اليمن: القضية الجنوبية مدخلا للتباكي والابتزاز

"اذا كثرت الديكة بطل الليل" مقوله شعبية تحاكي وضع القضية الجنوبية. هناك جنوب يتكون من ارض وشعب وهناك قضية وما بين الشعب والقضية يوجد مسرح للاعبين خلف أسوار القضية، كل من في نفسه شيء عليه الاتجاه نحو القضية. اما الجنوب (الشعب) فهو خارج حسابات اللاعبين.

منذ انطلقت المشكلة في 2007 وتحولت الى قضية، هناك مشكلة وهناك قضية فعلا وللأسف معظم من كانوا سببا في وجود المشكلة والقضية يتسلقون اليوم على أنقاضها بدعوى حلها. الحل صعب وغير مجد اذا لم يكن حاضرا ومشاركا في الحل من تجرع المشكلة وذاق مراراتها. بعض من لهم صلة بالقضية الجنوبية يتعاملون معها ككرت يرفعه في وجه من يريد سواء في الداخل لتحقيق شيء معين او الخارج للاستعطاف وتحقيق شيء معين ايضا.

حل القضية صار معقدا اكثر نتيجة عدم التوافق وعدم وجود رؤية وطنية. عشرات التكتلات والمؤتمرات والجبهات والتيارات حولت القضية الى ثغاء من المطالبين بحل القضية. يتهافت المتهافتون لحل القضية بعيدا عن القضية ذاتها وتهافتهم هذا يحوم حول القوى التي لا تريد للقضية أي حل وكل ما تريده هو بقاءها كقضية وكمشكلة.

واحد من اللاعبين على نعش القضية هو علي عبدالله صالح الذي كان رئيسا وكان هو السبب الرئيسي للمشكلة ولا زال سببا في عدم حلها. علي صالح وبتهور سياسي وقصور في الإدراك والفهم بين الواجب المتعلق بالوظيفة والأداء وبين الرغبة في التملك والتوريث وبجهل سياسي استباح الجنوب أرضا وانسانا وعزز استباحته للأرض حين تعامل مع الجنوب كغنيمة يجب الاستفادة منها. وعلى هذا الأساس قام بتسريح الشعب من الخدمة العامة وقام بتوزيع الأرض والممتلكات العامة والخاصة على أصحاب النفوس الضعيفة بهدف دعم وتعزيز الولاء لشخصه وليس للوطن. للأسف ان نسبة لا بأس بها من الذين حازوا على جزء من هذه الغنيمة هم من ابناء الجنوب وهم من اعتبرهم الرئيس السابق "القادة الجدد" للجنوب ومكنهم ومولهم من الخزينة العامة ليمارسوا الفساد والطغيان على ارض وشعب الجنوب فكانوا اسوأ من حل على الجنوب.

الأرقام التي نشرتها لجنتا المبعدين والأراضي هي أرقام مهولة وتستدعي إيداع علي عبدالله صالح ومن عمل معه في الجنوب سجن محكمة لاهاي اولا قبل النظر في الحلول لان هذه الأرقام تشير الى تهجير وتشريد جماعية. ثمانون الف طلب من الذين استبعدوا من الوظيفة العامة وأربعة اللف ملف نهب أراض وممتلكات عامة وخاصة في عدن وحدها وسيرتفع الرقم الى عشرات الآلاف حين تستكمل مهمة لجنة الأراضي في كل المحافظات. وهذا يعني ان الحاكم المستبد علي صالح سعى الى تصفية الجنوب ارضا وشعبا وبدعم من المتهافتين من ابناء الجنوب.

قضية الجنوب لم تنل الاعتراف بها الا من خلال الثورة الشبابية الشعبية (اليمنية) التي اندلعت ضد نظام الرئيس المخلوع. ومع هذا الاعتراف بدأت تظهر مكونات تدعي تبنيها بالقضية الجنوبية. وبعض هذه المكونات مدفوعة من المخلوع ويمولها من الاموال التي نهبها من الجنوب وهدفه من هذه المكونات هو ضرب القضية الجنوبية وضرب الاستقرار والتوافق اضافة الى ايجاد عمل لزبانيته في الجنوب يلهيهم به وهو بهذا العمل ينتقم من كل الوطنيين واصحاب القضية.

وجود القضية الجنوبية على رأس اولويات مؤتمر الحوار هو خارطة الطريق الصحيحة لحل القضية الجنوبية. وهذه فرصة تاريخية للحل وبرعاية اقليمية ودولية وأممية. ومع هذا يبدو ان هناك من يسعى لإرباك المشهد العام ويتخذ من القضية وسيلة للابتزاز السياسي دون مراعاة للقضية الجنوبية.

الاشتراطات المسبقة وطرح الشروط كل هذا يقلل من فرص الحل العادل. القضية اصبح البعض يتناولها وفق ما يملى عليه فيصدر الصباح موقفا وفي الليل موقفا اخر: فك الارتباط، فدرالية، دولتين، مواقف موزعة الغرض منها تمييع القضية الأصل.

حل القضية الجنوبية لن يتحقق دون التوافق على رؤية موحدة ودون التنازل عن العنتريات ومقتضيات الحاجة الشخصية. التوافق خارج اطار سياسي كبير هو ايضا يقلل من اهميتها.

الرسالة التي وجهها الصريمة للرئيس هادي فيها من الدوافع السياسية لبعض الأطراف الإقليمية وفيها رائحة الإرباك. صحيح ان الرئيس هادي تأخر كثيرا لتوفير المناخ الملائم للحوار وهذا يعد مدخلا للابتزاز السياسي ومدخلا لتيار الرئيس المخلوع الذي يتباكى على القضية الجنوبية وكأنه بريء منها. يتباكى ويحسب ان الشعب يصدقه.

الابتزاز والتباكي بإسم القضية الجنوبية لن ينتجا أية حلول سياسية والقضية الجنوبية بحاجة الى إجماع وطني على رؤية موحدة لضمان افضل النتائج. وبدون هذا فالقضية ستظل عقدة وان توفرت الحلول فستكون هشة ولن تحل القضية بتباكي علي عبدالله صالح ومن معه من المتسوقين او من المزايدين بالقضية لينفذوا أجندات مشبوهة واكثر من هذا لن يتوفر الحل الآمن والسليم والمخلوع حر طليق.