العمليات الانتحارية أو الاستشهادية!

فقهاء العنف وحدهم شرعوا للعشاء مع الرسول بعد كل مجزرة!

لا أعتقد أن هناك (بدعة) ابتدعها الصحويون الحركيون، ومررها بعض الفقهاء دون وعي بتبعاتها - هذا طبعاً إذا أحسنا الظن فيهم - مثل بدعة (العمليات الانتحارية) التي يُسمونها (استشهادية). تسأل: إذا كانت مشروعة كما تقولون، ويُثاب فاعلها، بل يُعتبر شهيداً، لماذا لم يعرفها السلف؛ فلا يوجد في التراث الفقهي مثل هذا المصطلح قط رغم حرص المسلمين الأوائل على الجهاد وطلبهم الشهادة بالطرق المشروعة، اللهم إلا فرقة باطنية كانت تُسمى (الحشاشون)، أسسها الحسن الصباح الإسماعيلي في قرية (آلموت) في بلاد فارس، ظهرت بينهم هذه البدعة.

وروت كتب تاريخ أهل السنة فعلتهم (الانتحارية) هذه باستهجان واضح؛ فإذا كانت مشروعة كما يزعم مشايخ الصحوة، وبعض من ضللوهم من كبار السن السُذج، فلماذا لم يَقتفِ أهلُ السنة أثرَ فرقة الحشاشين، ويقتلون أنفسهم، أو قل: (يستشهدون)، نصرة للدين، طيلة ما يزيد على أربعة عشر قرناً كما كان يفعل أولئك الباطنيون؟

ثم هل يُعقل أن فكرة الاستشهاد على طريقة الحشاشين بقيت ما يزيد على أربعة عشر قرناً خارج الإطار الفقهي السني لمفهوم الجهاد في الإسلام حتى أتى الصحويون الحركيون ليكتشفوها؟

دعونا نرى فيما تبقى من هذا المقال تخريج مشايخ الصحويين لهذه البدعة المُحدثة. من يقرأ تأصيل استدلالاتهم بموضوعية سينتهي إلى أن ثمة نية مُبيّتة منذ البداية لإباحة هذه العمليات الدموية بأية طريقة؛ لأنها تخدم الحركية (الثورية) الإسلاموية وتُحقق أهدافها، رغم أن الآيات مُحكمة الدلالة، والأحاديث الواضحة الجلية، تُحرم قتل النفس (على الإطلاق) كما هو معروف.

الدليل الأهم الذي يجعلونه في مقدمة تأصيلهم لجواز الانتحار هو قصة (غلام أصحاب الأخدود) مع الملك الذي أراد أن يقتل الغلام المؤمن، فحاول قتله مرات عدة بطرق مختلفة، ولكن الله نجّى ذلك الغلام؛ فتعجب هذا الملك، فقال له الغلام: أتريد أن تقتلني؟ قال: نعم، قال: اجمع الناس ثم خُذ سهماً من كنانتي، واجعله في القوس، ثم ارمني به، وقل: بسم اللّه ربّ الغلام.

وكانوا إذا أرادوا أن يُسموا، قالوا: باسم الملك، ففعل الملك ما قاله له الغلام فقُتل كما جاء في حديث صهيب بن سنان؛ واعتبروا أن هذا دليل على جواز العمليات الانتحارية، فالغلام في رأيهم - عملياً - قَتَل نفسه كما يقولون.

هذا الدليل ردَّ عليه الشيخ محمد بن عثيمين - رحمه الله - رداً في غاية الإحكام؛ وأجد من المناسب أن ندعه - رحمه الله - يرد عليهم. يقول في "شرح رياض الصالحين" (1-165-166): (إن الإنسان يجوز أن يغرر بنفسه في مصلحة عامََّة للمسلمين، فإن هذا الغلام دلَّ الملك على أمر يقتله به ويهلك به نفسه، وهو أن يأخذ سهماً من كنانته... إلخ.

قال شيخ الإسلام: «لأنَّ هذا جهاد في سبيل اللّه، آمَنَت أمَّة وهو لم يفتقد شيئاً؛ لأنَّه مات، وسيموت آجلاً أو عاجلاً». فأمَّا ما يفعله بعض الناس من الانتحار، بحيث يحمل آلات متفجرة ويتقدّم بها إلى الكفار، ثم يفجرها إذا كان بينهم، فإن هذا من قتل النفس والعياذ باللّه، ومن قتل نفسه فهو خالد مخلد في نار جهنم أبد الآبدين.

كما جاء في الحديث عن النبي - عليه الصلاة والسلام - لأن هذا قتل نفسه لا في مصلحة الإسلام؛ لأنه إذا قتل نفسه وقتل عشرة أو مئة أو مئتين، لم ينتفع الإسلام بذلك، فلم يُسلم الناس، بخلاف قصة الغلام، وهذا ربما يتعنّت العدو أكثر ويُوغر صدره هذا العمل، حتى يفتك بالمسلمين أشدّ فتك.

الدليل الثاني استشهادهم بفتوى للشيخ محمد بن إبراهيم - رحمه الله - يزعمون أن الشيخ فيها أباح العمليات الانتحارية. فقد جاء في التقرير رقم 1479 من فتاوى الشيخ ما نصه: الفرنساويون في هذه السنين تصلبوا في الحرب ويستعملون «الشرنقات» - وهي الإبرة أو الحقنة - إذا استولوا على واحد من الجزائريين - ليعلّمهم بالذخائر والمكامن - ومن يأسرونه قد يكون من الأكابر، فيخبرهم بأن في المكان الفلاني كذا وكذا. وهذه الإبرة تُسكره إسكاراً مقيداً.

ثم هو مع هذا كلامه ما يختلط، فهو يختص بما يُبينه بما كان حقيقة وصدقاً. جاءنا جزائريون ينتسبون إلى الإسلام يقولون: هل يجوز للإنسان أن ينتحر مخافة أن يضربوه بالشرنقة، ويقول: أموت أنا وأنا شهيد، مع أنهم يعذبونهم بأنواع العذاب؟ فقلنا لهم: إذا كان كما تذكرون، فيجوز). أي أن الفتوى ليست مطلقة وإنما قيّدها بما ذُكرَ له في قوله كما جاء في التقرير: (إذا كان كما تذكرون فيجوز)؛ أي أن الفتوى جاءت أولاً على سبيل (الاضطرار)، وثانياً أن الشخص مأسور، وثالثاً أن لديه أسراراً ويُخشى من إفشائها رغماً عنه، فكيف يمكن قياسها - بالله عليكم - بمن ينتحر ابتداء أي يُقدِم بنفسه على الانتحار مختاراً غير مضطر؟

بقي أن أقول إن الشيح عبدالعزيز بن باز وكذلك الشيخ الألباني والشيخ صالح الفوزان إضافة طبعاً إلى الشيخ محمد بن عثيمين جميعهم بلا استثناء يُحرمون هذه العمليات، ويعتبرون المنتحر خالداً مُخلداً في النار؛ وأرجو ألا يأتي واحدٌ من الحركيين (مطفّي النور) ليتَّهم هؤلاء العلماء الأجلاء بأنهم (جامية) كما هي عادتهم عندما ينحشرون، ويعدمون الدليل.

محمد بن عبد اللَّطيف آل الشَّيخ

نشر في الجزيرة السعودية