إبراهيم عبدالمجيد في الكويت: الشخصيات التي كتبتها أتعبتني وتأثرت بها جداً

يخشى على حرية التعبير في مصر

الكويت ـ أقام ملتقى الثلاثاء بالكويت احتفالية خاصة بالروائي المصري الكبير إبراهيم عبدالمجيد، أدارتها د. رضوى فرغلي، في مقر الجمعية النسائية الثقافية.

في البداية قدمت د. فرغلي تعريفاً موجزاً بالمحتفى به ومنجزه السردي الذي يزيد عن عشرين رواية ومجموعة قصصية أهمها: "ليلة العشق والدم"، "البلدة الأخرى"، "المسافات"، "عتبات البهجة"، و"بيت الياسمين"، و"لا أحد ينام في الإسكندرية" و"طيور العنبر". كما أشارت إلى أن عبدالمجيد وزَّع تاريخه حياة وعملاً بين مدينتين عظيمتين.. الإسكندرية والقاهرة.. لكن تظل عروس البحر المتوسط مسقط الرأس ومنبع الوحي والإلهام ودرة إبداعه في ثلاثيته عنها راصداً المصائر وتحولات المدينة التي بدأها بـ "لا أحد ينام في الإسكندرية" ثم "طيور العنبر" وأخيراً أحدث رواياته "الإسكندرية في غيمة". واختتمت بالتأكيد على أنه من أكثر الكتاب الكبار مساندة ومتابعة للأجيال الشابة.

بعدها ألقى عبدالمجيد شهادة موجزة وجَّه في بدايتها الشكر لملتقى الثلاثاء، كما أشاد بالدور الثقافي للكويت ليس فقط في إصداراتها وسلاسلها المعروفة بل لأنها كانت ملاذاً في الستينيات والسبعينيات للعشرات من المبدعين والمثقفين العرب.

ثم تطرق إلى روايته الأولى "في الصيف السابع والستين" وكانت تسجيلية عن النكسة بطريقة الكولاج، مشيراً إلى أن معظم الطلاب في تلك الآونة كانوا ينخرطون في أنظمة يسارية سرية وهو ما أتاح له القراءة في العلوم الاجتماعية والاقتصادية لكنه ضيق الأفق الأدبي بسبب مباشرة الخطاب. وبعد تجربة اعتقال قصيرة، ونضج الأدوات أدرك أهمية المزاوجة بين الفن والفكر الذي يأتي في خلفية السرد، وكذلك أهمية حسية الوصف واللغة السينمائية خصوصاً أنه من عشاق السينما.

حول ثلاثيته عن الإسكندرية قال إنه لا يفضل أن تكون الرواية التاريخية وعاء لطرح الأفكار السياسية بل أن يأخذ القارئ في رحلة إلى تفاصيل هذا العصر لذلك استغرق في كتابة "لا أحد ينام في الإسكندرية" ست سنوات، فزار أماكن الحرب العالمية الثانية ومقابر الحلفاء وقرأ صحف تلك السنوات، حيث تركز الرواية على تأثير الحرب على الإسكندرية، مشيراً إلى الطابع الكوزموبوليتاني لها آنذاك تحت شعار "الدين لله والوطن للجميع"، فعاش فيها المصريون من مسلمين ومسحيين ويهود، ومن اليونانيين والإنكليز والطليان.

وأوضح الروائي المصري أن الإسكندرية بدأت تفقد هذا الطابع شيئاً فشيئاً بعد ثورة يوليو وسياسة التمصير وتداعيات العدوان الثلاثي حيث جرى طرد الإنكليز والتضييق على اليهود. ونظر العسكر إلى "الثقافة" باعتبارها من آثار الاستعمار، وقد عالج خروج الأجانب في "طيور العنبر" وهي الجزء الثاني من الثلاثية، وصولاً إلى عصر السبعينيات وتحالف السادات مع القوى الإسلامية ضد اليسار، وهو ما جعل الإسكندرية تفقد أيضاً طابعها المصري وانفتاحها وتظهر بها جماعات الإسلام السياسي، وتتحول الملاهي إلى مقاه، وتنشر بها العشوائيات وردم بحيرة مريوط، وقد تناول ذلك كله في روايته الصادرة حديثاً "الإسكندية في غيمة".

وفي الجزء الثاني من الاحتفالية أدارت د. فرغلي حواراً مع الكاتب الكبير مستلهماً من فقرات ونصوص من أهم رواياته، فرداً على سؤال حول الكتابة ومراودتها وطقوسها قال: أومن أن كل رواية هي مجال للتجريب، وأن الفن أثناء الكتابة مقدس، لكن بعد الطباعة تصبح الرواية "سلعة" تعجب البعض أو لا تعجبه. والكتابة ليست اختياراً بل هي موهبة تتفجر لأي سبب، ثم يأتي بعد ذلك الإلمام بتاريخها وجمالياتها.

وأضاف: ليس لدي خطط معينة للكتابة، باستثناء الثلاثية، فأن تنقلت بين مدن وأعمال كثيرة ورأيت نماذج بشرية لا حصر لها، ولا أميل إلى التدوين بل أكتب ما يبقى في الروح من كل هذا. وأحتفظ بمكتبي نفسه منذ أكثر من أربعين عاماً وكل ما يهمني أن تكون الإضاءة بيضاء توحي بالرحابة، وأبدأ الكتابة بعد منتصف الليل على إيقاع البرنامج الموسيقى حتى الصباح تقريباً، ولا أفضل أن يكون المكتب مزدحماً بمكتبة كبيرة لهذا أتخلص من عشرات الكتب بتوزيعها على المدارس والمستشفيات.

وتابع: الكثير من الشخصيات التي كتبتها أتعبتني وتأثرت بها جداً وأعتبر أن حياتي الحقيقية هي ما كتبته وليس ما عشته، فأنا أعيش في الوهم اكثر من الواقع الذي يمر أمامي كأنه فيلم.

وعن المؤثرات والمحفزات الأساسية قال: تأثرت جداً بدراستي للفلسفة خصوصاً الفلسفة الوجودية، وكذلك بالتراجيديا الإغريقية وكنت أعد رسالة ماجستير في المسرح، ومن الكتاب تأثرت بنجيب محفوظ وكافكا وديستوفسكي ودينو بوزتزاي خصوصاً في روايته "صحراء التتار".

كما أشار إلى تأثره بالتجارب التي عاشها والتي تظهر بجلاء في أعماله خصوصاً تجربة انتمائه إلى تنظيم سري واعتقاله، وسفره للعمل في السعودية لمدة 11 شهراً أثمر روايته "البلدة الأخرى" عندما اكتشف أن الناس لا تتكلم عن أي شيء إلا الفلوس. وذكر أنه أشار إلى علاقته بالكتابة والأماكن والتجارب في كتابه "غواية الإسكندرية" التي وصفها بأنها "المدينة التي تمشي معه" فيما القاهرة مجرد "فرجة" لا يتفاعل معها رغم أنه يعيش فيها منذ أكثر من 35 سنة وولد فيها أبناؤه.

واستغرب من مطالبة البعض له بألا يكتفي بالثلاثية ويجعلها رباعية مثل داريل، مشيراً إلى أن داريل تأثر بالروح الاستعمارية في روايته وأنه أحب أكثر كتابات كفافيس عنها.

عن اقتصار الجوائز التي حصل عليها على مصر مثل جائزة الدولة التقديرية، والتفوق، وجائزة نجيب محفوظ من الجامعة الأميركية، قال إنه يعتبر الجوائز مثل الزواج "قسمة ونصيب".

ورداً على سؤال حول إسقاط البعض لاسمه من جيل الستينيات والبعض الآخر من جيل السبعينيات، قال عبد المجيد: أنا الذي أسقط نفسي من حكاية الأجيال هذه، فجيل كل عشر سنوات نظام وزارة الصحة وليس الإبداع موضحاً أنه منذ الخمسينيات من القرن الماضي وهناك اشتغال على التجديد والتجريب حتى اليوم، وغالباً يرتبط مفهوم الجيل الأدبي بأحداث كبرى تترك بصمتها على الإبداع مثل ثورة 19 أو النكسة متوقعاً أن يكون لثورة 25 يناير تأثيرها، لكنه لا يتمنى الكتابة عنها إبداعياً حيث اكتفى بمذكراته عن مشاركته في الأيام الأولى للثورة.

وفي الجزء الثالث من الاحتفالية فتح الباب إلى المداخلات ومن أبرز المتحدثين الروائية ليلى العثمان، الروائي طالب الرفاعي، والكاتب سليم الشيخلي. فعن علاقته بالوظيفة وتأسيسه لدار نشر "بيت الياسمين" قال إنه عمل موظفاً 35 سنة ذهب فيها إلى العمل 35 مرة فقط، مشيراً إلى أن عمله في وزارة الثقافة أتاح له التفرغ للكتابة، أما دار النشر فهي لابنه وهو مجرد مستشار فيها وتساعده على الخروج من البيت ومتابعة إبداعات الشباب. وفي جملة واحدة نصح كل كاتب شاب ألا يسمع كلام أحد.

وعن جديده قال إنه يكتب رواية جديدة عن مجيئه إلى القاهرة. كما أشار إلى أن العديد من رواياته ترجمت إلى الفرنسية والإنكليزية لكنه لا يهتم كثيراً بموضوع الترجمة.

ورداً على سؤال بشأن تحويل أعماله إلى الشاشة قال إن "لا أحد ينام في الإسكندرية" و"قناديل البحر" تحولتا إلى مسلسل و"الصياد واليمام" إلى فيلم، كما كتب بنفسه مباشرة مسلسل "بين شطين وميه"، وتعاقد على تحويل روايتين أخريين، عدا عن تحويل الكثير من قصصه القصيرة إلى أفلام قصيرة في مشاريع تخرج طلاب معهد السينما.

حول متابعته لما يدور في مصر الآن أكد إبراهيم عبد المجيد أنه يخشى على حرية التعبير في مصر، مشيراً إلى أن ما نعيشه هو تداعيات 40 سنة مضت وأنه يحرص على المشاركة في المظاهرات وأشكال الاحتجاج وكتابة المقالات للتعبير عن مواقفه ولأنه ذلك يشعره براحة نفسية والقدرة على التفاؤل.

وفي ختام الاحتفالية شارك إبراهيم عبد المجيد والروائية الكبيرة ليلى العثمان في توزيع شهادات التقدير على الفائزين في ورشة القصة القصيرة التي نظمها الملتقى وهم: زيد الفضلي الفائز بالمركز الأول عن قصته "جريمة تشايكوفسكي"، ياسر صديق في المركز الثاني عن قصته "قبل الخامسة"، وفي المركز الثالث كل من أسامة السماك "خنجر الآخر" وعبدالوهاب سليمان "الصورة الأخيرة لجندي"، إضافة إلى شهادة تقدير خاصة من لجنة التحكيم لأصغر مشاركة في الورشة الكاتبة فاطمة الخطاف.