الإمارات والجماعات المتأسلمة

قبل أن يجف مداد أخبار جلسات محاكمة الموقوفين من أعضاء الخلية الإخوانية، فاجأتنا الأنباء بتفكيك خلية إرهابية جديدة تابعة لتنظيم «القاعدة»، كانت تعمل سراً بدولة الإمارات، وتضم سبعة مخربين ينتمون لجنسيات عربية، كانوا يخططون للقيام بأعمال إرهابية تمس أمن الوطن، وسلامة مواطنيه والمقيمين فيه.

الخبر لا يدعو للاستغراب لو نظرنا إليه من زاوية كفاءة جهاز أمن الدولة، وخبرته المشهودة في تفكيك الخلايا الإرهابية التي تتربص شراً بالبلاد والعباد، وتريد في ذات الوقت أن تجعل من استقرار الإمارات قرباناً لعودتها إلى الحياة بمفاهيمها القديمة التي خدعت بها الجميع قبل أن تظهر على حقيقتها بعد جحيم الثورات العربية الأخيرة، وتريد الخروج من أزمتها النفسية الحادة، بعد الهزائم الكبيرة المتواصلة التي لحقت بها في الفترة الأخيرة وكسرت شوكتها وأبطلت مفعولها. ففي الإمارات تمكنت السلطات الأمنية من توجيه ضربات متلاحقة وسريعة للحركات التي تعلن عن تسييسها الإسلام بفهم يخدم مصالحها الذاتية الضيقة، ويسيء للدين الحنيف.

المتأسلمون أعلنوا الجهاد على المسلمين في بلدانهم ليحيلوا أمنهم لخوف، واستقرارهم لتشرد في معسكرات النزوح دون أن يحترموا عقول المسلمين التي وقفت حائرة مندهشة من تأرجح فتاوى علماء الجماعات الذين لم يتورعوا عن إلغاء الفتوى بنقيضها لخدمة مصالح التنظيم الذي ينتمون إليه. وقد أثبتت الأحداث بشهادة المفكرين والمحللين والباحثين المنسلخين عن هذه التنظيمات، أن التناقض الظاهري بين تلك التنظيمات التي تتاجر بشعارات الإسلام السياسي، وتتوه بين طرح تسييس الإسلام وأسلمة السياسة تبقى تناقضات مسرحية زائفة لأنها في حقيقة الأمر ترتبط ببعضها. ففصائل ما يعرف بالجهاديين كانت ترص صفاً واحداً في أفغانستان، وانتقلت للعمل بتنسيق دقيق في العراق وسوريا وغيرها من دول الاشتعال، واتفقت جميعها في استخدام الطرح الشائه للإسلام بهدف إسقاط النظم القائمة وحكم بلاد المسلمين. كما اتفقت في طرح ما أطلقت عليه دولة الخلافة، واتفقت أيضاً في سرية وغموض صلاتها بغير المسلمين، رغم إعلانها العداء الظاهري لهم، وأيضاً بانتهاك القوانين بالعمل السري غير المشروع هنا وهناك ومعاداة الأجهزة الأمنية، ومحاولة تشويه صورتها أمام الشعوب. فـ «القاعدة» التي قُتل زعيمها بن لادن -حسب ما هو مُعلن- داخل باكستان، وتنظيم الإخوان المتأسلمين الذي أثار زوبعة «الجحيم العربي» ولا يزال يتحدى إرادة الشعوب التي لم تتوقف عن ملء الميادين مطالبة برحيله، لم يتوقفا عن استهدافهما لدولة الإمارات. وقد شهدت الفترة الأخيرة تفكيك الأمن الإماراتي لعدد من الخلايا السرية التابعة لهما، كالخلية السرية التي ضمت إماراتيين وسعوديين، بعد أن خططت لهجمات إرهابية كبيرة ومؤثرة تهدف لزعزعة استقرار ونهضة الدولة، وقبلها أُلقي القبض على الخلية الإخوانية الإماراتية التي تسترت باسم الإصلاح، وأقامت تنظيمها المخالف لقوانين الدولة وشرعت في إنشاء جناح عسكري كخطوة لقلب نظام الحكم بالقوة، وأعقب ذلك الحدث تفكيك خلية إخوانية مصرية تتكون من 11 عنصراً، كانوا يجمعون الأموال باسم الأعمال الخيرية ويرسلونها لقيادة التنظيم في دولتهم، ويعملون في ذات الوقت على تجنيد أفراد مقيمين من بني جلدتهم لمصلحة التنظيم الإخواني، بجانب جمعهم معلومات تتعلق بأمن الدولة والقيام بمناصرة أفراد خلية الموقوفين.

هذا النجاح الكبير للأمن الوطني والذي يدل على يقظته وخبرته الكبيرة وكفاءته العالية في اكتشاف تلك الخلايا وتفكيكها، يجعل من غير المستغرب أن تزيد تلك التنظيمات من استهدافها والقيام بعمليات يائسة. فالنموذج الإماراتي المستقر أضحى من أكبر العقبات التي كشفت عورة فشل «الإخوان» بعد وصولهم لسدة الحكم في بعض الدول العربية، وهم لا يملكون برنامجاً واضحاً لإدارة تلك الدول والعبور بها لبر الأمان، لتبقى مقارنة أحوال الدول الرازحة تحت حكمهم بحالة الإمارات التي رفض شعبها رفضاً نهائياً قاطعاً خوض مثل تلك التجارب التي أثبتت فشلها الذريع، هي الهاجس الأكبر الذي أقلق مضاجع التنظيم، وجعل الشعوب تنتفض عليه مطالبة بمحو وجوده من تاريخها، ومعلنة عدم رغبتها في الخضوع لكل جماعات نفاق الإسلام السياسي، والتي تحاول الإضرار بنهضة الإمارات المتقدمة التي أضحت معلماً واقعياً يذكرها ويذكر شعوبها بفشلها وعجزها الكامل في إدارة اللعبة السياسية، رغم محاولاتها التخفي وراء اسم الإسلام كوسيلة لبلوغ غاية أساسية هي الوصول لكراسي السلطة وتنصيب نفسها كجلاد للشعوب.

التفجيرات التي قامت بها تلك التنظيمات، وعلى رأسها «القاعدة»، داخل الوطن العربي، باسم محاربة مظاهر الانحلال المزعومة، أفقدت تلك الدول كل عوامل استقرارها وأقعدتها عن الاستثمار الأمثل لمواردها الاقتصادية والسياحية والمجتمعية. والأسوأ من ذلك قيامهم بإلغاء كل فتاواهم التي نادت بشرعية محاربة الأنظمة المسلمة التي استعانت بالأجانب، في حلحلة بعض قضايا المنطقة، والتي أصدروها قبل وصولهم للحكم، واستبدلوها بالفتاوى التي تجيز للحاكم الاستعانة بالأجنبي، وقاموا بتنفيذها دون أن يرمش لهم جفن، ودون أن يبرروا للشعوب المسلمة أسباب ومقتضيات التناقض بين الفتاوى التي سبقت وأعقبت الوصول للسلطة، دون احترام لعقول تلك الشعوب! فقاعدة «نفذ ثم ناقش» التي تصدرت النظام الأساسي لتلك التنظيمات، ظلت تحكم تعاملها مع أفرادها، وحاولت التعامل بها مع الشعوب رغم أن السواد الأعظم منها لا ينتمي لها، فهي تريد حتى من غير المنتمين إليها تقبل فتاواها وتنفيذها دون تفكير أو نقاش، رغم أنها لم تقسم «قسم البيعة» لتلك التنظيمات، ورغم أن تلك الشعوب تضم قوى سياسية تناهضها وتتباين معها في الأيديولوجيا.

وبموجب تلك الفتاوى أحلت التنظيمات المتأسلمة لنفسها استهداف الدول المسلمة، خاصة دولة الإمارات، واستماتت في التخطيط لإفشال النموذج النهضوي الإماراتي الذي شكل معجزة من معجزات العصر الحديث، بعدما عجزت عن استنساخه أو إيجاد بديل منافس له. غير أن الإمارات بجانب نجاحها الكبير في إفشال مخططات تلك التنظيمات وتفكيك خلاياها والتصدي لمختلف أنماط الاستهداف الداخلية والخارجية التي قامت بها، كسرت شوكة «القاعدة» و«الإخوان»، وستبقى هزائمهم أمامنا مستمرة.