العراقيون يُقتلون في حرب تشنها الأشباح عليهم

لا يمر يوم في العراق إلا وتقع فيه مجزرة يروح ضحيتها عشرات المدنيين. قتلى وجرحى ومعاقون وخسائر مادية لا أحد يعوضها. وما من أثر للقتلة. ما من شيء يدل عليهم. يتبخرون كما لو أنهم لم يكونوا موجودين. ما من جهة تطاردهم أو على الأقل تبحث عنهم. حتى الحكومة لا تكلف نفسها اصدار بيان عقب كل فاجعة. غالبا ما تتجه سيارات الاطفاء والدفاع المدني إلى مكان الحادث لتمزج الدم بالماء ثم يقوم عمال التنظيف بواجبهم في إزالة آثار الدمار لتعود الحياة إلى سابق عهدها كما يظنون. أما الموت فهو يذهب إلى مخبئه السري ليظهر بعد حين في مكان آخر.

ما من شيء استثنائي. الموتى أرقام. صارت حياة العراقيين تتنقل بين موتين يربط بينهما حبل حياة قصير. وصار قاموس العراقيين ملعبا للجمل المذعورة التي تستعير مفرداتها من المفخخات والقنابل اللاصقة والتفجير عن بعد والاحزمة الناسفة والخطف والاغتيال بأسلحة صامتة.

هل يعيش العراق حالة حرب؟ المواكب الحزينة التي تتبع الجنائز تؤكد ذلك. ولكنها حرب فريدة من نوعها. طرازها يشير إلى طرف واحد من طرفيها: الضحايا. أما القتلة فهم أِشباح هائمة. أشباح، مهنتها القتل وهي لن تكون مهتمة بهوية القتيل، ما دام ذلك القتيل سيذهب دمه هباء. فما من جهة ستكلف نفسها عناء البحث عن قاتليه. صار العراقي يتوهم أن هناك عدوا في كل متر يمشيه، عند منعطف كل شارع ينتقل إليه، في المقهى، في المطعم، في الحديقة أو المكتبة أو مقر العمل. أليس واقعيا والحالة هذه القول إن العراقي صار يخرج من بيته ليموت؟

الدولة في العراق، وهي لا تزال حتى اللحظة مفهوما غامضا كانت ولا تزال عاجزة عن حماية مواطنيها. لكن ما من أحد في العراق يتحدث عن ذلك العجز. كان الحديث كله ينصب على القاعدة.الآن صار الحديث كله منصبا على خلايا البعث التي كانت نائمة. من شبح الزرقاوي حتى شبح عزت الدوري امتد خيط الجريمة، مجهولة الفاعل فيما تتراكم طبقات صرح الالم والفجيعة والفقدان العراقي، بعضها فوق البعض الآخر لتشكل رمزا لمرحلة قاتمة يمر بها الشعب العراقي، من غير أن يكون متأكدا من أنه سيتمكن من مغادرتها في وقت منظور. إنه عصر الموت المجاني.

كان الرهان الوحيد لرئيس الوزراء العراقي نوري المالكي أمنيا بامتياز. كان لديه ما يقوله دائما عن دوره في انهاء الحرب الاهلية التي نشبت بين عامي 2006 و2007. كان لديه ما يقوله أيضا عن انخفاض مستوى العنف في مختلف انحاء البلاد أثناء ولايته الأولى.

غير أن الرجل الذي يتمتع بصلاحيات هائلة، كونه القائد العام للقوات المسلحة إضافة إلى منصبه صار يكتفي بالإنشاء الطائفي وهو يشير بطريقة ملغزة إلى مرتكبي جرائم قتل العراقيين. لقد دأب على اتهام جهات لم يسمها بالاسم بإيواء القتلة في اشارة لا تقبل اللبس إلى المحافظات ذات الغالبية السنية التي تشهد منذ أشهر اعتصامات سلمية مطالبة باستعادة حق المواطنة وسواها من الحقوق المدنية.

لو اتفقنا جدلا معه في ذلك الرأي في ما يتعلق بالتفجيرات التي تشهدها مناطق تسكنها أغلبية شيعية، فماذا عن التفجيرات التي تشهدها بالتوازي مناطق تقطنها أغلبية سنية؟ إن ما يشهده العراق من عمليات ابادة جماعية يثبت بطريقة جلية أن حرب الأشباح لا تفرق بين عراقي وعراقي آخر. هي ليست حرب تصفيات، تهدف إلى الانقضاض على عدو معلوم. فالقتلى دائما هم من عامة الناس، البسطاء، الفقراء، العاطلين عن العمل، الباحثين عن لقمة العيش وسبب للرزق.

المالكي وسواه من السياسيين العراقيين، سواء أكانوا في الحكم أم في المعارضة ينكرون وجود تلك الحرب، مشغولين بحروبهم الداخلية التي تتمحور حول السلطة ومنافعها. الوزراء الكرد يقاطعون أعمالهم حين تعترض الحكومة على سلوك زعامة الاقليم الكردي والوزراء السنة يذهبون إلى محافظاتهم محتجين حين لا يصغي المالكي إلى مطالب المعتصمين في تلك المحافظات، اما الوزراء الشيعة فانهم منهمكون في الصفقات وما تدره عليهم مناصبهم من عقارات وأموال سائلة صارت تملأ خزائن المصارف العربية والعالمية.

ألا يعني ذلك أن حرب الأشباح تجد في مايفعله سياسيو العراق الجديد مصدرا لإزدهارها؟