21 ألف عمامة سوداء وبيضاء تريد أن تحكم العالم

لفت انتباهي خبر خصصت له جمعية الوفاق البحرينية المعارضة اكثر من نصف محتويات موقعها الالكتروني وهو خبر تفتيش الامن البحريني لمنزل عيسى قاسم وهو احد رموز الشيعة في البحرين، حيث صيغ الخبر بطريقة تجعلك تظن ان هناك اقتحاما عسكريا شيطانيا بالطائرات والدبابات للسماء بحد ذاتها، وكأن المذكور يملك قدسية سحقت بمجرد التفكير في معاملته كأي مواطن او حتى وزير.

هذا التفتيش الذي سبب الضجة المستمرة في البحرين لم يدم ربع ساعة وتم لأسباب امنية بعد اختباء بعض قاطعي الطريق في بيت عيسى قاسم مما استوجب وحسب القانون تفتيش المنزل وحسب الاصول ودون المساس بأي شيء.. ولكن ذلك لم يمنع من أن تقوم مجموعة من العمائم بالاجتماع والتشاور ولأكثر من اربع ساعات قامت بعدها بمهاجمة الدولة وتهديدها بعد أن شددت على درجة احمرار الخط الذي يحمله عيسى قاسم. حيث وقعت هذه العمائم على بيان وكل واحد منهم سبق اسمه اكثر من سبعة القاب مثل العلامة وآية الله وسماحة وحجة الله والسيد.. الخ من الألقاب السماوية التي نعجز في فهمها ونجهل من وزعها عليهم (لقب قدس سره محجوز للموتى الحاضرين دائما بيننا من تلك العمائم)

ذلك ما دفعني للبحث عن سر هذه القدسية التي تسقط على لابسي العمائم وكذلك البحث في درجات العمائم وعددها ومن هم مانحو هذه الدرجات التي تبيح لمن يضع العمامة السوداء على رأسه ميزات خيالية تختلف مثلا عن اصحاب العمائم البيضاء وعن كل المشايخ والقساوسة والأحبار. وجدت ان جميع هذه الدرجات تصدر من مكانين احدهما في حوزة النجف والآخر في حوزة قم في إيران.

يقوم على توزيع الدرجات عمائم اخرى تعطي طلاب الحوزات صفات ودرجات فتصل احيانا هذه الدرجات الى لصق صاحب العمامة بنسل النبي عليه الصلاة والسلام ليتوشح بعدها بالعمامة السوداء أو قد يعطي طالب الحوزة العمامة البيضاء (الأقل قدسية) إذا استحال الصاق هذا الطالب بنسل النبي لوضوح اصله الافغاني او الفارسي او الهندي مثلا.

هذه العمائم السوداء (والأقل حظا البيضاء) وصل عددها في الفترة الواقعة بين العقد السابع من القرن الماضي ولغاية العقد الاول من القرن الواحد والعشرين اكثر من واحد وعشرين الفا من "علماء" النجف وقم توزعوا في العراق وإيران ولبنان وسوريا وباكستان والهند وافغانستان والكويت والبحرين والإمارات والسعودية وكل منهم اصبح يطالب بقدسية ومناعة من القانون وحصانة من المساءلة وعلى اعتبارهم وكلاء (او ابواب) للدين وأصحابه حسب العقيدة الجعفرية التي اعطتهم وصاية مطلقة على اتباعهم وعممت وجوب الطاعة العمياء لهم كركن اساسي يتبع ركن الامامة الذي صار يتقدم الاركان جميعها في العقيدة الجعفرية.

هذه الطاعة العمياء وهذه القدسية المخترعة وضعتا الجميع في ورطة. فالحكومات العربية والإسلامية بداية لم تنظر لهذه الجدلية بسوء ظن بل حاولت استيعاب هذا المطلب من احد مكونات المجتمع العربي واحترمت رموز الطوائف وغضت الطرف عنهم باعتبار ان ممارساتهم احدى شعائر الدين التي يجب ان تصان وتتاح للجميع. لم تلتفت الحكومات للتمترس التصاعدي حول هؤلاء العمائم وبما يتبع هذا التمترس من تسليم القرار الفردي بالكامل للعمائم ومصادرة حتى حق التفكير بحكم القدسية والإرهاب الفكري العقائدي لهم. ولم تفطن مراكز الفكر العربي لمدى تنافر الفكر الاثني عشري مع الإسلام بالخصوص ومعاداته حيث قامت عقائد الباطنية بمجملها وخصوصا النصيرية والأثني عشرية على ضرورة نقض ومهاجمة الفكر الاسلامي الذي ندين به والطعن في ثوابت الدين وأصول السنة النبوية الطاهرة.

تلك القدسية المفترضة ادت بالنتيجة الى اسقاط العراق ولبنان وسوريا بكلمة واحدة من الخميني وتوابعه، وما زال هذا الارتهان لقدسية العمائم من بعض الاثني عشريين يؤدي الى تفريخ فصائل خراب تنتظر كلمة من أي معمم اسود او ذي عمامة بيضاء للانقضاض على ما تبقى من الدول العربية.

علينا ان نسمي الأشياء باسمها ونسقط القدسيات التي انتفخت بالثارات والمؤامرات على وحدتنا وأصل عقيدتنا وعروبتنا. فقم وكربلاء والنجف ليست اكثر من اماكن ومساكن وأحجار وقبور. وقاطنوها وزائروها ليسوا أكثر من بشر. والعمائم الخارجة من هذه الكهوف ليست اكثر من غربان خراب.