحبه. صدر عن دار "الثقافية" للنشر والتوزيع، وجاء في 84 صفحة من الحجم الصغير موشّحا بغلاف صمّمه الشاعر التونسي نصر سامي، وحمل بين جناحيه ثمانية وأربعين نصا تراوحت بين النصوص القصيرة جدا والنصوص الطويلة وبين قصيدة النثر وقصيدة التفعيلة، وقسّم الشاعر التونسي كتابه إلى أبواب بدأها بـ "عتبات" واختتمها بـ "انتظار" وبينهما تعددت العناوين التي تمضي جميعها نحو معجم الوحدة والحزن والشجن والليلة بأطيافه والحب بخيباته.

ويبدو أنّ سويسي استفاد كثيرا من تجارب الشعر العربي والغربي على حدّ السواء في كتابة نصوصه، ففي نصوصه تجديد على مستوى التوزيع البصري واشتغال كبير على الصورة التي تأتي شفافة عميقة ومشحونة بالألوان والأصوات.

ورغم إصرار الكاتب منذ العنوان أنّه "وحيدٌ بلا أغنيات" إلاّ أنّ نصوصه مفعمة بالموسيقى، موغلة في إيقاعات متنوعة تشكّل أحد عناصر الجمال في هذا الإصدار الأول لشاعر يتغنّى بالسعادة ولا يملكها ويعشق الحياة التي لم تنصفه، حيث تتوسّع مساحات الحزن والشجن على صفحات الكتاب، ويتجلّى الليل بكلّ أوجهه سيّد الكلمات ودربها نحو الكمال. لليل في نصوص صالح سويسي أجنحة وأرجل، فهي تحلّق حينا فوق سماءات من دهشة وحلم، ثمّ تترجّل أحيانا بين مسالك القلق والحيرة والرغبة في ملامسة واقع يبدو زئبقيّا لا يمكن ترويضه أو احتواؤه.

وفي سياق الحديث عن العنوان كعتبة أولى لعوالم سويسي الشعرية نقرأ في قصيد "وحيدا بلا أغنيات":

"وَأَمْضِي إِلَى اللَّيْلِ وَحْدِي

غَرِيبًا

وَحِيدًا

بِلاَ أُغنْيِاَتٍ

يَزُفُّنِي لِلْحُزْنِ...

نَزِيفِي..."

هذه الوحدة التي ظلّت ترافق صفحات الكتاب وتضخّه بشحنات من الحزن والشجن، وتوغل به في مفردات الوحشة والخوف والألم الدفين كما يؤكد المؤلف، الذي يعيش حالة من التوحد مع الوحدة قد تبدو مؤلمة لكنها بالمقابل وكرد فعل عكسيّ ربّما تولّد داخله أسئلة حارقة:

"هَلْ كَانَ حُبًّا ذاكَ الَّذِي تَغَلْغَلَ فِي عُرُوقِي؟"

أو "فَكَيْفَ الرَّحِيلُ؟

وَكُلُّ الثَّنَايَا تَقُودُ إِلَيْهَا،

وكُلُّ القَصَائِدِ حُبْلَى بِمَاءِ يَدَيْهَا".

ويلحّ الشاعر في السؤال وبأشكال مختلفة:

"تُرَى هَلْ يُدْرِكُ اللَّيْلُ أَنَّا شَقِيقَانِ؟

وَأَنَّ خُيُوطًا مِنْ غُبَارِ الوَقْتِ تَرْتُقُ حُزْنِي وَحُزْنَهْ؟"

القصيد يحمل أيضا شحنات من الحنين والشوق لمن غابوا أو رحلوا أو خيّروا الابتعاد سواء بالمسافة أو بالمشاعر:

"حُزْنِي أَشْجَارٌ تَصَّاعَدُ نَحْوَ اللَّهْ،

حُزْنِي أَجْنِحَةٌ لِلْبَوْحِ...

حُزْنِي ذَاكِرَةٌ لِلْوَجَعِ المُوغِلِ بَيْنِي وَبَيْنِي.."

أو:

"عَلَى شُرْفَةِ الغَائِبِينْ أَنْشُرُ حُزْنِي،

ذَاكَ المُمْتَدُّ سَحَابَاتٍ مِنْ حَنِينْ"

أو:

أتصفّح بين سطور الليل وجوه من رحلوا

وخلف مرايا الضوء

أخبّئ وجهي

لكي لا أراني بين الوجوه التي رحلت

مفاتيح القراءة في هذا الديوان الأول للشاعر التونسي صالح سويسي، عديدة ومتنوعة ما يفتح المجال أمام المتلقّي لقراءة ممتعة وشفيفة وأمام النقّاد لسبر أغوار النصوص وبيان إحالاتها وإيحاءاتها وتأويلاتها.

ومن الصعب تحديد مضامين النصوص، لأنها متنوعة ومتلوّنة تتشكّل مع حالة الشاعر حين كتابة هذا النصّ أو ذاك، فالقصائد متنوعة، مواضيعها حديثة متجددة تكشف عن وعي شقيّ بالواقع وآلامه وحرائقه، وهي بوّابة من الأسئلة والاستفهامات متعددة الضمائر ممّا أكسبها حيوية، وأشبعها حركة:

أَشْتَهِي أَنْ أَطِيرْ

مِثْلَ عُصْفُورٍ

رُبَّمَاْ

أَوْ مِثْلَ غُرَابٍ

لاَ فَرْقَ عِنْدِي

فَقَطْ

أَشْتَهِي أَنْ أَطِير ...

ولكنّ الحلم لا يتحقق بمجرّد الرغبة أو النوايا، وهنا تصطدم الشهوة بجدران واقع وقح لا يرحم:

صِرْنَا كِبَارًا

وَلَمْ نَطِر بَعْدُ...

مَازَالَ الخَوْفُ يَلُفُّ أَحْلاَمَنَا القَدِيمَةَ

وَمَازَالَ لَيْلُهُمْ يُخِيفَ صَبَاحَاتِنَا الَّتِي لاَ تَجِيءْ...

أمّا المعجم فهيمن عليه الحزن والتيه والانتظار والحب والزهديات وآثار العشّاق والمتصوّفة والفلاسفة، لعلّه معجم بُنيَ على ثنائية الحب والخيبة/الظلمة والنور/الشوق والانتظار...

"وحيدا بلا أغنيات" تجربة متجذرة في الحزن والوحدة تنهل من سياقات القلق الوجودي والألم اليومي الذي يعايشه الشاعر الذي يحمل همّه وهمّ الآخر في تلازم عجيب لا توقفه إلاّ زخّات من أمل قد تبلّل أحلامه ذات غفوة:

غَدًا سَتَكْبُرُ يَا وَلَدِي

سَيُشْرِقُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِكَ الفَرَحْ

غَدًا سَتَكْبُرُ، سَيُزْهِرُ الحُلْمُ مِنْ ضَوْءِ عَيْنَيْكِ

وَتَرَى الدُّنْيَا كَقَوْسِ قُزَحْ...

أمّا لغة الكتاب فجاءت عذبة صافية كافية لصناعة الشعر والتوغّل في عوالمه، لغة تمتزج فيها الصورة بالحلم، تجعل القصائد أشبه بقوارير من عطور يوزّعها الشاعر على قرائه:

حِينَ أَعُودُ إِلَى اللَّيْلِ وَحْدِي

يَجِيئنِي المَوْتُ جَمِيلاً ... جَمِيلْ

كَوَجْهِ الَّتِي قَبَّلَتْنِي وَغَابَتْ

خَلْفَ الشِّتَاءِ الطَّوِيلْ.